الدراما المصرية تسحب البساط من السينما

السينما المصرية تعاني من أزمة مضمون، في الوقت الذي تحظى فيه الدراما بمتابعة جماهيرية نتيجة طرحها لقضايا اجتماعية جريئة تلاقي إقبالا وطلبا من الفضائيات العربية.
الأربعاء 2018/04/18
الدراما تتفوق على السينما في جذب المشاهد

القاهرة - تنسحب صناعة السينما رويدا رويدا من اهتمام جماهيرها في مصر، في الوقت الذي تكتسب فيه الدراما إقبالا فنّيا وجماهيريا من مختلف الفئات العمرية. حيث هجر قطاع كبير من الجمهور، خاصة من الشباب، الذهاب إلى دور السينما، فيما تجتمع أسر كثيرة داخل منازلها حول مسلسلات تتابعها بشغف ينم عن إعجاب واستمتاع بالمشاهدة.

ويأتي ذلك في ظل دعوات متكررة من قبل مثقفين مصريين ينادون بضرورة إحياء القوى الناعمة واستغلالها سياسيا بما يوافق المصالح القومية للبلاد. ويعتبر هؤلاء السينما والدراما من أبرز القوى الناعمة المصرية على المستوى الإقليمي.

 

تعتبر مصر أغزر الدول العربية في مجال ‏الإنتاج‏ السينمائي، حيث قدمت السينما المصرية على مدى أكثر من مئة عام أكثر من أربعة آلاف فيلم شكلت رصيدا فنيا محليا وعربيا. إلا أن هذا القطاع يشكو تراجعا في السنوات الأخيرة، تحديدا منذ اندلاع ثورة يناير عام 2011. ويفسر المتابعون للمجال الفني هذا التراجع بانحراف الأفلام المصرية عن قضايا المواطن التي عودت المشاهد على تناولها في أحلك الظروف وأزمات المنطقة العربية التي مرت بها. لتركز على إنتاج أفلام تجارية تتماشى ومتطلبات السوق الفنية بهدف حصد الأرباح. ويعترف صناع السينما بمعاناة القطاع من أزمة مضمون، في الوقت الذي تحظى فيه الدراما بمتابعة جماهيرية نتيجة طرحها لقضايا اجتماعية جريئة  تلاقي إقبالا وطلبا من الفضائيات العربية خاصة في العروض الموسمية كشهر رمضان، ما يجعل الدولة المصرية حريصة على استخدامها كقوة ناعمة تستعيد بها إشعاعها الإقليمي.

ويعتقد هؤلاء أن الفن، سينما ودراما، هو إحدى أدوات مصر المهمّة لمواجهة الصعوبات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي تجابهها، كما أن الفن سلاح ثقافي يدعم جهودها لتحصين شعبها من التطرف والنجاح في معركتها ضد الإرهاب التي تخوض غمارها في سيناء. فضلا عن تحديات سياسية بسبب أزمات المنطقة العربية التي تهتم بها مصر باعتبارها لاعبا إقليميا له دوره وثقله.

اتساع الفجوة

كانت الصناعتان (السينما والدراما) تسيران جنبا إلى جنب خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وحتى السنوات الأولى من الألفية الثالثة، غير أن تباينا لاحقا حدث واتسعت الفجوة بينهما بشكل أكبر بعد ثورة 25 يناير 2011.

وتطرح الازدواجية الواضحة تفسيرات متنوعة لظاهرة نمو سوق الدراما التلفزيونية، الذي يقابله تراجع في سوق السينما في بلد عرف هذا الفن منذ أواخر القرن التاسع عشر.

وقد سبقت صناعة السينما الدراما في مصر بوقت طويل، إذ عرض أول فيلم سينمائي بمدينة الإسكندرية سنة 1896، وكان أول فيلم مصري تم عرضه بعنوان “الأزهار الميتة” أعقبه فيلم بعنوان “شرف البدوي” سنة 1918 ثم فيلم “الخالة الأميركانية” سنة 1922.

ولم تكن تلك الأفلام آنذاك سوى عروض قصيرة صامتة، حتى شهد عام 1932 إنتاج أول فيلم عربي وهو “أولاد الذوات” بطولة يوسف وهبي، دولت أبيض، أمينة رزق، وإخراج محمد كريم.

أما صناعة الدراما، فقد زرعت أقدامها في مصر مع دخول التلفزيون عام 1960، وتم إنتاج أول مسلسل بعنوان “الساقية والضحية والرحيل” من إخراج نور الدمرداش، وقصة عبدالمنعم الصاوي وبطولة زيزي مصطفى، وصلاح السعدني. وبعد عامين تم إنتاج مسلسل “هارب من الأيام” إخراج نور الدمرداش، وقصة ثروت أباظة، وبطولة عبدالله غيث، وحسين رياض، وتوفيق الدقن.

ويفسر المتابعون للشأن الثقافي في مصر أوجه الاختلاف بين فن الدراما وفن السينما، كما يشرح هؤلاء أسباب سحب الدراما الأضواء من السينما حتى سيطرت في السنوات الأخيرة على المشهد الفني كما استحوذت على اهتمام المنتجين لتحقق أكبر نسب متابعة جماهيرية.

ويقارن هؤلاء بين المجالين من خلال نوعية الجمهور، ويشيرون إلى أن السينما تخاطب الشباب بشكل مباشر باعتبارهم قادرين على الذهاب إلى دور العرض، فيما تخاطب الدراما العائلات في المنازل بمختلف الفئات العمرية.

ومن هنا توصل صناع السينما إلى ضرورة تقديم توليفة تجارية تناسب جمهورها من الشباب الذين تعاني فئة هامة منهم من تراجع الثقافة الفنية، وبروز ثقافة العنف والرغبة في الانتقام والإسفاف والثراء السريع منذ اندلاع ثورة يناير عام 2011. كما أنهم ابتعدوا شيئا فشيئا عن متابعة العروض ليجدوا ضالتهم وشغفهم في مواقع التواصل الاجتماعي.

وثمة تفسير آخر يتعلق بتكاليف الإنتاج والتسويق، حيث يتكلف إنتاج المسلسل نحو 70 مليون جنيه (حوالي 3.5 مليون دولار)، لكنه يتم بيعه مسبقا لعدد من الفضائيات التي تشتري أسماء نجوم مشاهير في العرض الأول لترتيب الإعلانات المذاعة خلال فترة عرض المسلسل، ولا تقل عن ثلاثين يوما، وفيما بعد يتم بيع حق العرض إلى فضائيات أخرى بأسعار أقل. وخلال تلك الدورة يكون المسلسل قد حقق تكاليف إنتاجه، وحصد القائمون عليه ربحا جيدا.

أما في حالة أفلام السينما، فيتكلف الفيلم مبلغا أقل مثل 40 مليون جنيه (نحو 2 مليون دولار)، غير أن الحصول على عائدات يرتبط بتذاكر دور العرض والتي تراجعت خلال السنوات الماضية بشكل كبير، نتيجة احتكار عدد ضئيل من الشركات لكافة دور العرض وعدم السماح بعرض أفلام لا تتماشى وأهدافها التجارية التي تبحث عن تحقيق أرباح عن طريق ما يحصّله الفيلم من إيرادات.

حنان أبوالضياء: إنتاج أي عمل درامي أكثر ربحية، بينما إنتاج الفيلم السينمائي أشبه بمغامرة محفوفة بالمخاطر، لذا تخلو الساحة من المنتجين الجادين
حنان أبوالضياء: إنتاج أي عمل درامي أكثر ربحية، بينما إنتاج الفيلم السينمائي أشبه بمغامرة محفوفة بالمخاطر، لذا تخلو الساحة من المنتجين الجادين

وتتميز الدراما أيضا عن الأفلام السينمائية، بأن لها موسما محددا، هو شهر رمضان، وإذا كانت مصر قد أنتجت خلال العام الماضي 56 مسلسلا، فإن 34 منها عرض خلال شهر الصيام، والذي تزيد فيه نسب مشاهدة الفضائيات عن باقي العام.

وتعلق الناقدة الفنية حنان أبوالضياء على ذلك بالقول إن “إنتاج أي مسلسل أصبح أيسر وأضمن وأكثر ربحية، بينما إنتاج الفيلم السينمائي أشبه بمغامرة محفوفة بالمخاطر، لذا تخلو الساحة من المنتجين الجادين، ما أفقد هذا الفن جانبا من جاذبيته وأبعد قطاعا مهما من الجمهور عنه، غالبيته من الشباب، لذلك يخدم هذا العزوف الدراما”.

كما أن ضعف القصص المعروضة في صناعة السينما، أي سيناريو الفيلم مقارنة بما تطرحه صناعة الدراما من مواضيع اجتماعية جريئة. والسبب أن هناك أزمة يسميها السينمائيون “أزمة ورق” بعد انصراف المنتجين عن المبدعين الحقيقيين، الذين رفضوا توجيههم إلى “توليفة الجنس والمخدرات والعنف، ذات الأغراض التجارية.”

وأصبحت السينما المصرية خالية من قصص جادة تقريبا، كما أن معظم المؤلفين المتميزين لا يجدون ممولين مؤمنين بأفكار جيدة أو إبداع حقيقي.

وفي المقابل، تتيح صناعة الدراما فرصا أفضل لاكتشاف مواهب شابة من خلال ما يعرف بورش الكتابة التي يديرها كتاب ومخرجون محترفون. وليس أدل على ذلك من أن مسلسل “سجن النساء” للمخرجة ساندرا نشأت وعرض خلال رمضان قبل الماضي ولقي إقبالا وتفاعلا من الجمهور وكان نتاج ورشة كتابة مشتركة لمجموعة من المؤلفين الشباب.

ويشير صناع السينما إلى جانب آخر مهم يتمثل في أن جمهور السينما من الشباب ينصرف عادة إلى مشاهدة الأفلام الأجنبية عن المحلية، حيث أنه “لا يمكن المفاضلة بينهما قصة وتصويرا وأداء”، حسب رأي الناقدة المصرية حنان أبوالضياء.

لذا فإن دور العرض تقوم بعرض ثلاثة أفلام أجنبية إلى جانب كل فيلم محلي. ولا شك أن جذب الجمهور إلى الفيلم المحلي صعب في ظل ضعف المستوى الفني وتهافت القصص وسذاجتها في الكثير من الأحيان، والتركيز فقط على قضايا العنف والجنس لجلب الجمهور.

وما نستنتجه أن العزوف عن السينما له علاقة بالمحتوى والفكرة والرسالة التي ينطوي عليها الفيلم، وهو ما جعل الفيلم الأجنبي يلقى رواجا لدى الشباب المصري، علاوة على إشكالية وظاهرة القرصنة في صناعة السينما بشكل خاص.

وأشار السيناريست المصري أحمد مراد في تصريحات سابقة لـ“الـعرب” أن “الفيلم الذي يعرض لأقل من أسبوع قبل أن ينتقل إلى الشبكة الإلكترونية متاح دون رسوم بشكل غير أخلاقي صادم”.

ويعتبر مراد القرصنة “ثقبا في شباك الإيرادات، ودافعا لتجنب دور العرض من قبل الجمهور”. لكن ذلك يمثل جانبا من أزمة السينما المصرية، فهي صناعة لها تقاليدها التي تعاني من تراجع في الوقت الذي تحقق فيه الدراما تقدما ملحوظا.

سينما بلا قضايا

تبدو دور السينما عاجزة عن تجاوز حدود البلاد. وإذا كانت حصيلة الإنتاج السينمائي في مصر خلال 2017 بلغت 45 فيلما، فإنّ إجمالي عائدات تلك الأفلام بلغ نحو 285 مليون جنيه (ما يعادل نحو 16 مليون دولار)، في المقابل وعلى سبيل المقارنة يحصد مسلسل الفنان المصري عادل إمام على قناة مثل أم.بي.سي نصف إيرادات هذه الأفلام مجتمعة.

السينما المصرية باتت تفتقد قصصا جادة وقضايا ذات مضمون كما أن معظم المؤلفين المُتميزين لا يجدون ممولين مؤمنين بأفكارهم وبإبداع حقيقي

وبغض النظر على الأسباب المادية، فإن السنوات العشر الأخيرة لم تشهد اهتماما حقيقيا بالفيلم المصري، رغم حصول بعض الأفلام على بعض الجوائز الإقليمية. فالجمهور المصري لا يرى أن هناك فيلما نجح في ترك بصمة أو تأثير خاصة في السنوات الأخيرة، بحسب الكثير من النقاد. حيث انحرفت صناعة السينما كثيرا عن هموم الناس ومشكلاتهم وآلامهم وأمانيهم وأحلامهم.

وكان حضور وتأثير السينما قد تجاوزا الحدود في الماضي. وتروي الفنانة المصرية ماجدة الصباحي في مذكراتها كيف ساهم فيلم “جميلة بوحيرد” (المناضلة الجزائرية الذي صدر في حقها حكم بالإعدام لمشاركتها في عمليات فدائية ضد الاحتلال الفرنسي) الذي أنتجته شركة أفلام “مصر العالمية” سنة 1958 وكتبه نجيب محفوظ وعبدالرحمن الشرقاوي وعلي نجيب وأخرجه يوسف شاهين، في تخفيف حكم الإعدام على المجاهدة الجزائرية إلى السجن مدى الحياة.

وتقول الصباحي، إن الفيلم حقق نجاحا كبيرا وأدى إلى اشتعال مظاهرات صاخبة في دول عديدة مثل باكستان وأفغانستان ويوغسلافيا وبعض دول أوروبا الشرقية، وتعاطفت معه قوى اليسار في بلدان مختلفة واضطرت حينها السلطات الفرنسية إلى تخفيف حكم الإعدام، ثم الإفراج عن المجاهدة الجزائرية في ما بعد.

لكن رغم النمو والاهتمام الواضحين بصناعة الدراما المصرية، مقارنة بالسينما، هناك تحديات عديدة تواجه تلك الصناعة في الوقت الحالي.

وأحد تلك التحديات أنها مازالت محلية لم تنجح في الرواج والتأثير خارج حدودها. ويرى المخرج محمد فاضل، أن الدراما المصرية “كانت دائما قوية ومؤثرة ومتجاوزة للحدود، لكن انسحاب الدولة من الإنتاج أدى إلى انفراد القطاع الخاص بالأعمال الدرامية، وتراجع المستوى الفني لمعظم الأعمال باستثناء جزء قليل منها”.

وأوضح لـ”العرب” أن المسلسل المصري كان يتم تسويقه خارج مصر بمعدلات جيدة جدا، ولكنه تراجع خلال السنوات الماضية.

ويتسق رأي فاضل مع ما ذكره علاء الحديدي، سفير مصر السابق في الأردن، الذي عمل هناك خلال الفترة من 1998 إلى 2002، الذي قدم مثالا لمسلسل “كوكب الشرق”، الذي تناول سيرة المطربة الراحلة أم كلثوم، حيث أثار اهتماما كبيرا على المستوى الشعبي العربي، وشغف الكثير من الأردنيين والفلسطينيين في عمّان بمتابعة أحداثه وطالبوه بضرورة إعادة عرضه، كما أنهم تبنوا الاحتفال بصناع العمل.

ويقول الحديدي إنه “التقى المفكر والسياسي الأردني عدنان أبوعودة، وأخبره بأن أم كلثوم وحدّت العالم العربي مرتين، مرة في حياتها عندما طافت الدول العربية لدعم المجهود الحربي المصري بعد هزيمة يونيو 1967، ومرة بعد رحيلها من خلال هذا المسلسل”.

وفي تصور الكثير من المعنيين بالدراما المصرية، فإن عودة الدولة المصرية للإنتاج في مجال الدراما ضروري، لكن لا بد أن يتم في إطار استراتيجية شاملة تضعها الدولة للاهتمام بالفن والثقافة.

دعم الدولة

يمكن القول إن اهتمام الدولة بصناعة الدراما بدأ بإنشاء لجنة لها في المجلس الأعلى للإعلام، غير أن الأمر مازال يحتاج مشروعا قوميا مكتمل الأركان في رأي الكثير من المتابعين.

وأصبحت الفرص سانحة أكثر أمام المزيد من الإنتاج الدرامي المصري، وليس أدل على ذلك من فراغ ساحة الدراما التاريخية منذ عدة سنوات بعد تفاقم الحرب الأهلية في سوريا، نظرا لصعوبة التصوير في الكثير من المناطق التي لم تعد آمنة في بعض الأحيان، وإصرار النظام السوري الحاكم على تسخير كافة إمكانات الدراما لإنتاج مسلسلات دعائية مساندة له.

وتبدو ساحة الدراما حاليا مفتوحة لإنتاج مسلسلات تستهدف الجمهور العربي في مختلف دول العالم من خلال الأعمال التاريخية. وهناك جمهور مسلم يقدر بأكثر من مليار نسمة، كما أن هناك سوقا كبيرا في أفريقيا لم تدخله الدراما المصرية بعد.

صناعة الدراما تتيح فرصا أفضل لاكتشاف مواهب شابة من خلال ما يعرف بورش الكتابة التي يديرها كتاب ومخرجون محترفون

والمثير للانتباه أن مصر لم تقدم مسلسلا تاريخيا واحدا يتناول جانبا من حضارة الفراعنة، رغم أن هناك سوقا كبيرا في أوروبا والولايات المتحدة يتوق لأعمال جادة في هذا المجال.

وتستغل بعض الدول السينما، والبعض الآخر يستخدم الدراما في نشر الرؤى والتصورات في مختلف بقاع العالم، وللإشارة تتمتع مصر بإمكانيات كبيرة في مجال العمل الدرامي.

وتسخدم تركيا الدراما كقوة ناعمة متغلغلة في عقول وقلوب المقبلين عليها من عرب وأجانب. وباتت أنقرة تمد أذرعها للتأثير السياسي عبر مسلسلاتها المبهرة. وتعيد سرد تاريخ آل عثمان ودولة الخلافة وفتوحاتها العظيمة، وتلك الروابط الممتدة عبر قرون مع العالم العربي، حيث تزرع تركيا ثقافتها وتروّج لها عربيا ودوليا.

وقد يستنكر البعض نجاح المسلسلات التركية في الوصول  عبر القوة الناعمة حتى ماليزيا وإندونيسيا وغربا إلى دول أميركا اللاتينية، التي تعرفت بشكل مباشر على الثقافة والتاريخ التركي من خلال المسلسلات.

وتيقّن هؤلاء بأن هناك أسواقا كثيرة مفتوحة لكنها غير مستغلة من قبل مصر، تحتاج إلى إنتاج على مستوى متميز لا يمكن قصره على شركات الإنتاج، وإنما تقف وراءه الدولة بمؤسساتها وهيئاتها وإمكاناتها. ويحتاج ذلك إلى مساهمة ودعم من مجتمع الأعمال والمثقفين والإعلاميين، واصطياد الفرصة التي تشهد فيها الدراما التركية تراجعا في الانتشار على المستوى العربي، على خلفية منع الكثير من الدول بثها، احتجاجا على سياسات أنقرة الخارجية.

وتعتمد الولايات المتحدة مثلا على السينما، وتحارب بأفلامها قبل جيوشها، وتصنع الدعاية وتهيّئ الرأي العام، وتبشّر بقيم نبيلة وصور نموذجية لأبطال شرفاء عبر “هوليوود”. وتقدم عبر أفلامها صورا كاريكاتورية مثيرة للاشمئزاز عن خصومها السياسيين مثل كيم يونغ أون في فيلم “المقابلة” 2014، والقذافي في فيلم “الدكتاتور” 2012، وصدام حسين في فيلم “بين النهرين”، الذي كان إنتاجا مشتركا مع بريطانيا.

لكن في مصر تكاد السينما تلفظ أنفاسها في الوقت الذي تعيش فيه الدراما جاذبية ومتابعة، وبات من الممكن التعويل عليها للقيام بدور أكبر، لتصبح إحدى القوى الناعمة للدولة المصرية. ولتحقيق ذلك لا بد من تحرك فعال واستراتيجية واضحة وتدخل جدي من جانب الدولة، وهذا هو التحدي الكبير حاليا حتى تستعيد السينما عافيتها ويعود لها تأثيرها كما كان وكما عهدناه سابقا.

12