الدراما المصرية تدخل النفق بعد تطبيق "القيمة المضافة"

وضع الكثير من منتجي الدراما التلفزيونية في مصر أيديهم على قلوبهم وعلى محافظ نقودهم، إثر إقرار البرلمان المصري ضريبة القيمة المضافة مؤخرا، وتساءلوا "هل سنستطيع الاستمرار في الإنتاج وإبداع مسلسلات كبرى في ظل الزيادة الكبيرة في التكلفة الناتجة عن الضريبة؟".
الخميس 2016/10/06
أرقام خيالية

إثر إقرار البرلمان المصري ضريبة القيمة المضافة على الإنتاج الفني، باتت كل العمليات الإنتاجية في خطر، وتزايدت المخاوف من أن الفترة المقبلة، وفي مقدمتها دراما رمضان، مهددة وربما لا تشهد مسلسلات كثيفة وعلى مستوى مرتفع من الإنتاج والبذخ كما كان الحال في العام الماضي وما قبله، وأن خارطة المنتجين قد تتغير فيخرج العديد منهم من المشهد أو يستسهلون ويقدمون أعمالا بدرجة جودة منخفضة، تقليصا للنفقات، ليفسحوا المجال أمام رؤوس الأموال الضخمة التي تقف خلفها مؤسسات عملاقة.

الخوف يرجع إلى أن الضريبة تمتد لتطال كل عناصر إنتاج المسلسل، بدءا بالديكورات والملابس وإيجار أمكنة التصوير وأدوات الإضاءة والكاميرات، مرورا بأسعار الأفلام الخام، وصولا إلى أجور العاملين الفنيين وكتاب السيناريو والمخرجين بل والممثلين أنفسهم، ما سيدفع العديد من منتجي الدراما إلى التفكير ألف مرة قبل الإقدام على مخاطرة وضع أموالهم في تلك المشروعات الإنتاجية، خاصة وأن الكثير من تلك المستلزمات الإنتاجية يتم استيرادها بالدولار من خارج مصر، ما يعني ارتفاعا جنونيا مقابل الجنيه المصري.

فاروق نموذجا

ضرب المهتمون بالدراما التلفزيونية مثالا بمسلسل “الملك فاروق” الضخم، الذي أنتج في العام 2007 بتكلفة زادت على 6.5 مليون دولار (إنتاج سعودي، وعرض على محطة إم. بي. سي)، وقالوا لـ”العرب” إن مسلسلا بهذه الضخامة لو تم إنتاج شبيه له هذه الأيام، فسوف تزيد كلفته على 80 مليون جنيه مصري (8 ملايين دولار)، فمن سيتحمّل الآن مثل هكذا كلفة، خاصة إذا أضفنا إلى ذلك ما سيتكبده المنتج بعد دفع ضريبة القيمة المضافة؟

وأشاروا إلى أن تكلفة ديكورات مسلسل “الملك فاروق” وحدها زادت على 3 ملايين دولار، فما بالك وسعر الدولار الآن في مصر آخذ في التصاعد، وهكذا فإن الديكور وحده في “الملك فاروق” يعادل إنتاج عدة مسلسلات ومن ثمة فقد يلجأ المنتجون إلى الإنتاج المحدود، فيحرمون المشاهد العربي من الأعمال فائقة القيمة، ذات المضمون المتميز.

وفي العام الماضي، شهدت الدراما الرمضانية تراجعا كبيرا في نسبة الأعمال المقدمة، مقارنة بأعوام الألفية السابقة، وبعد أن كان هناك ما يقرب من 60 عملا، انخفض العدد إلى 22 عملا، وليس هذا فقط، بل إن التعثرات الإنتاجية ظلت حليفة المشهد طوال الوقت، ما بين أعمال توقف العمل فيها تماما أو أخرى تأجلت لأكثر من عام بسبب الظروف الإنتاجية المتخبطة.

وأكد المنتج صادق الصبّاح لـ”العرب”، أنه “يحضر، خلال هذه الأيام، الكثير من المؤتمرات الاقتصادية لفهم واستيعاب مسألة تطبيق القيمة المضافة بشكل أكبر”، معربا عن أمنيته في أن تمنح الحكومة المنتجين مهلة من الوقت لعدة أشهر قبل تطبيقها.

وقال الصبّاح “حتى الآن هناك أقاويل كثيرة في ما يتعلق بمسألة تقدير القيمة ذاتها، فالبعض قال إنها تصل إلى 5 بالمئة‏، وآخرون أكدوا أنها ستكون في حدود 10 بالمئة‏، وإذا كانت هذه القيمة من أجل حماية العملة المصرية (الجنيه)، فنحن نرحب بذلك، فهذه ضريبة مطبقة في عدة دول، ومنها لبنان مثلا”.

المنتجون قد يلجؤون لاحقا إلى الإنتاج المحدود، فيحرمون المشاهد من الأعمال ذات المضمون المتميز

ويضيف الصبّاح “بحسب فهمي للأمر، فإن القيمة المُضافة، الهدف منها يحمل شقين؛ أولهما توفير سيولة لخزينة الدولة بشكل كاف للمحافظة على قيمة العملة، ممّا يسهل مسألة سداد الحكومة لمستحقات العاملين بالدولة، والثاني يتعلق بضبط ضرائب الناس، لأن الضريبة الجديدة سوف توضح -بطريقة غير مباشرة- شكل الشراكات بين الأفراد”.

وأوضح الصبّاح، أنه حتى الآن لا يستطيع الجزم بخصوص التأثيرات المتعاقبة التي ستعود على العملية الإنتاجية برمتها، ولكن “علينا أن ننتظر التطبيق، لنتبيّن الرؤية كاملة”.

وأعلنت الحكومة المصرية أن الضريبة (التي أقرها البرلمان في 29 أغسطس الماضي)، بدأ تطبيقها في الأول من أكتوبر الحالي، بهدف تحصيل نحو 25 مليار جنيه (2.5 مليار دولار) سنويا، وتضمنت الضريبة بين بنودها خدمات الإنتاج الإعلامي، والبرامجي، والأفلام السينمائية، والتلفزيونية، والتسجيلية، والوثائقية، وأعمال الدراما، سواء التلفزيونية منها أو الإذاعية، فضلا عن المسرحيات، في حين أوضحت جداول تنفيذ الضريبة أن النسبة على تلك الأعمال ستكون في حدود 5 بالمئة.

الخروج من المشهد

حتى قبل إقرار هذه الضريبة، شكا غالبية المنتجين من أزمات كثيرة حاصرتهم في السنوات الأخيرة على مستوى التسويق، واسترداد الأموال من القنوات التلفزيونية، وارتفاع أجور النجوم، وتكاليف التصوير والمعدات، وهو ما جعل البعض يتحدث عن “نفق مظلم” ستدخله الدراما التلفزيونية المصرية بعد فرض “الضريبة”.

ونوه المنتج عاطف كامل لـ”العرب” إلى أن ضريبة القيمة المُضافة سترفع الأسعار، وإذا كان ذلك لن يبدو جليا هذا العام، إلا أنه بالتأكيد سيكون له مردود في السنوات القادمة.

وأشار إلى أن العام الحالي يشهد ارتباكا بالفعل في الأوضاع الإنتاجية، خصوصا مع نزول عدد من المحطات الجديدة، وستكون هناك تعاقدات كبرى لنجوم كبار، وأجور أسعار شديدة الارتفاع، وستزداد مع تنافس القنوات عليهم، لكن تبقى الأزمة الحقيقية هذا العام في حجم الإنفاق نظرا لكونه أعلى من العائد الإعلاني.

وأكد كامل أن الكثير من المنتجين سيخرجون من المشهد الإنتاجي بعد ارتفاع الأسعار، وأنه هو شخصيا يفكر في الخروج هذا العام، خاصة وأنه يبحث في المقام الأول عن السيناريو الجيد، وليس عن النجم بطل المسلسل، وهي السياسة التي تخالف العمل بالقنوات الفضائية.

وأوضح أن المنتج هو أكثر من يتعرض للضغوط في هذه المنظومة، ما بين أسعار مرتفعة للنجوم ومحطات لا ترد ثمن ما اشترته، بل ويصل الأمر في النهاية إلى حد تعرض المنتج للشكاوى ضده في نقابة السينمائيين من العاملين والفنيين الذين لم يحصلوا على مستحقاتهم، وتوقع انخفاض نسبة الإنتاج الدرامي للعام الثاني على التوالي.

وأبدى الكثير من المنتجين الذين التقتهم “العرب” في القاهرة عدم تفاؤلهم على الرغم من التأكيدات المعبرة عن النهوض بالاقتصاد المصري.

وقال المنتج أحمد الجابري لـ”العرب”، إن هذه الضريبة لن تتسبب فقط في خروج المنتجين وحدهم من المشهد، بل ينطبق الأمر نفسه على البعض من القنوات، لأن العمل الإعلامي في حد ذاته يحتاج إلى تكاليف إنتاجية ضخمة، وبالتالي لن تصمد هذه القنوات كثيرا، وتوقع الجابري ميلاد قنوات جديدة ستفي بوعودها مع المنتج، وهي التي تدير السوق كاملا.

ولفت الجابري إلى أن تكلفة إنتاج المسلسل سوف تصل بعد هذه الضريبة إلى 60 مليون جنيه (6 ملايين دولار)، على اعتبار ارتفاع سعر الدولار في السوق السوداء الذي وصل إلى 13.50 جنيه، لافتا إلى أن متوسط التكلفة كان يتراوح بين 25 و35 مليون جنيه، علاوة على ارتفاع أسعار التصوير في الأماكن الأثرية.

وسألت “العرب” عددا من المنتجين عن إمكانية تخفيض أجور النجوم، بما يمنح مساحة أكبر للإنتاج، فأكدوا أنه أمر صعب جدا، لأن النجوم اعتادوا رفع أسعارهم باستمرار ولن يتنازلوا عن ذلك بسهولة، وسيزيد إقبال القنوات التلفزيونية على الأسماء الكبيرة من صعوبة المسألة.

وسيكون رمضان المقبل الفيصل في عملية الإنتاج الدرامي المصري، ونرى إن كانت الأزمة سوف يتم تداركها أم أن الدراما التلفزيونية المصرية ستعاني نفس أزمة الإنتاج السينمائي الحالية، خاصة وأنها أزمة متشعبة الجوانب، منها التسويقية، والإعلانية، وأسعار الدولار.. وها هي الضريبة المضافة أتت لتزيد المشهد إرباكا.

16