الدراما الخليجية تشهد طفرة كم على حساب القيم

شهدت القنوات الفضائية العربية في السنوات الأخيرة إنتاجات كثيرة لمسلسلات الدراما الخليجية، حيث تتنافس الأعمال والمسلسلات التلفزيونية في موسم شهر رمضان من كل عام، بالعديد من القصص والإشكاليات التي حاولت أن تقترب من الواقع المعيش. إلاّ أن النتائج لم تكن في حجم توقعات المتلقي العربي والخليجي، ما جعل السباق الرمضاني ينعكس بصورة عكسية على جودة المحتوى وفرادته وصدقيته ومدى اتساقه مع العادات والتقاليد والماضي الاجتماعي.
الجمعة 2016/03/11
سقوط في التكرار والتمرير

باتت الدراما الخليجية على اتساع انتشارها بالفضائيات العربية في السنوات الأخيرة لا تلقى الكثير من الترحاب والحفاوة داخل الأوساط المجتمعية، بل أصبحت تواجه نقدا لاذعا يطال موضوعاتها المعالجة والقالب الفني الذي توضع فيه، إذ يعاب عليها الوقوع في النمطية والتكرار للحكايات ذاتها بطرق مختلفة، إلى جانب ابتعادها عن الواقع في المجتمع الخليجي.

الدكتورة الإماراتية ناديا بوهناد، مؤسس ومدير عام سيكولوجيا للاستشارات، ترى أن هناك الكثير من المبالغات في أعمال الدراما الخليجية لا تمت للواقع بصلة، وهو ما ينطبق على معظم أعمال العالم العربي التلفزيونية والدرامية. وتقول إن ما نراه على الشاشات من أعمال لا يعكس بصدق قضايا الشباب والمجتمع، كذلك هناك العديد من القضايا الشائكة والحساسة التي لا يتم الاقتراب منها لأسباب كثيرة، في حين يتم تقديم قضايا سخيفة جدا في بعض الأحيان، ويتم التركيز عليها حتى تكاد تراها في جميع الأعمال دون استثناء.

تتساءل ناديا بوهناد “ماذا عن جماليات ما نعيشه وعن الأشياء السعيدة في حياتنا؟ لماذا نجد أنفسنا أمام مغالاة في المعاناة، ولا يوجد من يخوض في بساطة العيش والمفردات الواقعية؟” وانطلاقا من تخصصها في مجال علم النفس تؤكد الدكتورة بوهناد أن كل عمل أو نص درامي يجب أن يُعرض على أطباء واستشاريين نفسيين ليقيّموا معطياته ويصوغوا إمكانية وقوع أحداثه، وذلك لتلافي الأخطاء الواردة عادة وغير المنطقية في أي ظرف من الظروف.

وتضيف “على سبيل المثال أذكر أن أحد المسلسلات الخليجية كان قد استحضر شخصية الطبيب النفسي ضمن السياق الدرامي للعمل ككل، وكانت المصيبة أن الطبيب أحبّ مريضة لجأت إليه للعلاج، وهذا ليس من أخلاقيات المهنة ولا يجوز على الإطلاق، إلى جانب العديد من المغالطات المهنية الأخرى، والتي تترجم في تفاصيل الحياة اليومية البسيطة”.

من جهتها تؤكد الكاتبة الإماراتية وفاء أحمد، أن الدراما الخليجية لم تعبّر عن المجتمع الخليجي، ولم تقترب من الهموم الحقيقية لأبنائه في معظم أعمالها. ودخلت أيضا في التكرار، حتى أن المتلقي صار يتوقع ما سيحدث من الحلقة الأولى، وبعض الأعمال صار الاعتماد فيها على النهايات المفتوحة التي لا تدعم الحلول الأخلاقية والقانونية لأي قضية من القضايا الإنسانية، ومثال ذلك “أن نواجه مجرما يفلت من العقاب، حيث ينتهي المسلسل ولا نراه يدخل السجن، وهذا يدخلنا في متاهة التمرير، حيث أصبحنا دون وقاية من الكثير من المفاهيم والعادات السيئة أخلاقيا، الأمر الذي يفرز أضرارا جسيمة لأبنائنا وبناتنا، خاصة أولئك الذين هم في سن المراهقة”.

العشرات من المسلسلات ليس لها مضمون إلا العبث بعقول المجتمع، فجعلت أفكار المجتمع الخليجي شرسة تحكمها المكائد

وتقول وفاء أحمد “إن عددا من الإشكاليات والقضايا المطروحة في المسلسلات الدرامية الخليجية لا تدعم بنية المجتمع الخليجي، في حين تراها تسهم في مشاكله، وبدورنا كمثقفين خليجيين نطالب هذه الأعمال بالتطرق إلى هموم المرأة، وهموم المواطن بشكل عام، وأن تعنى بما يمكنه تقديم الخير والفائدة للجميع. بهذه الطريقة فقط يمكنها أن تكون دراما جيدة أو خالدة”.

في السياق ذاته، يؤكد الكاتب والإعلامي الإماراتي محمد شعيب الحمادي “في فترة سابقة كانت الأعمال الفنية الخليجية أنموذجا في التوعية والتوجيه والإرشاد، من منا لا يتذكر، “درب الزلق”، أو “إلى أمي وأبي مع التحية” أو “خالتي قماشة”؟ قامات وهامات خليجية أبدعت في الدراما الخليجية، لكي توصل رسائل ونصائح تفيد ويستفيد منها المجتمع، وعلى قلة الفضائيات آنذاك، إلاّ أن الانتشار كان واسعا لما كان لها من تأثير إيجابي على جميع أفراد الأسرة”.

ويضيف الحمادي “في خضم الحداثة والانفتاح، دخلت مفاهيم غريبة عبر الدراما الخليجية إلى عالمنا، ففي كل عام صناع الدراما ينتجون لنا العشرات من المسلسلات التي ليس لها مضمون إلاّ العبث بعقول المجتمع، فأصبحت أفكارنا شرسة تبحث عن المكائد، وآذاننا تسمع القبح وكثرة المصائد، وأعيننا يخدشها السفور وأسوأ المشاهد، وقلوبنا تملأها الكراهية والحقائد”.

يسترسل الحمادي “قد لاحظنا في الآونة الأخيرة أن الدراما الخليجية أصبحت تبث مشاهد يندى لها الجبين وأحداثا تنفر منها الأخلاق؛ تشرذم عائلي هنا، وخيانة فجريمة هناك، وحب مخز، وتبرج فاحش مثير للجدل، وعقوق للوالدين مما لم نسمع به قط، لا في الخليج ولا في المنطقة العربية، وطغيان الحب الشرس للمال، ونشر مشاهد عن كيفية تعاطي المخدرات، مما أفسد المرأة والرجل”.

ويختم الكاتب والإعلامي الإماراتي “هناك أيضا الكثير من مشاهد المشاجرات أمام الأطفال، وعقوق الوالدين، وتفشي الآفات الاجتماعية كالمخدرات والاغتصاب والنصب والاحتيال، وحتى الأطفال لم يسلموا من ذلك، فنسمع عن الحوادث الأسرية الأليمة؛ من تطاول بالألفاظ الغريبة، وتقليد الممثلين والممثلات في المظهر والجوهر بدعوى الحرية الشخصية، يا ترى أطفالنا إلى أين؟ وماذا تريدون من مستقبل المجتمع الخليجي؟ الدمار أم الابتكار؟”.

17