الدراما الجزائرية في 2016: موسم للنسيان والقادم ليس أحسن

المصائب لا تأتي فرادى على الدراما في الجزائر، فأزمة الإنتاج والتسيير والتسويق، تعمّقت خلال العام 2016 المنتهي حديثا، بأزمة الإمكانيات المالية، بعد لجوء الحكومة إلى حزمة من الإجراءات التقشفية لمواجهة الوضع الجديد، وكانت وزارة الثقافة الجزائرية ومؤسسة التلفزيون الحكومي، أبرز محتكرين للإنتاج الدرامي في البلاد، على رأس القطاعات المستهدفة بتقليص الموازنات العامة، الأمر الذي ترك أثاره على الأعمال المنتجة خلال العام الماضي، كمّا ونوعا، ما دفعها إلى انتهاج أسلوب الترقيع بغية ملء الفراغ وتسجيل الحضور لا غير.
الثلاثاء 2017/01/03
"قلوب تحت الرماد" شد انتباه المشاهدين

عرف الإنتاج الدرامي في الجزائر خلال العام الماضي 2016، تقلصا لافتا اقتصر على عدد محدود جدا من الأعمال، تم عرضها على شاشات التلفزيونات، الحكومية والخاصة، خلال شهر رمضان الماضي، في محاولة يائسة للتغطية على حالة الهزال الكمي والنوعي، وملاحقة موضة المنافسة والسباق على الجمهور وعائدات الإعلان التي تزدهر خلال الموسم الدرامي الوحيد بالجزائر، أي شهر رمضان.

وسجل المشاهد الجزائري عرض عدة مسلسلات من الأنواع المطولة والقصيرة، لم ترق في مجملها إلى مستوى تطلعاته وانتظاراته من الإنتاج المحلي، أسوة بما يتم عرضه في مختلف الشاشات العربية، حيث تبقى الموضوعات والمضامين المطروحة تتشابه وتجر بعضها بعضا، إلى درجة السقوط في الرتابة والملل، بينما يعرف المجتمع الجزائري تطورات متسارعة تستدعي وقفات درامية، على غرار استشراء العنف، وتفشي الفساد السياسي والمالي، وتنامي التطرف الفكري والديني.. وغيرها من المواضيع التي تبقى من التابوهات المحرمة على الطرح الفني والرؤية الدرامية.

التلفزيونات الخاصة عجزت عن فرض نسق المنافسة، واقترحت أعمالا سقطت في مستنقع التهريج والرداءة

موجة "السيتكوم"

فوق كل هذا جرّ السباق نحو ملء الفراغ الدراما الجزائرية خلال العام الماضي إلى المزيد من الرداءة والتفاهة، فتقليص كلفة وآليات الإنتاج الباهظة، لم يسمح بطرح أفكار ونصوص مثيرة عبر الأستوديوهات البسيطة، وسقطت موضة “السيتكوم”، هي الأخرى في مستنقع الرداءة والعروض التافهة، ما أفقد المشاهد الجزائري الشهية في رؤية إنتاج محلي يهتم بقضاياه وانشغالاته.

واعترف المنتج والمخرج الدرامي الجزائري بشير سلامي في اتصال لـ”العرب”، بتراجع كمّ الأعمال الدرامية في موسم 2016، بسبب الأزمة المالية، وتقلص مداخيل الهيئات الثقافية والفنية، ابتداء من وزارة الثقافة الجزائرية إلى غاية مديرية الإنتاج في التلفزيون الحكومي، وتوقع أن يكون الموسم القادم شحيحا أيضا، أمام تجميد العديد من المشروعات الدرامية التي كانت مبرمجة للإنتاج.

وكانت مصادر من قطاع الإنتاج التلفزيوني في الجزائر قد أسرّت لـ”العرب”، بأن بعض شركات الإنتاج اضطرت إلى التنازل عن الأعمال المقترحة عليها من قبل التلفزيون الحكومي، بسبب هزال الأغلفة المالية المعروضة لإنتاج أعمال الموسم الدرامي، حيث قلصت مديرية الإنتاج بنحو 50 بالمئة، مما أدى إلى رفض الكوادر الفنية والممثلين إلى التجاوب مع العروض المقدمة. وتتجه وزارة الثقافة وإدارات الإنتاج التلفزيوني، تحت إكراهات تراجع الموازنات العامة، إلى تقليص الأعمال المبرمجة للإنتاج والإشراف المباشر عليها من أجل التحكم في موازناتها، إلاّ أنه رغم ذلك فإن المسلسل التاريخي “طوق النار”، مرّ بظروف صعبة بسبب تمرد طاقمه الفني على سلم الأجور والتعويضات، ولم يكتمل إلاّ بشق الأنفس.

ويبقى الإنتاج الفني والدرامي في الجزائر مرتبطا بالموسم الرمضاني، خاصة مع رواج سوق التلفزيون ومداخيل الإعلان، باعتباره فرصة استثنائية للاستهلاك لدى الفرد الجزائري والعربي عموما، حيث تسخّر مختلف التلفزيونات الحكومية والخاصة إمكانيات ضخمة لإنتاج أعمال درامية، من أجل استقطاب أكبر عدد من المشاهدين والاستحواذ على سوق الإعلان. وشكلت أعمال “طوق النار” التاريخي و”قلوب تحت الرماد” الاجتماعي، أبرز الأعمال التي أنجزت خلال العام 2016 إلى جانب بعض المسلسلات الفكاهية القصيرة التي أنتجت من أجل العرض خلال شهر رمضان الماضي، على غرار “دشرة زكي”، و”عائلة تيك”.

بشير سلامي: الأزمة المالية تسببت في تراجع كم من الأعمال الدرامية الجزائرية

ورغم دخول القطاع الخاص على خط الإنتاج بظهور فضائيات جديدة منذ العام 2011، فإن التلفزيون الحكومي يبقى المنتج والعارض الأول نظير الدعم الذي يحظى به من قبل الحكومة، وحتى من الإتاوات التي يدفعها الجزائريون في فواتير الكهرباء، وشكل طيلة العقود الماضية مصدر تمويل لشركات الإنتاج الخاصة، حيث ظل يكفل لها إنتاج أعمال مختلفة في إطار الإنتاج التنفيذي، وهو ما أثار شبهات واستفهامات حول علاقات العمل بين مديرية الإنتاج في التلفزيون الحكومي وشركات الإنتاج الخاصة.

ريع وبيروقراطية

يرى نقّاد ومختصون أن أزمة الدراما الجزائرية المتشابكة ودخول تأثيرات الأزمة المالية على الخط، سيقضيان على حظوظها في منافسة نظيراتها في التلفزيونات العربية، وتضيع بذلك فرصة تسويق الزخم الحضاري والثقافي للشعب الجزائري في زمن تحولت فيه الصورة إلى سلاح ناعم يمكن أن يفتح الأبواب لأصحابها على مصراعيها، كما يمكن أن يغلق عليهم نسائم التنفس ويزيدهم تقوقعا. ولن تكون الاستعانة بالقدرات الفنية والتقنية العربية من أجل النهوض بكم ونوع الدراما المحلية كافية أمام استمرار الاحتكار الحكومي والرقيب المسلط على النصوص الدرامية وغياب استراتيجية فنية واضحة من قبل الوصاية، خاصة في ظل هيمنة ذهنيات الريع وغياب رؤية الصناعة الدرامية.

وفي هذا الإطار يرى الفنان والممثل حسان كشاش، أن عجز الدراما الجزائرية عن صناعة نجوم للشاشة المحلية، على غرار ما تنتجه الشاشات العربية في مصر وسوريا ولبنان والخليج العربي، يرجع إلى “أزمة معقدة ومتشابكة تمر بها الدراما المحلية خلال السنوات الأخيرة، ما دفع العديد من الممثلين والفنانين إلى البحث عن فرص لهم تحت أضواء العواصم العربية، لإطلاق قدراتهم ومخزوناتهم الذاتية”.

ويقول “قاعدة مطرب الحي لا يطرب، تبقى قائمة بشكل لافت في الأعمال المحلية، بسبب الحساسيات الشخصية والتنافس غير الشريف، ففيما تهمش الفنانة والممثلة أمل بوشوشة في الداخل، استطاعت أن تحجز لنفسها مكانا محترما في بعض الأعمال الدرامية العربية على غرار المسلسل المصري ‘تحت الأرض’، ومسلسل ‘سمرقند’ الذي أنتجته قناة أبوظبي الإماراتية، وترك أصداء إيجابية لدى النقّاد والمشاهد العربي”.

نجمات الجزائر ينجحن عربيا ويغيبن محليا

وتشكل إيناس مكي وأميرة شرابي وعبدالحق بن معروف وحكيم دكار، وغيرهم نماذج حية لنجاح الكفاءة الجزائرية التي حققت نجاحات في السنوات الأخيرة خارج حدودها، ما يترجم حالة الاختلال في الإنتاج المحلي، فإيناس مكي مع بروزها في القاهرة كممثلة مسرحية وسينمائية منذ حقبة التسعينات من القرن الماضي، استطاعت أن تفرض نفسها كشخصية محورية في عدة مسلسلات كـ”لن أعيش في جلباب أبي”، والمسلسل الاجتماعي “حرامي قلوب” للمخرج إسلام محفوظ والمؤلف أحمد عوض، والمسلسل الكوميدي “يوميات عطية” للمؤلفة نادية التابعي، وهما مسلسلان تم إنتاجهما خلال العام 2016. أما الممثلة أميرة شرابي، فتشق هي الأخرى طريقها في الآونة الأخيرة، نحو النجومية في الساحة الفنية العربية، حيث صورت بمصر فيلمها الجديد “قسط مريح”، ويؤدي فيه دور البطولة الفنان هاني رمزي، ويخرجه ويؤلفه إيهاب لمعي، ويسجل حضور الممثلة الجزائرية في أعمالها بمصر باللهجتين المصرية والجزائرية.

ويرجع الممثل حسان كشاش أسباب تراجع أداء ومستوى الدراما الجزائرية إلى حقبة بعينها وليس لعام 2016 فقط، بسبب ما أسماه بـ”غياب أجندة حقيقية للمشروع، فالتلفزيونات العربية على سبيل المثال، تستثمر أموالا طائلة في صناعة الدراما، حيث يباع المسلسل قبل إنتاجه عن طريق الاستثمار الحقيقي في آليات الصناعة الدرامية، من النجوم إلى غاية الاختيار الدقيق للنصوص والسيناريوهات، وهذا يتطلب إمكانيات بشرية ومادية ضخمة، ونحن لا نتوفر على هذا القدر من الإمكانيات، وحتى إذا توفرت ليست لنا السياسة والحوكمة الدرامية اللازمتين، الأمر الذي يبعدنا تماما عن خوض سباق المنافسة أو إنتاج نجوم كبار يساهمون في تطوير الإنتاج المحلي”.

ويتابع كشاش “لا يمكن الحديث عن دراما جزائرية تنافس نظيراتها العربية، أو إنتاج وجوه ونجوم درامية كبيرة، في ظل الإخلالات التي تخيم على العمل الدرامي المحلي، فلا نزال نفتقد إلى صناعة درامية ذات مردودية وعائدات تكفل لها الاعتماد على نفسها، حيث تبقى الدولة المصدر الأول لتمويل الدراما والسينما والمسرح والفنون بشكل عام، وهو توجه خلق حالة من البيروقراطية الإدارية على الإنتاج الفني وأجل التأسيس لصناعة درامية في الجزائر، الأمر الذي يجعلها تظل رهينة التقهقر والانغلاق”.

وكان نقاد ومختصون قد توقعوا موسما دراميا أبيض في الجزائر خلال الموسم المرتقب 2017 بسبب الأزمة المالية وسياسة التقشف التي طالت التلفزيون الحكومي، الممول الأول للإنتاج الدرامي في البلاد، حيث قدرت موازنة الموسم، بحسب تصريحات مديره العام توفيق خلادي، بما يعادل 650 ألف دولار، وهو نصف المبلغ الذي خصص خلال موسم رمضان 2016.

ورغم الآمال التي كانت معلقة عليها لدفع الدراما المحلية، إلا أن التلفزيونات الخاصة عجزت عن فرض نسق المنافسة، واختارت الأسهل بركوب موجة “السيتكوم”، واقترحت أعمالا سقطت في مستنقع التهريج والرداءة، الأمر الذي خيّب ظن الجمهور في رؤية منافسة درامية تغنيه عن التبعية للشاشات العريقة. وإن كانت الظاهرة قد لجأت إليها مختلف تلفزيونات العالم، إلاّ أن الإفراط في توظيفها لتغطية الفراغ من قبل التلفزيونات المحلية بشكل عشوائي ومستوى رديء، عمّق أزمة الدراما الجزائرية خلال رمضان 2016 وفوّت فرصة تسويق الصور الفنية والثقافية للبلاد، في زمن باتت الصورة صلب الفضاء المتصارع عليه لتصدير ثقافة وأفكار المجتمعات.

16