الدراما التلفزيونية العربية في مرايا كتاب نقدي

ظلت الدراما التلفزيونية بعيدة عن المجال النقدي، عدا البعض من الكتابات الصحافية في أحيان متباعدة، وهي تبقى كتابات انطباعية غير متخصصة تتحدث عن النجوم والمشاهير ومسيراتهم وأهم إنجازاتهم دون أن تتناول الأعمال بالدرس والتحليل والتأويل ودون أن تخضع لمحك النقد، الأمر الذي أدّى إلى ابتعاد الدراما التلفزيونية عن الواقع سابحة في سماوات افتراضية ومجردة.
الجمعة 2016/12/30
"سرايا عابدين" مسلسل أثار الكثير من الجدل

يرى الباحث حسن عطية، في كتابه “الدراما التلفزيونية.. تحضير التاريخ.. تأريخ الحاضر”، أن الدراما المرئية تقوم على مبدأ إعادة صياغة الفعل الواقعي، في بناء جمالي يتأسس داخل السياق الاجتماعي القائم ويستهدف التأثير في المجتمع الحي. وأن تقليب المبدع صفحات التاريخ بحثا عن الفعل الذي أثر يوما في الزمن الماضي وغير من مصائر شخصياته ولعب دوره الإيجابي والسلبي في مجتمعه، ليس أبدا يهدف بعثه لذاته وتقديمه كأيقونة متحفية تؤكد وقوعه في زمن ما، يحدث هذا في مجال الآثار لكنه لا يحدث مطلقا في حقل الدراما.

ولا يعتقد في الوقت ذاته بتكرارية التاريخ لأحداثه، بقدر ما يدرك أن فعل الأمس قد يتشابه مع فعل اليوم، لهذا يتناوله المبدع كمتكأ للنظر في الفعل الآني والذي تظهر على أرض الواقع مقدماته دون نتائجه بعلاقتها المنطقية بها مما يمنح المتلقي فرصة التنبؤ في الزمن القادم، فيعمل على تغيير مسار الحدث الواقعي ما يجعل المستقبل في قبضة يديه.

التاريخ والمتلقي

يشير عطية في كتابه الصادر عن “الهيئة العامة لقصور الثقافة”، بالقاهرة، إلى أن الدراما في تصديها لأفعال البشر في الماضي البعيد أو القريب وإعادة صياغتها جماليا، تعمل على تحضير التاريخ أمام متلقي اليوم، أي أننا نرى التاريخ حاضرا أمامنا، وكأنه يحدث اليوم، فنرى الملك فاروق والملكة نازلي ومصطفى النحاس يتحاورون أمامنا في مسلسل “الملك فاروق” وكأنهم يتكلمون عن موضوعات نعيشها بالفعل، وهو ما جعل البعض يرى في المسلسل حديثا عن الديمقراطية التي يتمنى أن تكون حقيقية في حياتنا اليوم.

ومن زاوية أخرى، يؤكد عطية أن الدراما تعمل على تأريخ الحاضر لمتلق قادم، فترصد صراع رجال الأعمال وطموحات الصاعدين وغرق العبارات وموت الشباب على السواحل الأوروبية، وفي كلتا الحالتين ـ تحضير التاريخ وتأريخ الحاضر ـ تعمل الدراما على توثيق الفعل أو الأفعال التي تتصدى لرصدها وتمثيلها.

ويلفت إلى أن العمل الدرامي يقدم عملا خاصا بصاحبه معلوم الهوية لا نصا مقدسا يطرد صاحبه من جنات الخلد إذا ما قدم هذا الفعل الماضي أو الحاضر ملونا برؤيته الخاصة، أو مفسرا وفقا لأيديولوجيته المؤمن بها أو مقللا لحجم وفاعلية أشخاص نتصور بناء على غيابها ناتجا عن جهل مبدعها أو لحاجة في نفس يعقوب. والجدل الذي أثير حول مسلسل “الملك فاروق” أظهر الخلاف حول شخصية آخر ملوك مصر والسودان، أكثر مما دار حول بناء العمل الدرامي وتماسكه الفني، بل بدا أمر هذا المسلسل أشبه بما هو معروف في علم النفس باختيار رورشاخ الذي تلقى فيه بقعة من الخبر على ورقة مسطحة تطوى، ثم تعرض مفتوحة أمام أعين البشر، فيسقط كل واحد من الرائين ما بداخله، ويرى بقعة الحبر وكأنها تمثل ما يود أن تمثله أو ما يتصور أنها تمثله، فالكارهون لثورة 23 يوليو 1952 رأوا فيه تمجيدا للزمن الأفضل الذي اغتاله العسكر وتمنوا عودته. والغاضبون على الزمن الحالي رأوا فيه نظاما يودون تحقيقه اليوم دون عودة إطاره القديم، بينما انخدع بعض ثالث بما روج حوله بأنه تصحيح لما تم تزييفه في كتب التاريخ، واجهه بعض رابع معتبرا أن ما جاء به هو التزييف بعينه لهذا التاريخ.

التأريخ ليس مهمة الدراما بل مهمتها بناء عمل فني ممتع للوجدان ومثير للوعي كي يدرك واقعه جيدا

ويقول الباحث حسن عطية إن التأريخ ليس مهمة الدراما، بل مهمتها بناء عمل فني ممتع للوجدان ومثير للوعي كي يدرك واقعه جيدا ولهذا نتساءل دوما عن غياب الدراما التاريخية والدينية من على شاشة قنواتنا، لأننا اعتدنا بالفعل أن تكون هذه الدراما حاضرة على المائدة الرمضانية، وكأن للتاريخ والدين مواسم خاصة، فضلا عن خلط البعض بين الدراما التاريخية والدراما الدينية واعتبار الأولى هي التي تتعرض لكل حقب التاريخ، بينما الثانية هي التي تدور حول مرحلة صدر الإسلام أو التي تتعرض لمراحل ظهور الأديان السماوية فقط، والتي تعرض دائما في الأعياد الدينية.

سير لحياة شخصيات

يحلل عطية عددا من المسلسلات التي تحضر التاريخ سواء كانت سيرا لحياة شخصيات أو تناولا لوقائع وأحداث حقبة تاريخية بعينها مثل “الإمام الغزالي”، و”شيخ العرب همام” و”السائرون نياما” و”علي مبارك” و”سقوط الخلافة” و”المصراوية” و”الجماعة”، و”ملكة في المنفى” و”سرايا عابدين” و”أسمهان” و”أم كلثوم” و”الأيام” وغيرها. ويلفت أثناء تحليله لمسلسل “سقوط الخلافة” الذي عرض عام 2010 أن استدعاء السلطان العثماني في لحظة شديدة التعقيد يبدو معها المسلسل وكأنه يناصر أفكار العثمانيين الجدد في تركيا المرتدين لانتمائهم القبلي، والمنادين بعودة الخلافة العثمانية بعد رفض أوروبا لالتحاقها بركب الاتحاد الأوروبي، توجها منهم نحو الممالك القديمة في ما يدعى بالشرق الأوسط أملا في استعادة مجد الأيام الخوالي، وانتهازا لتيار سياسي في هذا الشرق الأوسطي يأمل في عودة أزمنة الملكية في أردية الجمهوريات التي فقدت جوهرها، وتيار فكري محافظ سائد في المجتمع العربي اليوم ينبذ الوطنية الإقليمية والقومية العربية.

وفي الاتجاه المقابل لدراسته للدراما التي تقوم بصياغة التاريخ في بنية درامية حاضرة “تحضير التاريخ”، يدرس عطية في كتابه اتجاه توثيق الحاضر في بنية درامية حاضرة تشكل وثيقة دالة على حال مجتمعها زمن كتابة وبث المسلسل الدرامي “تأريخ الواقع”، فيحلل مسلسلات مثل “أهل كايرو” و”الدالي” و”العنكبوت” و”الرحايا” و”الفنار” و”صرخة أنثى” و”سلطان الغرام” و”حق مشروع” و”أولاد الليل” و”قلب امرأة” و”عفريت القرش” و”حدائق الشيطان”.

ويرى أنه إذا أحسنا الظن في الدراما التلفزيونية وكتابها فسوف نرى أن ثمة همّا عامّا يشغل هذه الدراما خلال السنوات السابقة يتمثل في جنون الثروة وحلم الصعود من القاع إلى القمة بأي وسيلة، مما يجعل أجواء المسلسلات تنقسم في أغلبها إلى قسمين، هما: أجواء الحارة الشعبية الفقيرة وبيوتها النمطية ذات المعمار الإسلامي، التي تقدمها الدراما التلفزيونية في حيها الشعبي، وأجواء الحي الراقي بقصوره وسياراته الفارهة على ثراء طبقة تعيش حياة منقطعة الصلة بحياة أبناء الناس في بقية أرجاء المجتمع.

14