الدراما التونسية.. "قوّة نائمة" تنتظر باثها المُنتظر

الدراما قوّة ناعمة قادرة على السفر بعيدا باللهجات والعادات والهويات المخصوصة لأوطان دون سواها، إلاّ في تونس.
الاثنين 2020/05/11
أعمال معلقة

جدل ولغط كبيران رافقا المسلسلات الخمس التونسية الرمضانية التي عُرضت وما زال بعضها يُعرض على الفضائيات التونسية الخاصة منها والعمومية، خاصة “نوبة 2” (عشاق الدنيا) للمخرج التونسي عبدالحميد بوشناق الذي أعلن منذ بداية شهر ذروة المشاهدة التلفزيونية أنه من 30 حلقة متصلة ستُرافق المشاهد التونسي على امتداد رمضان الحالي.

أما مُسلسلا “قلب الذيب” و”27” اللذان عرضتهما “الوطنية 1” العمومية، فقد أعلن صنّاعهما، فعليا، انتهاء حلقاتهما الخمس عشرة مع انتصاف الشهر، وبذلك انتهى العرض وانفضّ المجلس، ولم ينفض حقيقة.

أسئلة عديدة بقيت عالقة في أذهان وأقلام الشغوفين والفاعلين ونقاد الفن بتونس، على حد سواء، حول مدى وقع هذا “الفن الثامن” الذي يقتحم بيوتنا عنوة على الذائقة والناس؟

قوّة ناعمة، تعدّها مصر، على سبيل الذكر لا الحصر، إحدى الدعائم الأساسية لاقتصادها الوطني، منذ أوائل سبعينات القرن الماضي، وهو ما انسحب تماما في حقبة لاحقة على  سوريا، التي نافست نظيرتها المصرية وتفوّقت عليها أيضا في بداية الألفية الثالثة، فسحبت البساط من تحت أقدام مصر، هبة النيل و”النايل.تي.في” أيضا (الفضائية العمومية الأولى بالبلد، قبل أن يُغرقها تسونامي الفضائيات المنافسة). لتعيش عشر سنوات درامية عجافا، لتُعاود استرداد بعضها بعضا من عافيتها، أخيرا.

هذه القوّة الناعمة القادرة على السفر بعيدا باللهجات والعادات والهويات وحتى السياسات المخصوصة لأوطان دون سواها، ظلّت وإلى الآن بتونس محلية وفي أبهى الحالات مغاربية، لا أكثر.

ومهما يكن من أمر هذه القوّة الناعمة، والأصحّ النائمة، فقد أثبتت موسمية الدراما التونسية للمرّة الألف، أن صنّاعها لم يفهموا بعد، أو لعلهم يتعمّدون عدم فهم حجم السحر الذي يمكن أن تخلّفه بضاعتهم، على  هشاشة بعضها أحيانا، في أنفس الملايين من المتابعين الشغوفين لهكذا دراما تحكيهم وتسليهم في الآن ذاته.

أجل، وقطعا وحتما، لم يفهموا بعد مدى قدرة هذا الفن العابر للفضاء العائلي والمعبّر عنه على تغيير الذائقة الفنية للمواطنين المُرهقين اقتصاديا واجتماعيا ونفسيا، في ظل الأزمات والمُشكلات المُتعاقبة التي حلّت بالبلد وقوّضت استقراره السوسيو – اقتصادي منذ ثورة 14 يناير 2011 إلى يوم الناس هذا.

وإلاّ فما معنى أن يُطالعنا عملان مُنتهيان وهما “قلب الذيب” و”27” بنهايات مفتوحة، تبشّر بجزء ثان وربّما ثالث ورابع، والحال أنهما وبإجماع كل ناقد ذي رأي حصيف أثبتا خللهما تقنيا وسرديا وإنتاجيا.

ثمّ متى يفهم هؤلاء الصناع المغامرون، أن الدراما عرق وجهد وبرمجة وإستراتيجية وتدبير، والأهم سوق تخضع للعرض والطلب. ليست نزوة فنية اجتاحتهم اجتياحا ودون تفكير مُسبق، فيركبون الموجة كيفما اتفق ليغرقوا إثرها في قعر سحيق.

كيف يُغامر صناع الدراما التونسية بإعلانهم الصريح عن إنتاج جزء ثان من مسلسل لا يعرف قناته الراعية والعارضة له؟

أن تعلن بالتصريح أو التلميح مع إقفال المسلسل من خلال النهايات المفتوحة عن إمكانية إضافة جزء ثان في الموسم الرمضاني القادم، أقول إمكانية وليس حتمية، ففي ذلك مُغامرة غير مضمونة العواقب بالضرورة، في ظل خوف وانعزال، بل وانسحاب

القنوات الباثة ورفضها إعادة التجربة لاحقا. ومثالنا على ذلك أمثلة، وليس مثالا واحدا، وللأسف. فالكل يذكر ذاك المسلسل المعنون بـ”الأكابر” والذي بثّته قناة “حنبعل” الخاصة في رمضان 2016.

مسلسل من إخراج مديح بلعيد عن سيناريو أصلي للشاب محمد عزيز هيام وإعادة صياغة السيناريو والحوار لمحمد علي دمق وحسام الساحلي. وهو أول مسلسل تونسي مشترك تونسي – لبناني. وذلك من خلال مشاركة نجمي الدراما اللبنانية إيلي شالوحي وجويل الفرن ومن تونس كل من زهيرة بن عمار ومحمد مراد ومرام بن عزيزة ورشا بن معاوية ومحمد علي بن جمعة وحسام الساحلي وريم الرياحي وزياد التواتي ونجلاء بن عبدالله وآخرين.

ويروي العمل قصة طفل صغير من أصول تونسية عاش في ميتم في لبنان بعد وفاة والدته، ليعود بعد عشرين سنة إلى وطنه الأم للانتقام من عائلة العثماني التي تخلّت عنه وهو صغير.

مسلسل بوليسي مشوّق وبأحداث مُتسارعة ومُتلاحقة، والأهم بنهاية مفتوحة تُحيل إلى جزء ثان مُنتظر، بل ومكتوب أساسا وفق ما أعلمني به كاتبه السيناريست الشاب محمد عزيز هيام. ومرّت أربع سنوات، ولم يأت هذا “المُنجز المُنتظر”.

والسبب بسيط، هو أن القناة البّاثة أعدمت جزءه الثاني قبل ولادته أصلا، وذلك بعدم تسديد معلوم اقتناء جزئه الأول من منتجه عبدالعزيز بن ملوكة. فكان مآل العمل ككلّ، سلّة المهملات!

الأمر ذاته تكرّر هذا العام مرّتين، الأولى حين أنقذت قناة “التاسعة” الخاصة “نوبة” عبدالحميد بوشناق في جزئها الثاني والمُعنونة بـ”عشّاق الدنيا” من الإعدام الجماعي لطاقم العمل وأحلامهم، وذلك بعد رفض قناة “نسمة” الخاصة أو عدم رغبتها -بقيت الأسباب مجهولة إلى الآن- في بثّ جزئه الثاني؟

ولكم أن تتخيّلوا حجم الخسارة التي كان يُمكن أن يتكبّدها صنّاعه في صورة عدم تمكنهم من إيجاد قناة باثة له، قد يقول بعضكم إنهم سيجدون في مواقع البث الرقمية بديلا.

أجل، هذا صحيح. لكن المُشاهد التونسي لم يتعوّد بعد على مثل هذه التقنيات المتطوّرة والمُبادرات غير المسبوقة، على اعتبار أن الدراما التونسية، وهي كما أسلفنا موسمية بالضرورة، لا تحلو له مُشاهدتها إلاّ وسط اجتماع عائلي مصغّر وأمام جهاز التلفزيون، وتلك مسألة نفسية أخرى يطول شرح خلفياتها.

الأدهى من ذلك أن “قلب الذيب” الذي بثّته أخيرا “الوطنية الأولى” ظلّ مُعلّقا بين الأرض والسماء -أرض العرض ومستهلكيها وسماء البثّ وأصحاب القنوات فيها- حتى مع حلول هلال الشهر، نتيجة الصراع الذي قام حول حقوق البثّ التي جرت بين القناة الخاصة “الحوار التونسي” والقناة العمومية “الوطنية 1”، ليتدخّل القضاء، أجل القضاء، على الخط ويفصل النزاع نهائيا، ويمنح حقّ البثّ، الحصري، للقناة التابعة للدولة التونسية.

والسؤال هنا كيف يُغامر كل من يسري بوعصيدة مخرج ومنتج “27” وبسام والحمراوي المخرج وخولة سليماني منتجة “قلب الذيب” بإعلانهم الصريح عن إنتاج جزء ثان من مسلسلين لا يعرفان قناتهما الراعية والعارضة، إلاّ ما رحم ربي.

ورحم ربي هذه، مقصورة في تونس على شخص واحد وحيد أحد، اسمه سامي الفهري، الإعلامي ورجل الأعمال المسجون (فكّ الله أسره) المالك لقناة “الحوار التونسي”، والمخرج أيضا وصاحب فكرة مسلسل “أولاد مفيدة” بأجزائه الخمسة وربّما إلى ما لا نهاية، طالما هو الحاكم بأمره في قناته وذبذباته.

ومن هناك بات أمر الصناعة الدرامية، وكما يُقال في المثل الشعبي التونسي “العزري أقوى من سيدو”، بمعنى الخادم أهم من المخدوم، في ظل لعبة لن تنتهي بين طرفي الصراع، المُنتج والبّاث له، أساسها كسب رضاء المعلنين والداعمين، أولا وأخيرا، أما الفن الحقّ المنتصر للجماليات، فله رب اسمه كريم!؟

17