الدراما السورية سريالية وقراءة ظالمة للحاضر

الخميس 2014/07/31
في "حلاوة الروح" لم يدّع الكاتب أنه يقدم عملا توثيقيا للمرحلة

عمان - انصرف شهر رمضان وجاء وقت الحساب، حساب قيمة ما عرض خلاله من أعمال درامية. ثلاثون عملا دراميا، حصيلة الدراما السورية لهذا العام، وهذا يعني أن التراجع الكمي، لم يبلغ حدا خطيرا، يستدعي قرع ناقوس الخطر، فالدراما نشطة، وإن بدلت أماكن تصويرها، فنقلت الحارة الشامية من أزقة “القيمرية” إلى ديكور ملون داخل مرآب سيارات في إمارة قريبة من “الخليج الفارسي”، واكتشفت أن قصور دبي أفضل “للأخوة” من شقق “مشروع دمر”. ولا بأس أن تجمع بين “ضبوا الشناتي” و”بقعة ضوء” وقلم حمرة”.

لكي يكتمل قوس قزح، اجتمع مكسيم خليل أمام كاميرا واحدة مع غسان مسعود، وتقاطع بين عبدالحكيم قطيفان وقصي خولي، في لقطة مصرية اللكنة، لنصل إلى سريالية غرائبية، لا هي درامية، ولا هي واقعية.

السريالية تبدأ من واقع أن ثلاثة أرباع المدن السورية، بلا كهرباء، وبلا بيوت، وثلاثة أرباع الشعب السوري، بين نازح ولاجئ ومشرد، فيما تواصل نساء الحارة الشامية ثرثرتهن المملة، في “طوق البنات”، و”الغربال”، و”بواب الريح”، ويستمر عرض “الأخوة”، المأخوذ عن مسلسل مكسيكي، حيث تتداخل العلاقات المحرمة، في عالم بلا ضوابط أو وازع ولا حرمة، وفي سياق مشابه يأتي مسلسل “لو”، المقتبس أيضا، ومسلسل “خواتم”، فيما الملايين تسفك لإنتاج مسلسل يقتبس حكاية فحولة السلطان ودلع حريمه، لكن بنكهة أشهى..

خلال ليالي رمضان احتفلت “آم بي سي”، واجتمع الفنانون السوريون في خيمة رمضانية، في أجواء طرب وأفراح، دون أن يخطر على بال أحدهم أن يسأل عن عدد الذين ماتوا، خلال ساعة الاحتفال فقط، في بلد صادف أنه يحمل جنسيته، وربما من أجل هذا بالتحديد، عمدت الـ”آم بي سي” إلى دعوة فنانين بعينهم لحفلتها.. أليس الموقف سرياليا.. خاصة وأن المحطة المذكورة، جزء من شبكة، تضمّ أيضا قناة اسمها العربية، ولو بحثنا عن ملكية القناة وجنسيتها، فسننتقل من السريالية إلى الفجائعية.. دون أن نفهم ما الذي يجري.

تصرّ الـ”آم بي سي” على إنتاج باب الحارة، رغم قدرتها على إنتاج مسلسل بديل، بذات الممثلين والمخرج والديكور والأجواء، ولكن تحت عنوان آخر وحكاية بديلة، لكنها تصرّ على ذلك، رغم أن المسلسل استنفد إمكانيات نجاحه بعد الجزأين الأخيرين، لكن المحطة مصرّة على إنتاج جزء جديد، لماذا..؟ ألا يدخل هذا في السريالية أيضا، كمثل عودة “أبو عصام” دون سواه؟ وإقحام حوارات تعبوية وترويجية فجّة وعقيمة.

تواصل نساء الحارة الشامية ثرثرتهن المملة، في "طوق البنات" و"الغربال" و"بواب الريح"

من الأعمال التي قاربت الواقع، “قلم حمرة”، للمخرج حاتم علي والكاتبة يم مشهدي، الذي نال حظوة ساحقة وإعجابات مسبقة، على موقع الفيسبوك، رغم أنه لم يبث إلا على قناة السومرية، والثاني “حلاوة الروح” للمخرج التونسي شوقي الماجري، والكاتب رافي وهبي، الذي عرض على قناة أبو ظبي، وكلاهما تعرض لانتقادات لاحقا، لكنها انتقادات تدخل أيضا في السريالية.

نجح المخرج الماجري في تقديم بناء بصري تلفزيوني قد اشتغل عليه جيدا، يتضمن عناصر التشويق، بدءا من كادر مدروس، إلى ديكور متقن، وصولا إلى التفجيرات والاشتباكات والمؤثرات، مرورا بأداء تمثيلي جيد في مجمله، مع بعض استثناءات، إلا أن تناول الأحداث والفكرة والهدف، يحيل إلى قراءة ظالمة، إن لم ترتبط بالواقع الاستثنائي.

قراءة الدراما من باب الموقف “السياسي”، ستؤدي إلى فهم ظالم، فالحياد كذبة تتصل بالإعلام ولا تناسب الدراما، وفي واقع يتمزق بين روايتين، ومنهجين، لا يمكن لعمل درامي أن يجيب عن كل الأسئلة، دفعة واحدة، وفي الواقع الفني السوري، ثمة جهة إنتاجية واحدة، للدراما، هي حكومة “النظام”، المشغولة كليا بمواجهة “المؤامرة”، فيما تغيب الدراما -والفن والإبداع والإعلام وأشياء أخرى-، غيابا تاما عن أولويات واهتمامات “المعارضة”، بتشكيلاتها وشخوصها، وبالتالي يفقد سؤال “الموقف” معناه، فهل من المنطقي أن تطلب موقفا معارضا من مسلسل لم يظهر إلا بعد سلسلة موافقات، “حكومية وأمنية” تبدأ من النص إلى التصوير، ولا تنتهي عند المونتاج والعرض والتوزيع؟

في “حلاوة الروح” يعيد الكاتب والمخرج صياغة الأحداث وفق زاوية نظرهما إليها، إلا أن المخرج صرح أثناء التصوير أنه لا يقدم عملا سياسيا، كما لم يدّعِ الكاتب أنه يقدم عملا توثيقيا للمرحلة، وعليه لا يمكننا تجريم العمل لأنه تجاهل حيزا من “المعركة”، أو قفز على حقائق، أو فبرك وحوّر، أو شيطن وتفّه، أو اختزل كل ما يجري حفنة أمراء حرب ومتشددين، ليصل إلى مفاهيم ونتائج، تصبّ تماما في الرواية التي تؤسّس أصلا لتعزيزها وتكريسها، و”دسّها” في ذاكرة ووجدان المشاهد، وهذا طبيعي، وأي بحث عن سواه ليس سوى جنون.

في المقابل لا بدّ أن نعترف للعمل، وبكل تقدير واحترام، أنه قدّم جزءا من شكل الحقيقة، وجسّد لقطات ممّا يجري فعلا، وألمح أو صرّح ببعض الحقائق، وقدّم صورة، يستحق عليها الثناء، ولعل الأمر ينسحب على “قلم حمرة” أيضا، وكلاهما يستحق كلمة شكر، بغض النظر عن مآل العمل وهدفه.

حلاوة الروح وقلم حمرة، مغامرا بمقاربة الواقع، وهو ما يفترض أن تتلقفه المحطات على عجل، وتتسابق إليه، سعيا إلى الطازج والآني والواقعي، لكن المفاجأة، هي أن كلا العملين رسب في امتحان التوزيع، وكلاهما أحجمت المحطات عن قبوله، فذهب “قلم حمرة” إلى محطة غير ذهبية، فيما نال “حلاوة الروح” حظا أكبر، لكن كليهما تمّ رفضه في محطة الـ”آم بي سي”، التي أصرّت على إنتاج “باب الحارة”، ويمكن لصانعي ذاك الباب أن يحمدوا ربهم طويلا، على أنه ليس “بابا عمرو”، وإلا لكان فقد فرصته في العرض نهائيا على القناة السعودية.

16