الدراما العراقية تسقط في فخ التكرار والإضحاك المفتعل

في كلّ عام ينتظر المشاهد العراقي البرامج التلفزيونية الرمضانية لعلّها تلبّي ما هو أقلّ من الطموح، لتحريك الواقع الحزين أو تحريك الوعي الثقافي للإنسان العراقي الذي يصادف الكثير من المنغّصات اليومية، ويدخل في معترك المعاناة، سواء كان ذلك بسبب الإرهاب أو بسبب النقص في الخدمات، فهل أحيت الفرجة الرمضانية المقترحة لهذا العام بعض الأمل عند العراقيين وخففت من معاناتهم؟
الثلاثاء 2017/06/20
ما عاد "زرق ورق" يسعد العراقيين

بات المواطن العراقي أمام المعاناة التي يتكبدها يوميا بسبب الإرهاب أو نقص الخدمات، خاصة في ما يتعلق بالانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، ينتظر ما تنتجه له الفضائيات سواء منها العراقية أو العربية لتفريغ هذا الهمّ وقضاء ساعات ليل جميلة تحمل معها الهدوء والترقّب والمشاركة في ذروة موسم الفرجة التلفزيونية برمضان.

ومع ذلك، يقع المشاهد العراقي، كما هو الحال في كلّ عام، في حيرة انتقاء البرنامج الجيّد الذي يلائم وقته وذائقته ويمسح عنه لوعة الحزن ويزيل عنه معاناة الترقّب، فهو لا يرى شيئا من هذه البرامج إلّا ما هو معاد بذات الوجوه وذات الأفكار وذات الممثلين والحركات.

وأيضا ذات الأهداف التي لا تخرج عن كونها برامج تحاول الضحك على ذائقة المتلقّي، والاستهزاء بمعاناته من خلال التسطيح الفكري الذي تتضمنه، حيث تتسابق الشركات الإنتاجية من أجل استكمال أدواتها وتخسر الكثير من أموالها للحصول على حقوق بثّ برامج ومسلسلات بعينها، نتيجة ما تدره من إعلانات.

وانقسم ما رآه العراقي خلال الفترة الماضية من شهر رمضان الحالي إلى قسمين، الأول هو برامج منوعة ومسابقات وألعاب يقوم بها بعض الممثلين المعروفين في الشارع و”المولات” التجارية، من خلال القيام بتوجيه أسئلة إلى المواطن.

المسلسلات والبرامج الفكاهية أضحت تستنسخ أفكارها في كل موسم، فضاع منها التجديد ووقعت في التكرار

وهي أسئلة لا تعطي شيئا له كمادة أولية دسمة تفيده وتنمي وعيه الثقافي، بقدر ما تجعله أمام مقدّم يحاول مراقصة السؤال واستنطاق جسده وتحريك فكاهته من أجل قضاء الساعة البرامجية لقاء هدايا مغلّفة لا تساوي شيئا. أما القسم الآخر، وهو الأشد ركاكة من القسم الأول، فيتمثل في المسلسلات والبرامج الفكاهية التي استنسخت أفكارها لأكثر من موسم، فضاع منها التجديد وظلّت تبحث عن أفكار جديدة فوقعت في التكرار من جهة والسطحية من جهة أخرى.

مسلسلات وبرامج كوميدية تستغل معاناة الناس لترقص حولها دون أن ينجح فريق العمل، الذي يبدأ بكاتب السيناريو وكذلك المخرج والممثلين، في نقل هذه المعاناة بعيدا عن الاستهجان والاستهزاء، وقد وقعت في أيديولوجيا البكاء والإضحاك غير الهادف، فأتت كوميديا فاقدة للمرونة في تعبيراتها الفنية وغلبت عليها حوارات غير قادرة على الخروج من عنق زجاجة جلد الذات، أو الاستخفاف حتى في الأفكار المطروحة.

وباتت جل المسلسلات التي تصل إلى 30 حلقة، تستغل اسم الممثل وشهرته، دون أن تقدم جديدا، فأتت خالية من الأفكار، تستغل كلّ شيء حتى المعركة مع داعش أخذت تقدّمها بطريقة لا تزيد من الوعي المناهض، مقدمة صورة مشابهة لما يحصل، وربما لا يصل المشاهد إلى كراهية الشخصية التي تؤدي مثل هذه الأدوار.

والأمر نفسه ينطبق أيضا على البرامج التاريخية التي لم تخرج من إطارها الفكري الواحد إلى إطارها الواقعي في تثوير الماضي الجميل لبناء حاضر آخر، فكانت برامج تستنسخ الماضي لإعادته، في وقت يشعر فيه الجميع بحاجة إلى خطاب تاريخي، أو الأصح ديني بشكل يحمل حداثة الفكر وينقّي سوداوية ما يحمله التاريخ من ضغائن.

إن البرامج الرمضانية بشكلٍ عام لم تكن بالمستوى الفني المنشود أو المستوى الذي يساهم بزيادة الجرعة الثقافية وطرح أسئلة الحياة أو المشاركة في صنع الجمال وإزالة القليل من المعاناة وزرع البسمة بطريقة جميلة، فاندرجت في الاستهلاك والتكرار وأصابت المشاهد بحالة من النفور.

وكانت برامج الكاميرا الخفية من أسوأ البرامج الرمضانية التي فقدت قيمتها الفكاهية يليها برنامج “سيلفي” و”زرق ورق”، مثلما فقد مسلسل عادل إمام بريق عفاريته لجمود الفكرة والأداء.

فضلا عن العديد من المسلسلات الأخرى التي كانت ضائعة في سطحية أفكارها واستغلال حاجة الناس إلى الفرح، فقدمت لهم برامج غارقة في الفكاهة المضادة التي تعني كدرا مضافا ما بعد المشاهدة، رغم وجود عدد محدود من المسلسلات التي أنتجت بحرفية عالية كتابة وإخراجا، لكنها لم تروّج لها بممثلين كبار، ربما لضعف الإنتاج.

16