الدراما العراقية تغيب عن السباق الرمضاني محليا وعربيا

كثيرا ما يوجّه المشاهدون العراقيون، المتلهفون لمشاهدة دراما عراقية مرموقة تستطيع أن تنافس في سوق الدراما العربية، سؤالا عن غياب الدراما المحلية، وكثيرا ما يعلق جواب المعنيين على شماعة المنتج وجشعه، ولكن، كيف قدّر أن يكون المنتج الدرامي العربي “حريصا” على دراما بلاده، فيما منتجنا “العراقي” ليس كذلك؟ ثم لماذا نعتقد أن المنتج وحده من يتحمل مسؤولية “تردي”، بل و”انحطاط”، ومن ثم توقف عجلة الدراما العراقية؟
الخميس 2016/06/16
الغناء بقي في الذاكرة ونسي الأداء في "فاتنة بغداد"

مع كل موسم درامي، ولقد صار شهر رمضان موسم العرب، تثار أسئلة حول دواعي غياب أو بالأحرى تغيب الدراما العراقية عن السباق الرمضاني محليا وعربيا، وتتم استعادة تاريخ قريب على سبيل تطمين الذات، على شاكلة؛ أن العراق دشّن أوّل تلفزيونات المنطقة، وأن دراماه، التي سبقت شقيقاتها زمنيا بأشواط، كانت قدمت أعمالا لافتة في وقت كانت فيه دراما الخليج والأردن وسوريا ولبنان، على سبيل المثال، لم تبدأ بعد. ومع ذلك، تظل الإجابة عن هذه الأسئلة تراوح مكانها، حتى اللجنة، التي شُكلت أخيرا من أجل إحياء هذه الدراما، لم تستطع أن تفعل شيئا إزاء هذه المعضلة.

والمنتج العراقي معضلة لا يمكن إنكارها، ولأنه معضلة بحد ذاته وجب تجاوزه، وذلك من خلال مسارين:

الأول: يتمثل بتدخل الدولة بكل ثقلها، وتمثيلها لدور المنتج المنفذ، شريطة ألا تقع هذه الخطة بين يدي غول الفساد المتمكن في البلاد، وذلك أمر أشبه بالمعجزة!

الثاني: يتمثل بأن يعمد المنتج العربي إلى الاستثمار في الدراما العراقية، ولكن، من يدلّه إلى ذلك؟ ما هي ضماناته؟ ولم يغامر هذا المنتج العربي ببضاعة أثبتت فشلها القار على مدى العشرين عاما الأخيرة، وأكثر؟

إن المتتبع لسيرة الدراما العراقية في الربع قرن الأخير يدرك، بما لا يقبل الشك، أن الفساد ينخر جسدها من كل جوانبها، الفساد الذي أتحدث عنه بدأ مع غزو الكويت، عندما صارت الدراما، على المستوى الرسمي، حالها حال بقية الفنون، خارج اهتمام الدولة.

ثم جاءت تجربة حكم ما بعد 2003 والتي طورت من نظرة الدولة للفنون بأن أصبحت حراما، نعم الفن حرام. وهو عقد غير مكتوب، ولكنه متداول شفويا على نطاق واسع.

الطارئون على المهنة استغلوا ذلك، وعملوا بصفة منتجين منفذين، ومن خلال شبكة علاقات عربية “مريبة” بكل ما تحمله الكلمة من معنى، أنتجوا خلال التسعينات وما بعدها العديد من الأعمال التي لم ترتق، بأغلبها ولا نعدم بعض الاستثناءات، إلى تاريخ الدراما العراقية، كما أنها لم تستطع أن تشكل منافسة، بأيّ درجة كانت، لدراما صاعدة بقوة من سوريا والخليج، أما بقية عناصر العمل الدرامي، من كتاب ومخرجين وممثلين وتقنيين، فلم يكن أمامهم من حلّ لأوضاعهم المادية الصعبة غير العمل حتى مع شروط إنتاجية وفنية بائسة.

هل يعقل أن عظائم المحن العراقية لا تستطيع أن تنتج غير ممثلين يكثرون من الحركات البذيئة والصراخ والإيحاءات الجنسية، مقابل آخرين يكثرون من التكشير وتقطيب الحواجب

كان الأمل الحق أن تفرز تجربة ما بعد 2003 دراما جديدة، تليق بالحدث الكبير، والتحول الدراماتيكي في حياة العراقيين، ولكن الذي حدث أن الإرهاب اضطر هذه الدراما إلى الهجرة إلى سوريا، ومن هناك تم إنتاج عدد كبير من الأعمال، ولكن هل تتذكرون شيئا منها؟ هل استطاعت المنافسة؟ هل خلقت طقوسا وتقاليد جديدة؟ هل أنتجت طبقة فنية جيدة؟ ومع عودة هذه الدراما من هجرتها، حوالي العام 2010، مجددا إلى بغداد، ما الذي تغير؟ من المؤسف أن التردي هو الخط البياني الوحيد.

لقد انهار مشروع المنتج الانتهازي بشكل غريب، تماما مثلما بدأ بشكل غريب، وبعد أن كانت محطات التلفزيونات العراقية، وما أكثرها، تنتج في الموسم الرمضاني الواحد عددا لا بأس به من الأعمال، بغض النظر عن مستواها الفني والفكري، توقف إنتاجها بشكل كلي ابتداء من العام 2013.

لا أحد يعرف على وجه الدقة، لماذا هذه القنوات ذهبت إلى أسهل الحلول: جلب مجموعة من القرقوازات، تمت تسميتهم ممثلين، تجاوزا، وبإسناد من كتاب وموسيقيين يمثلون عصر الانحطاط العراقي بأبهى صوره، يتم إنتاج مشاهد هزلية مغرقة في الرداءة لتقدم إلى جمهور أدمن الهروب من عظائم مصائبه اليومية، كما أدمن مشاهدة نشرات إخبارية لا تحمل له سوى أخبار الموت. هكذا تكون معادلة التلقي قد أحكمت حصارها على الباحث عن دراما جادة وجديدة من خلال محطات تستسهل إرسال أي شيء للجمهور، حتى وإن كان مسموما، ومتلق تعب يريد في النهاية أن يضحك لمجرد الضحك.

هل يعقل أن عظائم المحن العراقية لا تستطيع أن تنتج غير ممثلين يكثرون من الحركات البذيئة والصراخ والإيحاءات الجنسية، مقابل آخرين يكثرون من التكشير وتقطيب الحواجب، ظنا منهم أن ذلك يقود إلى الدراما الصحيحة؟

هل يعقل أن كل ما يجري في العراق لا يثير شهية أهل الفن لكي ينتجوا شيئا يعيد الاعتبار للروح العراقية، ولأجيال من أهل الدراما الذين كانوا، في الخمسينات، يظنون أنهم يضعون لبنة التأسيس!

هل يعقل أن تنشغل الندرة الباقية من الدراما بتقديم ما هو فج وسطحي، في وقت تقدم فيه دراما الجوار العربي المثير والقادر على إثارة الأسئلة؟

ومع ذلك، ماذا نفعل؟ ما هي خطتنا للمستقبل؟ من المؤسف القول إن مثل هذه الأسئلة ليست مهمة، أبدا، في العراق!

16