الدراما السورية تفقد بريق 25 سنة من التوهج

ما إن يبدأ الحديث عن الدراما السورية حتى تقع منطقة عتم كبيرة على واقع هذه الدراما، ويحدث ذلك بالتأكيد بسبب الوضع السياسي الضاغط على العصب الحساس لهذه الدراما، لكن هذا الوضع وحده وبكل حيثياته لا يمنح المرء إجابة كافية إزاء ما يشعر به المتابع للدراما العربية، ذلك أن ثمة شيئا ما “ناقص” أو غير موجود في هذا الموسم الرمضاني.
الأربعاء 2015/07/08
مسلسل "بانتظار الياسمين" يعاني نقصا في تطابق الشخص مع الشخصية

هناك شيء ناقص أو غائب في الدراما الرمضانية السورية لهذا العام، هذا النقص يتجلى في الوضع السائد الذي يخصها، على وجه التحديد. وكأنها بتاريخها العريق ومجدها الذي حققته طيلة السنوات الخمس والعشرين الماضية باتت فجأة غائبة عن المشهد الدرامي العربي المفتوح الذي يصل إلى المتفرج في كل مكان من الجغرافيات العربية، وخاصة في الموسم الرمضاني السنوي.

ترى لو جرى طرح هذا النوع من التساؤل الفانتازي: الدراما العربية – الدراما السورية = ما النتيجة؟ أو ما الذي أوصلنا لطرح مثل هذا التساؤل؟ وماذا بعد أيضا؟ إنها فانتازيا محيّرة حقا.

خيارات فنية

بدءا، فإنه من الصحيح أن “المسلسل” السوري ما يزال حاضرا تماما، وينافس بشدة على المستوى الفني، لكن حضور الممثل والمخرج السوريين هو الأقوى والأكثر تأثيرا في المتفرج العربي من المسلسل ذاته مع بعض الاستثناءات القليلة.

ذلك المسلسل الذي كان جامعا للممثلين والمخرجين السوريين، سواء أكان هذا المسلسل تاريخيا أو ينتمي إلى الفانتازيا التاريخية أو اجتماعيا أو حتى بوليسيا. باختصار، ما نراه اليوم أن الدراما السورية قد انقسمت إلى شطرين أحدهما ظل داخل سوريا، حيث بنية الدراما مرتبطة تاريخيا بالقرار السياسي للنظام السوري، والآخر آثر، فرديا، الاشتغال في الصناعة الدرامية العربية بعيدا عن الواقع المنقسم لهذه الدراما، والاستفادة من المنجز الفني الشخصي الذي تحقق له من خلالها عبر السنوات الماضية، والأمثلة هنا كثيرة ليس من العسير تعدادها من ممثلين وممثلات ومخرجين وكتّاب سيناريو.

من الصحيح أن "المسلسل" السوري ما يزال حاضرا تماما، وينافس بشدة على المستوى الفني، لكن حضور الممثل والمخرج السوريين هو الأقوى والأكثر تأثيرا في المتفرج العربي

من الواضح أن الدراما السورية التي نراها اليوم قد تأثرت كثيرا بانتقال هذا العدد غير السهل من الفنانين باتجاه بيروت والقاهرة وأبوظبي، وبهذه الكثافة، وبعيدا عن كون هذا الانتقال جاء لأسباب سياسية متصلة بالموقف السياسي لهذا الفنان أو ذاك من النظام السوري أو من الثورة السورية، أو من الناس السوريين والتعامل بخفة مع أرواحهم خاصة في المراحل الأولى من تلك الثورة أم لا.

وعلى الرغم من أن ممثلين وممثلات ومخرجين، بقوا في دمشق أم غادروها ليعودوا إليها حسب أعمالهم وينجزون دراما سورية ذات سوية فنية معقولة قياسا بالدراما العربية الأخرى، إلاّ أنها ليست تلك الدراما التي كانت سابقة على ما يجري منذ العام 2011، فما من شيء بات كالسابق.

ورغم المحاولات الحثيثة التي نراها في هذا المسلسل أو ذاك على غرار “بانتظار الياسمين”، عبر تقديم الوجوه الجديدة على صعيدي التمثيل والإخراج، إلاّ أن النجاحات ما تزال بسيطة، بل وتزيد من إحساس المرء بذلك الشيء “الناقص” في الدراما السورية.

هناك بعض النجوم الذين يرفعون على كاهلهم الدراما السورية، لكن أيضا من الملاحظ وجود الممثل غير المحترف في هذه الدراما، ولا يتصل الأمر بالممثلين والممثلات الشبان وحدهم، بل هناك عدد من غير المخضرمين وبالتالي غير المحترفين، من أجيال سابقة من الذين كأنهم جاؤوا من الكومبارس إلى أمام الكاميرا، أو من طلبة المعهد العالي للفنون المسرحية دون أن يستكملوا تجربتهم الأكاديمية فيه.

لضمان تسويق مسلسل عربي وإنجاحه جماهيريا كان يكفي أن يكون فيه ممثل أو ممثلة أو مخرج سوري، كي يكون مطلوبا من الفضائيات العربية

وذلك إلى جوار بعض الإشكاليات في الخيارات الفنية للأدوار التي يقدمها الممثلون، أو التي يختارها المخرجون للممثلين. فمن الصعب فهم أن ممثلة من طراز سلاف فواخرجي تؤدي دور امرأة تلجأ صحبة ابنتيها إلى حديقة عامة مع عائلات أخرى، وتعاني ما تعانيه وتظلّ المرأة الجميلة طيّبة القلب والقوية التي لا تحتاج لرجل إلى جـــوارها في هذه الغابة من الذئاب.

في حالة سلاف فواخرجي في “بانتظار الياسمين” كان ينبغي أن يختلف الدور عن الممثلة أو الممثلة عن الدور. دور يحتاج نوعا من الممثلات القادرات على إقناع المتفرج بقوتها وسلطتها على الأرض من طراز منى واصف أو سمر سامي أو مي سكاف، أو سواهن.

وبعيدا عن الدراما السورية في الداخل، يبدو الحضور الدرامي السوري كأنما فقد الأرض الصلبة التي كان يقف عليها سابقا. تُرى لو لم تكن هناك السنة 2011، المدوية في التاريخ السوري الحديث، هل كان من الممكن أن نشهد مسلسلين يحملان الاسم نفسه: “العراب” والمأخوذ ليس عن الرواية نفسها التي انبنى عليها الفيلم الأميركي الشهير: “العراب” أيضا؟ ويحمل كل منهما توقيع مخرج سوري، أحدهما المثنى صبح والآخر حاتم علي، وأغلب الممثلين في المسلسلين هم من الفنانين السوريين بأجيالهم المتعددة.

حماسة فردية

الأرجح أن الإجابة لن تكون نعم، لكن التداخلات العجيبة والغريبة للسياسة والاقتصاد تلعب الدور الأبرز في توجيه بوصلة الخيارات الفنية بهذا الاتجاه أو ذاك. وهذه المعضلة، أي تأثير القرار السياسي في الحراك الدرامي وصناعة الدراما ليست بالأمر الجديد بالنسبة إلى الدراما السورية، لكن هذه المرة بات الأمر أكثر من مفضوح ويشير إلى اصطفافات بهذا الاتجاه أو ذاك، أقدم عليها الفنانون السوريون إن سرا أو جهرا.

في حالة سلاف فواخرجي في "بانتظار الياسمين" كان ينبغي أن يختلف الدور عن الممثلة أو الممثلة عن الدور

في حوار مع الممثل أيمن زيدان عن الدراما السورية بمناسبة مسلسل “حرائر” صحبة مخرجه باسل الخطيب والممثلة “الأولى” فيه سلاف فواخرجي، عبر برنامج بُثّت إحدى حلقاته مؤخرا على قناة أبوظبي دراما.. في ذلك الحوار تحدث زيدان عن شيء ما سمّاه “الحماسة”.

وخلاصة الفكرة هنا أن الممثل والمخرج والفني السوريين جميعا كانوا يذهبون إلى مواقع التصوير بـ”حماسة” ذات منطلقات فردية، ويريد كل واحد من هؤلاء أن يحقق ذاته الفنية والإبداعية من خلال الأداء، وبسبب هذه الحماسة استطاعت الدراما السورية أن تكون في المركز العربي الأول دراميا طيلة السنوات الخمس والعشرين الماضية.

كان يكفي لضمان تسويق مسلسل عربي وإنجاحه جماهيريا أن يكون فيه ممثل أو ممثلة أو مخرج سوري، كي يكون مطلوبا من الفضائيات العربية على اختلاف توجهاتها.

يبدو تشخيص أيمن زيدان منطقيا وواقعيا إلى حد ما، وكأن ذلك الشيء الذي ما زال ناقصا في الدراما العربية عموما والسورية على وجه التحديد هو غياب تلك الحماسة في الأداء، مثلما في اللعب والتجريب مع الشخصيات داخل الحكايا الفانتازية أو التاريخية أو الاجتماعية. غير أن أمر الحماسة هذه ليست بكافية أيضا، لتفسير غياب ذلك الشيء الذي يبدو أن الجميع يشعر به، لكن ما من أحد قادر على تسميته أو توصيفه مثلما هو عليه.

كل ما بوسع المرء أن يقوله في هذه اللحظات الدرامية التي تعيشها سوريا، هو أن كل شيء قد اختلف فينا منذ العام 2011، وما زلنا نختلف عن أنفسنا القديمة حتى اللحظة: المتفرج والممثل والمخرج وسائر المشتغلين بالصناعة الدرامية، وكاتب هذه السطور أيضا.

16