الدراما التاريخية السورية تغيب في رمضان تاركة فراغا مدويا

تراجع كبير في عدد المسلسلات التاريخية ضمن المشهد الدرامي السوري طيلة سنوات.
الأربعاء 2020/05/20
هل طويت صفحة الأعمال التاريخية السورية وباتت نسيا منسيا؟

مع تغيرات الزمن، تحضر أشكال درامية محددة وتغيب أخرى، لتكرّس نمطها الفني على أذواق الناس لفترات طويلة. ولكن الزمن ذاته قد يحمل متغيرات جديدة حتى على الأشكال الدرامية التي نجحت وترسّخت. وهو ما حصل مع الأعمال التاريخية السورية، منذ بدء مشوارها حتى الموسم الحالي الذي حمل للكثيرين مفاجأة غيابها تماما عن المشد الدرامي؟ 

دمشق – في الموسم الرمضاني الحالي 2020 غابت الأعمال التاريخية تماما عن مساحة الإنتاج في الدراما السورية، ولم تتصدّ أيّ شركة لتقديم عمل في هذا الاتجاه. وبالتالي فقدت الدراما السورية الشكل الأكثر توهجا فيها خلال فترة العقدين الأخيرين.

فعبر سنوات طوال كانت منصات الفن العربي وكذلك الصحافة الفنية العربية تؤكد بما يقارب الإجماع على أن الدراما التاريخية السورية هي الأهم في إنتاجات الدراما العربية، وما الجوائز التي حققتها طيلة سنوات إلّا تأكيدا على ذلك.

ويبدو أن المشهد الدرامي السوري المليء بالفوضى في الوقت الراهن من حيث حدة الاستقطاب السياسي الموجود بين أهله، والتي تتقاطع مع وجود أمزجة عربية متنافرة لدى توجهات القنوات العارضة، عاجز عن إيجاد حلول واضحة وسريعة وناجحة تخرج هذا الشكل الفني المتميز من النفق المظلم الذي دخلت فيه، ولكي لا نصل إلى فكرة تفيد بأن الأعمال التاريخية السورية ذاتها قد صارت من التاريخ.

وحقّقت الدراما التاريخية بشكل عام حيزا كبيرا من اهتمام الجمهور العربي في متابعاته للمسلسلات التي تقدّم في رمضان عبر سنوات طوال، وهي المسلسلات التي كانت مرتبطة من حيث نشوئها بالتاريخ الإسلامي والسيرة النبوية.

ارتفاع كلفة إنتاج الأعمال التاريخية وظهور حساسيات سياسية عربية، جراء إنتاج هذه الأعمال، جعلا الاهتمام بها يتراجع

ويعتبر مسلسل “على هامش السيرة” الذي قدّمته الدراما المصرية من أشهر الأعمال التي كرّست هذا النهج، وقد عرض عام 1978، وهو مأخوذ عن كتاب للأديب طه حسين الذي يحمل نفس العنوان وكتبت الحوار له أمينة الصاوي وأخرجه أحمد طنطاوي وشاركت فيه نخبة من أشهر فناني مصر.

وفي سوريا يعتبر مسلسل “انتقام الزباء” أول عمل تاريخي سوري تلفزيوني يحمل ملامح العمل التاريخي بكامل تفاصيله، وقد كتبه محمود دياب وأخرجه غسان جبري ولعبت بطولته الفنانة الراحلة سلوى سعيد وعرض عام 1974. ثم “سيرة بني هلال” للكاتب عبدالعزيز هلال وقدّم فيه أربعة حكايات هي: “جابر وجبير”، “الأميرة الخضراء”، “الأميرة الشماء” و”الزناتي خليفة”.

وقدّمت بعده العديد من الأعمال منها “دليلة والزيبق” تأليف عبدالعزيز هلال وإخراج شكيب غنام، ثم قدّم المنتج والكاتب داوود شيخاني مسلسلا شكل قفزة هامة في الدراما التاريخية السورية وهو “بصمات على جدار الزمن” الذي يحكي عن فترة سياسية ساخنة عاشتها مدينة طرابلس في ليبيا أيام الاحتلال العثماني لها، ويرصد فترة بين عامي 1783 وحتى 1793، وهي الفترة التي عاشت فيها سيدة بريطانية في قنصلية المملكة المتحدة بطرابلس وكتبت مذكراتها بعد احتكاكها بالمجتمع الليبي، وصدرت المذكرات في كتاب تحت عنوان “عشر سنوات في بلاط طرابلس” بالمملكة المتحدة عام 1817 وترجم إلى الفرنسية والعربية.

وعنه كتب الشيخاني مسلسل “بصمات على جدار الزمن” الذي أخرجه هيثم حقي في أول مسلسلاته التاريخية، الذي شارك فيه في دور يوسف بيك الفنان الشهير ياسر العظمة في ظهور نادر له خارج إطار الكوميديا.

وفي عام 1989 ظهر مسلسل “غضب الصحراء” عن نص كتبه هاني السعدي ومن إخراج هيثم حقي. وفي نفس العام ظهر مسلسل “البركان” لهاني السعدي كاتبا ومحمد عزيزية مخرجا، وشكل العملان توجها جديدا في الدراما التاريخية السورية من حيث اعتمادهما التصوير الخارجي الحقيقي.

مسلسل "مقامات العشق".. سيرة العالم والمتصوّف محي الدين بن عربي
مسلسل "مقامات العشق".. سيرة العالم والمتصوّف محي الدين بن عربي

ولعل المرحلة المتوهجة في تاريخ الدراما التاريخية في سوريا بدأت إبّان عقد التسعينات وتحديدا مع مسلسل “الجوارح” الذي كتبه هاني السعدي وأخرجه نجدة إسماعيل أنزور وكان من إنتاج دبي.

وحقّق المسلسل حضورا طاغيا لدى الجمهور السوري والعربي مستفيدا من وجود شبكة فضائية عربية كبيرة عرضت المسلسل مرارا بنجاح كبير، ثم كانت القفزة الكبيرة بدخول الكاتب والشاعر الفلسطيني الأردني وليد سيف إلى حركة الدراما من أوسع أبوابها فكتب ما يعتبره الكثير من نقاد الفن أحد أهم المشاريع الفكرية والفنية التي وجدت في تاريخ الدراما العربية عموما وهو “الرباعية الأندلسية” التي تتكوّن من أربع أجزاء هي “صقر قريش” الذي أنتج عام 2002، ثم “ربيع قرطبة” وأنتج في العام التالي، وحمل الجزء الثالث عنوان “ملوك الطوائف” الذي قدّم عام 2005.

بينما توقف تنفيذ الجزء الرابع “سقوط غرناطة” لأسباب إنتاجية، وباءت كل محاولات إنتاجه بالفشل رغم النجاح الكبير الذي حقّقته السلسلة والتي قام بإخراجها كلها المخرج حاتم علي.

وتميّزت الأعمال الدرامية التاريخية السورية بعملها في الأجواء الطبيعية فخرجت من الأستديوهات وصوّرت في الصحارى والبحار والأنهار، واستقدمت مصمّمي معارك عالميين سبق وأن عملوا في السينما العالمية، منهم روبرتو كروز كما تجاوزت الحدود السورية باستقدامها فنانين عربا، فشاركت جولييت عواد وعبدالكريم القواسمي وجميل عواد من الأردن وجواد الشكرجي وباسم القهار من العراق ومحمد صبحي وممدوح عبدالعليم من مصر وأنطوان كرباج وبيير داغر ودارين الجندي من لبنان ومحمد مفتاح وفاطمة الخير من المغرب وياسر عبداللطيف من السودان.

وقدّمت الدراما السورية بعد ذلك مسلسلات تناولت أحداثا تاريخية إسلامية كالسيرة النبوية في “قمر بني هاشم” و”صدق وعده”، وكذلك تناولت شخصيات تاريخية إسلامية مثل هارون الرشيد ومحيي الدين بن عربي، أو تناولت شخصيات تاريخية عسكرية مثل صلاح الدين الأيوبي وخالد بن الوليد والقعقاع بن عمر التميمي وغيرهم. وكانت حصة الأعمال التاريخية في الدراما السورية كبيرة ولا يخلو موسم من وجود أكثر من خمسة أعمال فيه.

ومع ارتفاع كلفة إنتاج الأعمال التاريخية وظهور حساسيات سياسية عربية جراء إنتاج بعض هذه الأعمال تراجع الاهتمام بها، فبدأ العدد بالتناقص حتى جاء عام 2011 بما أوجده من ظروف خاصة نتيجة الحرب التي تدور في سوريا الأمر الذي أرخى بظلاله الثقيلة على حركة الدراما التاريخية.

ومع تعطل آلية العمل في تنفيذ هذه الأعمال من حيث خروج مناطق كبيرة من إمكانية التصوير فيها بسبب الحرب وارتفاع تكاليف الإنتاج وسفر عدد من المبدعين السوريين خارج البلاد وأخيرا صعوبة ترويج هذه الأعمال على الفضائيات العربية، أدّت كل هذه العوامل مجتمعة إلى تراجع كبير في عدد المسلسلات التاريخية ضمن المشهد الدرامي السوري لتحل مكانه اتجاهات أخرى. فغابت لسنوات عديدة هذه الأعمال وصارت تظهر بأشكال منفردة كما في “مقامات العشق” الذي أنتج عام 2019 والذي يروي سيرة العالم والمتصوف محيي الدين بن عربي.

14