الدراما اللبنانية تنتصر للشكل على حساب المضمون

لم تخرج الدراما اللبنانية في عام 2016 عن المتوقع والمألوف خلال السنوات الماضية، ليستمر الجدل القائم في الداخل اللبناني حول الأسباب الحقيقية التي تحول دون تقدم هذه الصناعة وتعيق تنافسيتها عربيا، إلا أن الثابت أن من أهم أسباب هذا الانحسار يعود إلى أمرين؛ أولهما تكرار المواضيع إلى حد الاستنساخ، وثانيهما انتصار صناعها للشكل على حساب المضمون.
الخميس 2017/02/09
الجمال يتسيد كل الحالات

نظرة واحدة على خارطة الدراما اللبنانية المنتجة في عام 2016 تخبرنا بالكثير من تفاصيل عدم قدرتها على المنافسة عربيا، فالإنتاجات الدرامية اللبنانية الخالصة ذات الجودة لا تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة، ومعظمها أعمال تفتقد إلى سياق متماسك، ويغلب عليها عدم الحبكة والتكرار والحشو الزائد لإطالة أمد الحلقات، بما لا يطيقه العمل.

وإن لجأت بعض شركات الإنتاج إلى الأعمال المشتركة للاستفادة من انتشار بعض النجوم العرب، غير أن الكثير من هذه الأعمال قد افتقدت إلى مسوّغ منطقي لهذا المزج الدرامي ما أفقدها جاذبيتها، وبالتالي قدرتها على المنافسة.

في المقابل، قليلة هي الأعمال التي نالت رضا المشاهد اللبناني في موسم رمضان المنقضي، وذلك استنادا إلى ما قدمته بعض شركات استطلاعات الرأي، أو بالأحرى شركات استطلاعات نسب المشاهدة التي تظل مرتبطة بالأساس بالإعلانات وسوق العرض والطلب بعيدا عن التقييم القيمي لجودة العمل من عدمها.

ويأتي مسلسل “مش أنا” على رأس الأعمال الدرامية اللبنانية ذات الإنتاج المحلي التي كان لها نصيب بين الأعمال الأكثر مشاهدة في لبنان، وفقا لإحصاءات شركتي “إبسوس” و”جي إف كي” بمعدل 15 في المئة من إجمالي المشاهدين في الدقيقة الواحدة. والمسلسل من إخراج جوليان معلوف وتأليف كارين رزق الله وبطولة بديع أبوشقرة وكارين رزق الله، وتدور أحداثه حول “هنا” (كارين رزق الله) التي يموت زوجها في بداية المسلسل، ولأنها كانت تعاني من تسلطه ومراقبته الدائمة لتحركاتها تشعر بالسعادة لموته، وتحاول التخلص بكل جهدها من كل ما يذكرها به.

تشتبك رغبة هنا في التخلص من ذكرياتها الأليمة مع رغبات أطراف أخرى، من بينها أختاه العانستان وخدمه الشخصي وابن أخيه العائد من الخارج لحضور مراسم الجنازة، لتستمر أحداث المسلسل كاشفة مع الوقت العديد من الأسرار والأحداث التي نتعرف من خلالها على ملابسات زواجها وحياتها الشخصية وعلاقتها بأبيها وخدمها.

الجمال الذي تجسده في غالب المسلسلات عارضات أزياء أو نجمات إعلانات أو مقدمات برامج تلفزيونية على حساب ممثلات موهوبات، إلا في ما ندر، هو غاية المسلسلات اللبنانية ليس إلاّ

وتضمن المسلسل بعض الثغرات في سياقه الدرامي، من بينها حقيقة الزوج المتوفى الذي لم نتعرف عليه سوى من حكايات الزوجة وحدها، كما أن ملابسات ارتباط الزوجة به واستسلامها لقمعه المتواصل لسنوات مع ما تحمله هي من مقومات شخصية تتمتع بالقوة، كلها أمور تحمل قدرا من السذاجة، إلا أن مخرجة العمل جوليان معلوف وأفراد فريقها تمكنوا إلى حد ما من تجاوز الثغرات التي تحتويها القصة، من خلال إخراج ينتصر للشكل على حساب المضمون وهي المعضلة الأزلية للدراما اللبنانية، حيث الإبهار هو السيد أولا وأخيرا.

ويأتي مسلسل “وين كنتي” ليحتل المرتبة الثانية ضمن نفس التصنيف بمعدل مشاهدة بلغ 13 في المئة، والمسلسل بطولة ريتا حايك ونقولا دانيال وكارلوس عازار وجويل داغر. ويدور حول نسرين التي تؤدي دورها ريتا حايك والتي تتزوج برجل يكبرها بكثير (نقولا دانيال) هربا من أحوالها المعيشية الصعبة وقسوة الأب، وحين تنتقل الفتاة إلى العيش مع زوجها تبدأ قصة جديدة من المعاناة مع أقارب زوجها الرافضين لهذا الارتباط.

وتبدو شخصية نسرين ذات تركيبة معقدة، فهي تواجه الظروف المحيطة بها بالاستسلام أحيانا، وبالمواجهة في أحيان أخرى، وتبدو نادمة حينا على ارتباطها برجل يكبرها سنا، بينما تبدو في حين آخر راضية ومحبة له.

في المقابل، لا يخلو المسلسل في شكل عام من التشويق والإثارة الدرامية اللذين توفرهما الصراعات العائلية التي تقود الأحداث على نحو غير متوقع، لتظل الإطالة في عدد حلقاته (40 حلقة) من دون جدوى، حيث بدت الضرورة ملحة لاختصار عدد الحلقات كي يتخفّف المسلسل من أثر الرتابة الحوارية التي سيطرت على سياقه.

في المحصلة يقدم العملان اللذان نالا أكبر نسب مشاهدة في رمضان المنقضي، فكرة واحدة وإن اختلفت تفاصيلها، والمتمثلة في صراع المال والجمال، الشباب والكهولة، التبعية والحرية لينتهيا إلى الانتصار للشكل على حساب روح العمل ورسالته، وكأن

الجمال الذي تجسده في غالب المسلسلات عارضات أزياء أو نجمات إعلانات أو مقدمات برامج تلفزيونية على حساب ممثلات موهوبات، إلا في ما ندر، هو غاية المسلسلات اللبنانية ليس إلاّ.

16