الدراما اللبنانية تبتعد عن الواقع العربي في "الحب الحقيقي"

مسلسل "الحب الحقيقي" يحول العمل الأصلي إلى حبكة أكثر منطقية وقريبة من الواقع اللبناني فهو وإن كان يحمل خطا مكسيكيا إلاّ أنه يحكي الواقع بكل تفاصيله.
الخميس 2018/07/05
"الحب الحقيقي".. إغراق في أجواء الطبقات المخملية
 

في سياق البحث عن أجواء مختلفة عمّا يقدّم على شاشة الدراما المحلية يتجه صناع الدراما اللبنانية إلى ما يمكن أن نسميه عملية تعريب أو “لبننة” بعض الأعمال الأجنبية، فبعد موضة الأعمال التركية، ها هم صناع الدراما اللبنانية يتجهون على ما يبدو إلى أميركا الجنوبية، وتحديدا إلى المكسيك، فهناك تجربة قريبة تتمثل في مسلسل “مثل القمر” الذي عرض قبل عامين كنسخة لبنانية من المسلسل المكسيكي “ماريمار” الذي لقي نجاحا عالميا كبيرا.

قدّمت الدراما اللبنانية في رمضان الماضي معالجة لبنانية للمسلسل المكسيكي “الحب الحقيقي” مستكملة جزءه الثاني الذي عرف نسب مشاهدة عالية.

والمسلسل من بطولة باميلا الكيك ونيكولا معوض ونهلة داوود وجوليان فرحات وأسعد رجدان وإلياس الزايك وأندريه ناكوزي وطارق سويد ومجموعة متنوعة من النجوم والوجوه الجديدة، وهو من إخراج جوليان معلوف، ووضع له السيناريو والحوار باسكال حرفوش ولمى مرعشلي.

ويدور المسلسل حول نورا التي تلعب دورها الفنانة باميلا الكيك، وهي فتاة جامعية تعيش مع أسرتها الأرستقراطية المكونة من أمها أسماء (نهلة داوود) ووالدها عادل (أسعد رشدان) وشقيقها وائل (إلياس الزايك).

وترتبط نورا بعلاقة حب مع شاب متوسط الحال يدعى رامي والذي يقوم بدوره الفنان نيكولا معوض، وهو يتنافس على حبها مع شاب آخر ثري تدفع به الأم في طريق ابنتها، هو راكان الذي يلعب دوره الفنان جوليان فرحات، فمن يستطيع الفوز بقلب نورا؟ وهل ستنتصر محاولات الأم للدفع بابنتها إلى الزواج من رجل لا تحبه؟

هكذا تأخذنا الأحداث وتطوراتها داخل سياق المسلسل من أجل الإجابة على هذه التساؤلات وسط مجموعة من الصراعات والأحداث المشحونة، فالأم التي تعيش حياة الترف لا تبالي بما تعانيه ابنتها التي تتسم بالرومانسية والطيبة، أما الأخ فلا يكترث لما تعانيه أسرته من صراع ويظل غارقا في اهتماماته الخاصة، حتى الأب نراه واقفا على الحياد طوال الوقت.

وحسب تصريح لباسكال حرفوش كاتبة السيناريو اللبناني للمسلسل فإن النسخة المكسيكية قد اتسمت بالهشاشة على حدّ قولها، وأنها حاولت قدر الإمكان تحويل العمل الأصلي إلى حبكة أكثر منطقية وقريبة من الواقع اللبناني، فالمسلسل وإن كان يحمل خطا مكسيكيا، كما تقول، إلاّ أنه يحكي الواقع اللبناني بكل تفاصيله، فهل نجحت حرفوش بالفعل في تحقيق ذلك على أرض الواقع؟

الحلقات التي تم عرضها من المسلسل حتى نهاية رمضان المنقضي تحمل الكثير من الملاحظات على مستوى الترابط الدرامي، ومنطقية الأحداث وبناء الشخصيات، ناهيك عن التطويل والتمطيط اللذين خيما على بعض المشاهد، ما جعل العمل متأثرا على ما يبدو بطبيعة المسلسل الأصلي الذي يعود إنتاجه إلى ثمانينات القرن الماضي.

ونلفت هنا إلى امتداد حلقات المسلسل، كما يقول منتجوه، على نحو 200 حلقة، سيتم استكمالها خلال المواسم القادمة، وهو ما يُخشى معه الإغراق في التكرار الذي يصيب مثل هذه الأعمال الممتدة بالرتابة.

ومن بين الأدوار اللافتة في مسلسل “الحب الحقيقي” دورا الفنانين أسعد رشدان ونيكولا معوض، اللذين يثبتان مع الوقت جدارتهما كممثلين لم تكتشف قدراتهما التمثيلية بعد، كما يأتي دور الفنانة نهلة داوود من بين أبرز الأدوار في هذا العمل، فقد استطاعت من خلاله لعب دور الأم المتسلطة التي تحاول التحكم في تفاصيل حياة أبنائها، ولا يهمها شيء سوى الخروج بالأسرة من عثرتها المادية ولو كان الأمر على حساب سعادة ابنتها.

أما عن الدور الذي تلعبه الفنانة باميلا الكيك، فهو دور يختلف عن أدوارها التي سبق وأن لعبتها في مسلسلات سابقة مثل مسلسل “سمرا” و”مدام كارمن”، وهي التي تحرص على اختيار أدوارها بتأن واضح ما انعكس على نوعية الأدوار التي قدّمتها خلال مسيرتها الفنية منذ مشاركتها الدرامية الأولى في مسلسل “عصر الحريم” عام 2008، ثم مسلسل “سارة” في العام الذي تلاه.

وبعيدا عن النجاح أو الإخفاق الجماهيري للمسلسل، فهو يدعونا بلا شك إلى محاولة تلمس الأسباب التي تدفع بصناع الدراما اللبنانية إلى البحث عن سياقات درامية أخرى قد تكون بعيدة في تركيبتها وبنائها الدرامي عن الواقع اللبناني والعربي بشكل عام.

ويرى البعض أن التركيبة التقليدية لقصص الحب التي تتسم بها مثل هذه الأعمال هي من أهم الدوافع لدى صناع الدراما، فهي نوعية مطلوبة لدى شريحة من المشاهدين بصرف النظر عن مواءمتها للواقع اللبناني والعربي أو عدم ملاءمتها له، ويلاحظ في هذا السياق أيضا أن معظم الاختيارات تنصبّ على مثل هذه النوعية من الأعمال دون غيرها، سواء على مستوى الأعمال المدبلجة أو تلك التي تعاد صياغتها عربيا كما في مسلسلي “مثل القمر” و”الحب الحقيقي”.

سمة أخرى تتسم بها تلك الأعمال وهي إغراقها في أجواء الطبقات المخملية، بما تتضمنه من مشاهد القصور والديكورات الضخمة، وهي تركيبة تتمتع ببريق خاص يجذب شريحة معينة من المشاهدين، أما السبب المحوري الذي يعتمد عليه صنّاع هذه الدراما غالبا، فيتمثل في تقليل المخاطر باستثمار النجاح الذي حققه العمل الأصلي، فاختيار عمل فني ناجح مسبقا لتقديمه برؤية محلية قد يقلص من هذه المخاطر نوعا ما، اعتمادا على شهرة العمل الأصلي ونجاحه جماهيريا.

ومع ذلك قد تتحوّل النقطة الأخيرة أحيانا إلى فخ يقع فيه منتجو هذه النوعية من الأعمال، فإعادة المعالجة الدرامية للعمل الأصلي قد تنطوي على الكثير من العقبات والإشكاليات التي قد تقف عائقا أمام تقبل المشاهد العربي للعمل الجديد، خاصة وأنه يعرف مسبقا أنه أمام نسخة مقلدة من عمل آخر حتى ولو كان ناجحا.

16