الدراما التركية تواصل في رمضان خسارة الفضائيات العربية

مساعي أنقرة للانتشار الفني في الأسواق المغاربية لن تعوض خروجها من السوق الخليجية.
الثلاثاء 2019/05/14
"مشاعر" تونسية جزائرية بنكهة تركية

مثّل قرار المجموعة التلفزيونية الأضخم في الشرق الأوسط “أم.بي.سي” بالتوقف عن عرض المسلسلات التركية المدبلجة إلى اللهجة السورية، ضربة قاصمة للقوة الناعمة لتركيا، ممّا انعكس سلبا على سياحة البلد ومردوديته الاقتصادية، الأمر الذي جعل صنّاعها يبحثون عن حلول أخرى موازية سواء بطرق أسواق جديدة أقل أهمية أو من خلال ذهابهم هم إليها.

حققت المسلسلات التركية في الأعوام العشرة الأخيرة انتشارا كبيرا على مستوى العالم وصلت من خلاله إلى حدود 156 بلدا، لتحتل بذلك المرتبة الثانية عالميا من حيث الانتشار بعد الولايات المتحدة.

وشمل هذا الانتشار غير المسبوق العالم العربي، أيضا، فباتت القوة الناعمة لأنقرة حديث المجتمعات الخليجية خاصة، التي رأت في الدراما التركية ملاذا عن قلة الإنتاج الدرامي العربي الذي يقتصر على موسم واحد شبه وحيد، هو شهر رمضان، كما وجدت فيها جماليات إخراجية وحبكة درامية ومشاهد طبيعية وأخرى سياحية أجّجت فيهم حب الاكتشاف.

ترويج ثقافي وسياسي

انتشار المسلسلات التركية بالعالم العربي والخليجي خاصة لم يساهم في زيادة مبيعات قطاع صناعة الدراما بالبلد نصف الآسيوي نصف الأوروبي فحسب، إنما ساهم أيضا في التعريف بالسياحة في البلاد والترويج لها، حيث ساهمت المسلسلات التركية منذ العام 2006 بشكل كبير في زيادة أعداد السياح من منطقة الشرق الأوسط إلى تركيا.

وتحقق لتركيا من وراء الدراما الخاصة بها ما لم تتخيّله من مكاسب اقتصادية وثقافية وسياسية في الشارع العربي، حيث أصبح المئات من العرب يقضون عطلاتهم في تركيا، وأصبحت إسطنبول وجهة سياحية منافسة لكل من باريس ولندن.

ولأن تركيا الطامحة إلى استرجاع مجدها العثماني الغابر، سرعان ما كشرت عن أنيابها لتغدو مسلسلاتها وسيلة تستعملها السلطة لتصدح بها وتنفخ في لهيب الشرق الأوسط، معتمدة في ذلك على أجود قصص البطولات العثمانية لصوغ حنين الشعوب العربية إلى ذاك الرجل المريض، علاوة على إخراج مُبهر ونجوم ذوي وسامة خارقة، وحبكة درامية مُتصلة غير مُنفصلة كحال السيتكومات العربية، قد تمتد في مسلسل واحد من 4 أو 5 أجزاء إلى ما يزيد عن 250 حلقة، ومن هناك يظل المشاهد العربي مشدودا إلى التلفاز لأزيد من سنة أحيانا، وهو عمر مسلسل “حريم السلطان” بأجزائه الأربعة على سبيل الذكر لا الحصر.

وفي هذا الخصوص يقول الصحافي بجريدة «الصباح» التونسية، محمد صالح الربعاوي لـ”العرب”، “هذه القوة الناعمة لأنقرة تمكّنت في وقت وجيز، من أن تتحوّل إلى رقم صعب في المشهد الدرامي العالمي، وذلك بفضل إستراتيجيا مُمنهجة اعتمدت أساسا على الإبهار صورة ونصا، لتحقّق من الانتشار لاحقا من خلال عامليْ التراكم والتعوّد الذي حصل بين المُشاهد العربي عموما والدراما التركية، وهي التي تمكّنت في عشرية فقط من أن تجعل نحو 500 مليون مشاهد يتابعون مُسلسلاتها في 156 دولة حول العالم”.

وبعدما انكشف المستور من الغايات التوسعية التركية التي باتت تقتحم العرب عبر شاشة التلفزيون، فتغيّب فيهم تاريخهم وحاضرهم وربما مُستقبلهم، قرّرت السعودية في العام 2018 الماضي غلق الباب أمام صناعة الدراما التركية، ممّا مثل ضربة قاسمة لأحلام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، المختصّ الأول في وضع السم في الدسم.

وجهة بديلة

"بنات فضيلة" مسلسل تركي مدبلج إلى العامية التونسية
"بنات فضيلة" مسلسل تركي مدبلج إلى العامية التونسية

بتراجع الإنتاج الدرامي التركي المُصدّر إلى الشرق الأوسط والخليج العربي خاصة، تراجع استقطاب القوة الناعمة لأنقرة للمجتمعات المخملية الخليجية لتلعب على وتر جديد هذه المرة، وهو وتر ربات البيوت في الجانب الغربي من الوطن العربي، تحديدا تونس والجزائر والمغرب، وهو ما سعت إلى ترسيخه السلطة التركية في المنطقة، أو لنقل بعبارة أدق، استكماله بعد أن فقدت سوقها الأهم، الخليج العربي، والذي كبّدها خسائر فاقت الـ350 مليون دولار.

ومن الطبيعي أن لا يهدأ بال تركيا إلاّ عبر تعويض الخسائر التي تسبّب فيها قرار “أم.بي.سي” القاضي بالتوقّف عن عرض المسلات التركية المُدبلجة إلى اللهجة السورية، فوجّهت صادراتها من الدراما إلى المغرب العربي، ومن هناك أصبحت الدراما التركية تحظى بمكانة مرموقة في المنطقة، وهي التي بات لها حضور قوي خلال شهر رمضان الحالي في تونس، مثلا، حيث واصلت قناة “نسمة” الخاصة، عرض مسلسليْ “بنات فضيلة”، و”الحب إلّي كواني” (الحب الذي اكتويت به)، كما استمرت القناة الخاصة “حنبعل” في عرض مسلسليْ “فيلينتا” و”قيامة أرطغرل”، أما “قرطاج+” الخاصة، أيضا، فواصلت بدورها خلال رمضان الحالي عرض مسلسليْ “ممو عيني” و”ثأر الإخوة” التركيين.

وبعد أن كانت المسلسلات التركية الموجهة للشرق الأوسط والخليج العربي مُدبلجة باللهجة السورية، أصبحت اليوم مُدبلجة باللهجة التونسية، وهي البادرة التي انطلقت فيها قناة “نسمة” منذ العام 2016 عبر مسلسل “قلوب الرمان”، لتتوالى الأعمال التركية المُدبلجة إلى العامية التونسية إثرها تباعا، الأمر الذي شمل أيضا الجزائر، حيث دبلجت بدورها قناة “الشروق” الخاصة في السنة ذاتها مسلسل “إليف” وعنوانه الأصلي “رغم الأحزان” إلى اللهجة الجزائرية.

ولم يقتصر هذا الحضور التركي على دبلجة المسلسلات التركية بالمغرب العربي إلى اللهجات الأم للبلد المُستورد، بل تعداه إلى الاستعانة بكوادر فنية تركية حيث تعرض القناتين التونسيتين “قرطاج +” و”الحوار التونسي” في رمضان الجاري المسلسل التونسي الجزائري المشترك “مشاعر”، وهو المسلسل الذي اعتمد على طاقم فني تركي خالص شمل السيناريو والتصوير والإضاءة والديكور والإخراج الذي تصدى له المخرج الألماني التركي محمد الجوك.

والتجربة ذاتها عاشتها الجزائر في رمضان 2018، وتعيشها اليوم أيضا من خلال التعاون الذي حصل بين مؤسسة “الشروق للإعلام” الخاصة وكوادر تقنية تركية الذين أنتجوا لها مسلسلي “تلك الأيام”، و”الرايس قورصو”، بالاعتماد على طاقم تمثيل جزائري.

"الرايس قورصو" مسلسل يعتمد على كوادر تقنية وإنتاج تركي ليروي حكاية جزائرية وقعت إبان الفترة العثمانية
"الرايس قورصو" مسلسل يعتمد على كوادر تقنية وإنتاج تركي ليروي حكاية جزائرية وقعت إبان الفترة العثمانية

ويروي “الرايس قورصو” حكاية قبطان جزائري إبّان الفترة العثمانية (1515-1830)، أما مسلسل “تلك الأيام” الذي عرض في رمضان الماضي، فيكشف ما عاشه الجزائريون إبّان سنوات الإرهاب في تسعينات القرن الماضي والتي تعرف بالعشرية السوداء.

ويرى نقاد تونسيون أن هذا التعاون التركي التونسي الجزائري الحاصل في مسلسل “مشاعر”، لا يخدم إلاّ العنصر التركي دون سواه، مستشهدين بما أثبتته الدراما التونسية في رمضان الحالي من تطوّر على مستوى الكتابة أو الإخراج الذي أتى سينمائيّا أكثر منه تلفزيونيّا على غرار مسلسل “القضية: 460” لمجدي السميري، و”نوبة” عبدالحميد بوشناق و”مايسترو” لسعد الوسلاتي، وهي أعمال تونسية صورة ونصا أثبتت في حلقاتها الخمس الأولى طفرة نوعية وكمية غير مسبوقة في المجال الدرامي التونسي.

وهو ما أكدّه الصحافي محمد صالح الربعاوي بقوله “إن الالتجاء إلى الخبرات التركية في مسلسل “مشاعر” بتعلّة شدّ المُشاهد سيساهم في المزيد من تعميق وترسيخ الغزو الناعم لأيديولوجيات أنقرة، والذي سيتحوّل دون شك إلى توسّع تركي جديد ووجه آخر لنزيف العملة الصعبة تتكبده الأقطار العربية ليستفيد منه أحفاد أتاتورك، دون سواهم”.

وأتى رأي المسرحي التونسي حسام الغريبي مناصرا لهذا الانفتاح ولو بنوع من التحفّظ، إذ يقول “أرى أن هذا التعاون الثلاثي: التركي الجزائري التونسي مهم، كي يتسنى لنا كممثلين مغاربة الانفتاح على أسواق جديدة، والأمر ذاته سيشمل التقنيين الذين سيستفيدون حتما من التجربة التركية الرائدة”.

ويضيف “أنا أساند هذا التعاون، ولكن خارج أطر الأيديولوجيا والفكر التركي الذي لا أتصورّه يُقدم خدمات مجانية، بل على العكس تماما، فمعلوم أن تركيا تسعى منذ عشرية للسيطرة على عالم الدراما والصورة”.

الهادي الماجري: الدبلجة تضعف أداء الممثل، حيث يصبح رهين صوته فقط
الهادي الماجري: الدبلجة تضعف أداء الممثل، حيث يصبح رهين صوته فقط

ومسلسل “مشاعر” الذي انطلقت في بثه قناة “قرطاج+” مع بداية اليوم الأول من شهر رمضان الحالي لتلتحق بها بعد ثلاثة أيام قناة “الحوار التونسي” في سابقة هي الأولى من نوعها لبث مشترك بتونس بين قناتين متنافستين على تحصيل أكبر عدد ممكن من نسب المُتابعة في شهر ذروة المُشاهدة التلفزيونية، وذلك إثر قرار الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري “الهايكا” بتأخير بث مسلسل “أولاد مفيدة” من وقت الذروة إلى الساعة العاشرة ليلا بتوقيت تونس (التاسعة مساء بتوقيت غرينيتش)، وذلك لما يحتويه المسلسل في جزئه الرابع على مضامين من شأنها أن تكون صادمة لبعض الفئات الاجتماعية، وفق بيان “الهايكا”.

ومن هناك اضطرت قناة “الحوار التونسي” لشراء حقوق بث مسلسل “مشاعر” لملء الفراغ الذي تركه عدم بث “أولاد مفيدة” في زمن الذروة، والعمل يمتد لأكثر من 100 حلقة، ويشارك في بطولته نجوم من تونس على غرار، هشام رستم وسامية رحيّم ومريم بن شعبان وأحمد الأندلسي وريم بن مسعود ومحمد بن مراد وسلمى محجوبي ومعز القديري، وحسّان كشّاش ونبيل عسلي وسارة لعلامة وعادل الشيخ من الجزائر.

زمن مختلف

الممثل المسرحي التونسي الهادي الماجري كان قطعيا في إجابته عن سؤال “العرب” حول ظاهرة الدبلجة من التركية إلى اللهجة المغاربية، قائلا “أنا أرفض دبلجة الأعمال التركية أولا باعتبارها غزوا ثقافيا لا يمتّ للواقع التونسي بشيء من حيث المواضيع المطروحة وسيناريوهات الأعمال، وثانيا لأنها تضعف الأداء الفني للممثلين حيث يصبح الممثل رهين صوته لا غير، وهو ما يربكه مستقبلا في التعامل الإيمائي والحركي مع أي شخصية قد يجسدها صوتا وصورة”.

إلاّ أنه في المقابل مع التعاون التقني والفني، إذ لا يرى ضررا في ذلك، مبرّرا “بل على العكس ربما الانفتاح على الخبرات المتعددة يكون داعما للتسويق المغاربي خصوصا والعربي عموما، وبالتالي فتح سوق درامية جديدة”.

ويشدّد بطل “دشرة”، أول فيلم رعب تونسي، “ربما يكون التعاون الفني سببا في تصدير خبرتنا الفنية من ممثلين وتقنيين وكتّاب سيناريو خارج فضائنا الإقليمي الضيق، ولنا في المغرب خير نموذج، إذ جعلت من أراضيها أستوديوهات تستقطب صنّاع الدراما العربية والعالمية، وقد نجحت في ذلك”.

إبراهيم لطيف: لم أر في مسلسل "مشاعر" حكاية تونسية جزائرية
إبراهيم لطيف: لم أر في مسلسل "مشاعر" حكاية تونسية جزائرية

ويبدو أن زمنيْ “حريم السلطان” و”وادي الذئاب” قد ولّيا نهائيا، ليحلّ محلهما الآن أعمال اجتماعية تركية من نوع خاص، قد تبدو أقلّ تكلفة من الأعمال الملحمية الكبرى الأولى التي اكتسحت السوق الخليجية والشرق أوسطية، لكنها في المقابل تلعب على وتر مشاعر ربّات البيوت والمراهقات في الجانب الغربي للوطن العربي، بلغتهم الأم، علاوة على اعتمادها مؤخرا على سياسة التعاون الفني المُشترك الذي يبدو أنه يصب في اتجاه واحد، وهو ما أكدّه المخرج السينمائي التونسي إبراهيم لطيف، بقوله “عادة ما يكون هذا التعاون مفيدا للأطراف الثلاثة: تونس والجزائر وتركيا، لكن ولسوء الحظ، بدت السيطرة كلية في هذا التعاون لتركيا بالتركيز على الديكورات الفخمة والقصور الباذخة في إبراز للثراء الفاحش الذي يذكّرنا بمسلسل “نور”.

ويضيف مخرج فيلم “فيزا”، “من هناك لم أر في المسلسل حكاية تونسية جزائرية، بقدر ما بدا لي استلهاما من روح الدراما التركية التي تلعب على الإبهار في التفاصيل”.

في النهاية يبدو أن لجوء صناع الدراما التركية إلى السوق المغاربي، سواء من خلال تصدير ما تنتجه أو بالمساهمة الفعلية في الإنتاج لها، لن يمكنها على الإطلاق من تعويض سوق الخليج الضخمة.

16