الدراما التلفزيونية العربية مسؤوليات راهنة محفوفة بالمخاطر

تتضاعف مهمة الدراما التلفزيونية العربية وسط الظروف الحالية التي نعيشها، فإلى جانب مهماتها السابقة المتجسدة في قراءة المجتمع والمساهمة في تغييره وتطويره من خلال ما تقدمه من فن وثقافة وإبداع، صار المطلوب منها اليوم النظر بحذر إلى جميع المعطيات القائمة وتقديم الحلول المناسبة لإمكانية التعايش وخلق حوار بين كل الأطراف المجتمعية، وذلك من خلال منحها القيمة الفنية اللازمة والمتجسدة في الشكل والموضوع.
الثلاثاء 2016/04/12
الدراما الإماراتية مثلت الاستثناء

بالنظر إلى تأثير الدراما العربية على تنشئة المجتمع والتحكم بوعي أبنائه، لم تعد إشكاليتها تهمّ المتخصصين بها فقط من ممثلين ومخرجين ومنتجين فقط، بل إنها أصبحت شأنا اجتماعيا وثقافيا عاما يمكنك أن تلمسه في كل منزل تطل منه الشاشة الصغيرة، وصار لا بد من الإضاءة على آراء شرائح اجتماعية تهتم بهذا الشأن وتطلع على تجلياته.

وبدوره يبدأ الإعلامي والشاعر الإماراتي خالد الظنحاني حديثه معنا حول هذه القضية، من قول إدوار سعيد في كتابه (صور المثقف) “إن المثقف إنسان يراهن بكينونته كلها على حس نقدي، على الإحساس بأنه على غير استعداد للقبول بالصيغ السهلة، أو الأفكار المبتذلة الجاهزة، أو التأكيدات المتملقة ودائمة المجاملة لما يريد الأقوياء والتقليديون قوله، ولما يفعلون، وأن يرى في المهنة الفكرية حفاظا على حالة اليقظة المتواصلة، ومن الرغبة الدائمة في عدم السماح لأنصاف الحقائق والأفكار التقليدية بأن تُسير المرء معها”.

يرى الظنحاني أنه وبما أن القائمين على الدراما العربية مثقفون بالضرورة، فإن عليهم أن يتمسكوا بالحس النقدي دائما في ما يطرحونه من أفكار وأعمال درامية، والبعد كل البعد عن التقليد الأعمى واستيراد الأفكار الغربية التي لا تمت للمجتمعات العربية بصلة، مؤكدا أن الواقع العربي الراهن لا يحتمل المزيد من الفن الهابط والمبتذل الذي يعيث فسادا بالذائقة العربية منذ عقود، وهو الأمر الذي يبرهن على غياب الحس النقدي لدى صنّاع الدراما.

ويقول “إننا نتطلع إلى دراما هادفة، كفيلة بالارتقاء بالإنسان العربي وتوعيته بالمطلوب منه حضاريا وفكريا وإنسانيا، ذلك أن للفن دورا تنويريا وتثقيفيا يعمل على معالجة العديد من المشاكل التي تواجه الإنسان، فهو رسالة يجب تسخيرها بهدف النهوض بالمجتمعات العربية، وليعلم القائمون على الدراما أن المشاهد العربي اليوم أكثر ذكاءً، يستطيع التمييز بين الغث والجيد، بل إن لدى بعض المشاهدين حسا نقديا عاليا جدا يفوق ما لدى المعنيين، قد يستفيد منه أهل الفن أنفسهم”.

من هذا المنطلق، يؤكد الظنحاني “بات من الضرورة بمكان أن تخضع الدراما العربية إلى عملية إصلاح منهجية وشاملة تتضافر فيها كل الجهود الرسمية والشعبية والقطاع الخاص، خصوصا بعد ثورات ما يسمى بـ”الربيع العربي”، التي أظهرت تحولات كبرى في الأفكار وفي بنية المجتمعات وأولوياتها واحتياجاتها”. ويبيّن الممثل السوري حسام الشاه أن الدراما التلفزيونية العربية بشكل عام، تلعب دورا هاما وخطيرا في حياتنا اليومية، فنحن مجتمعات لا تقرأ وتكاد مرجعيتها الثقافية محصورة بشاشة التلفزيون وبعض مواقع الإنترنت.

علاء عزت: (إننا بحاجة ملحة للدعم الذي كانت الدول العربية تقدمه في السابق، لكنه توقف اليوم في ظل الظروف الراهنة)

ويقول “في الحرب يزداد الخراب ويستطيع أن ينخر عمق المجتمع ويردي قيمه أرضا، لذا من الضروري الانتباه إلى المحتوى الذي نقدّمه اليوم عبر الدراما التلفزيونية، خاصة وأن الكثير منها بات يركّز على استحضار التاريخ وإعادة معالجته، عدا عن أن الاصطفاف السياسي لأفراد العمل، مما لا يخدم المجتمع الذي يعيشون فيه، على العكس تماما، تراه يسهم في المزيد من الخراب والدمار والانشقاق”.

ويواصل الشاه “على العاملين في الدراما العربية والسورية تحديدا، توخي الحذر مما يطرحونه من مواضيع، وليعلموا أنهم أمام مسؤولية كبيرة من شأنها التأثير سلبا أو إيجابا في قناعات المشاهدين، وبالتالي في مستقبل المجتمعات، لذا لا بد من رقابة ذاتية تقودهم نحو الأفضل والأكثر فنية وقيمة”.

من جهته يقول الممثل المصري علاء عزت “يجب أن نعترف بالنقلة الكبيرة التي حصلت للدراما العربية في السنوات الأخيرة قبل 2010، من حيث الصورة والتقنية، والتي تأتي الأزمة التي مرت بها السينما العربية أحد أسبابها، ما دفع معظم مخرجي السينما إلى العمل في الدراما التلفزيونية سواء في مصر أو سوريا أو في لبنان، بالإضافة إلى صيغة المسلسلات التركية والمكسيكية المدبلجة التي صُبغت بها الدراما العربية، وهي من ضمن السلبيات التي أؤكدها، ففي حين وجدنا أنفسنا أمام نقلة نوعية في التقنيات المستخدمة، حصل تراجع أو ما يشبه الهبوط بالسيناريوهات المعتمدة التي تطرح الأفكار والتحولات الفكرية والثقافية”.

ويرى عزت أن نجاح المسلسلات التركية دفع بعض المنتجين ودون وعي إلى التقليد واقتباس صيغ وأطر درامية لا تتناسب مع الواقع العربي، وبالتالي صار هناك اهتمام بالشكل على حساب المضمون.

ويؤكد بالقول “تحتاج الدراما العربية هذه الفترة إلى سيناريوهات قوية ومكتوبة بإحكام تواكب النقلة التي حصلت في العملية الإخراجية، أي أننا بحاجة إلى أفكار تتناسب مع هذه الفترة التي نعيشها وتقرأ الأزمات الراهنة، وكلما قدمنا اهتماما واسعا بالمشاكل التي تخصنا وسلطنا الضوء على حقيقتها، يفتح المجال أمامنا واسعا لعرضها في أماكن مختلفة من العالم”.

ويضيف عزت “إننا بحاجة ملحة للدعم الذي كانت الدول العربية تقدمه في السابق، لكنه توقف اليوم في ظل الظروف الراهنة”. مضيئا هنا على تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة في دعمها للدراما التلفزيونية في الفترة الأخيرة، ونجاح تجربة وجود ممثلين من دول عربية مختلفة يتحدثون بلهجاتهم المختلفة ضمن قصة واحدة.

16