الدراما المصرية تواصل الهروب إلى الماضي

"حواديت الشانزليزيه" مسلسل ينهل من النوستالجيا لإعادة إنتاج الحاضر.
السبت 2019/12/28
خمس متهمات بقتل رجل واحد

يأتي مسلسل “حواديت الشانزليزيه” كحلقة جديدة من سلسلة أعمال درامية مصرية تنغمس في الماضي، كوسيلة للاستثمار في موجة الحنين إلى الماضي (نوستالجيا) السائدة شعبيا، والهروب من مناقشة الواقع بمشكلاته المعقدة ومخاطر الخوض فيها.

القاهرة - يولي كتاب المسلسلات المصرية اهتماما بحقبتي الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، تحت شعار عريض لا يخرج عن صراع الجمال والقبح لينغمسوا في أعمال تنازع فيها الصورة الأحداث على خطف أنظار الجمهور، بأزياء نسائية مزركشة وبيوت واسعة مليئة بالتحف، وشخصيات هادئة لا تتحدث إلاّ بالقطارة.

ويحمل مسلسل “حواديت الشانزليزيه”، نفس الروح التي تظلل أعمالا فنية سابقة مثل “ليالي أوجيني” و”طريقي” و”غراند أوتيل” باستثمار الحنين المتواصل للماضي، بما فيه من هدوء وترابط أسري وحفلات رومانسية وقصور واسعة، مقابل الحاضر بوحداته السكنية الضيقة في حارات أضيق مليئة بالسلوك العنيف ومركبات التوك توك ذات الأغاني الصاخبة.
ويقبل منتجون على تلك الأعمال باعتبارها تخدم سياسات عامة بالربط بين جمال البيئة ورقي السلوك البشري ما يحشد تأييدا غير مباشر للمدن الخضراء الجديدة، الهادفة لإعادة إنتاج رونق القاهرة الخديوية التي ضربها التشويه.

ينطلق العمل الذي يحمل اسم فندق بوسط القاهرة من عقدة في الحلقة الأولى بمقتل البطل الأساسي رياض (إياد نصار) بعدة طعنات ليتبارى وكيل النيابة محمود سليم (إدوارد) في كشف ملابسات الجريمة التي يُردّد دائما أنها صعبة ويرفض التوقف عن التحقيق فيها، رغم اعتراف خمس سيدات، بينهنّ زوجة القتيل قسمت (داليا مصطفى) بقتله لأنه دمّر حياة كل واحدة منهنّ، وإحالة القضية للمحاكمة.

حنين لا يتوقف

تصدير للجمال في مواجهة القبح
تصدير للجمال في مواجهة القبح

تعاني غالبية الأعمال التي تدور في أزمنة سابقة من غياب العمق في التناول، وجور الصورة الجميلة عن المضمون، لكن “حواديت الشانزليزيه” راعى توثيق الماضي باستثناء بعض السقطات الخاصة باختيار أغان لا تناسب الحقبة الزمنية، وإظهار استسلام شبكة المحيطين برياض ووقوعهم بسهولة بالأفخاخ المتتالية التي ينصبها.

وتقول نهى سعيد، التي كتبت السيناريو بالمشاركة مع الكاتب أيمن سليم، لـ”العرب”، “إن الصورة التي رسمت لرياض كشيطان، ومحمود سليم كملاك، هدفها إثارة الصراع الأزلي بين الخير والشر، فالأول يتلذّذ بإيذاء الآخرين وتدميرهم، والثاني مهموم دائما بإظهار الحق حتى لو كان على حساب صحته وعائلته، للتأكيد على أن الخير يوازن الشر، وحينما يقل أحدهما يحل الآخر مكانه”.

وتعتمد حبكة “حواديت الشانزليزيه” على استرجاع الماضي في رصد قصة حياة رياض منذ المراهقة، ودخوله السجن لإصابة زميل له في المدرسة بعاهة مستديمة، ورفض عمه إخراجه رغم امتلاكه القدرة من أجل تهذيب أخلاقه في الحبس، ليخرج بعدها الطفل رجلا ينتقم من الجميع، بمن فيهم والدته بحرق أرضها وبيعها بأبخس الأثمان والاختفاء بالأموال.

وتوضح نهى سعيد، أن القصة ليست بوليسية هدفها الكشف عن القاتل، فالحلقات الأولى قدمت قائمة المتهمين، لكن بصيغة إنسانية بالكشف عن الصراع البشري والدوافع التي تبعد الإنسان عن آدميته، مع التطرّق إلى بعض التفاصيل الصغيرة التي تنتقد سلوكيات مجتمعية سيئة على شاكلة القمامة وأطفال الشوارع.

وضع العمل بعض اللقطات السريعة المقصودة لإثارة مشكلات حياتية، مثل توقف فنانة شهيرة أثناء تنزهها لالتقاط ورقة وإلقائها في سلة مهملات للإيحاء بأن النظافة سلوك بشري، أو انتقاء فيلم “أولاد الشوارع” ليوسف وهبي لوضعه كإعلان على دور السينما لإظهارها كمشكلة ضاربة في القدم وتحتاج لدور مجتمعي أكثر من حكومي أو قضية الغربة وتأثيراتها على الأسر.

المسلسل يبدو متأثرا بقصة "جريمة في قطار الشرق السريع" لأغاثا كريستي، فقصتهما متقاربة للغاية
المسلسل يبدو متأثرا بقصة "جريمة في قطار الشرق السريع" لأغاثا كريستي، فقصتهما متقاربة للغاية

تبدو قائمة المتهمين تجسيدا لكل طوائف المجتمع ما بين “قسمت” سليلة القصور والباشاوات، و”فتنة” (مي سليم) الخادمة في فندق “الشانزليزيه”، وعايدة (إنجي المقدم) التي تبيع الهوى في شقة سيدة من أصل فرنسي، و”ريتا” (أماني كمال) ابنة الطائفة اليونانية الباحثة عن الحب والحنان، ونادية (سارة عادل) المطربة الحالمة بالنجومية.

وأكد كاتبا العمل أن كل واحدة من المتهمات الخمس تمتلك قصة وصراعا قائما بذاته ما يفتح الباب بسهولة لعمل جزء ثان وثالث من المسلسل في المستقبل، والصراع الذي يقصدانه يحمل جزءا نفسيا كالنزاع داخل كل شخصية بين القبح والجمال وانتحال كل منهما صفة الآخر في بعض الأحيان.

لكن لا تتضمن الحبكات الفرعية التي اعتمدا عليها سخونة تؤهلها للوصول إلى صراع مستقل مستقبلا، فقسمت مشاكلها منحسرة في عدم الإنجاب وتغض الطرف عن طبيعة عمل زوجها وهداياه باهظة الثمن، وفتنة تخشى بيع الفندق رغم وجود عشرات من فرص العمل في قصور الأثرياء، وريتا كل مشكلتها هجرة حبيبها ووفاة والدتها، وحتى عايدة لا تضمن أي تعقيدات وتبدو راضية بعملها في بيع “الهوى” واحتراف النصب.

ويؤكد الكاتبان أنهما حرصا على مشاهدة جميع الأعمال الفنية التي تحدثت عن حقبة الخمسينات، واختارا شارع عمادالدين بوسط القاهرة الغني بالمسارح والمقاهي والفنادق الصغيرة التي ضمت وجود جنسيات وديانات مختلفة به للدلالة على التنوّع القديم بعيدا عن العصبية الدينية أو العرقية.

على مستوى الإخراج، يواجه الممثلون إشكاليات كبيرة في لعب تلك الأنماط من الشخصيات ما يجعل أداءهم مفتعلا، فإدوارد عابس دائمًا لمجرد إظهار جديته، ويبدو أداء إياد نصار باهتا، على غير المعتاد، فلا يتنقل بين الشخصيات التي يلعبها بسهولة، ويظل ماضيا على ابتسامة صفراء في غالبية المواقف التي يواجهها.

وتكمن المشكلة في سير الممثلين على خطى نماذج سابقة وتقليدها، فإدوارد لا ينكر استلهامه طريقة عماد حمدي في الأداء، ومي سليم تبدو نسخة كربونية في طابعها الكوميدي من مديحة حمدي التي ظلت شخصيتها منحسرة في الخادمة طوال سيرتها المهنية.

ويعتبر بعض النقاد أن الانغماس في الماضي يجنب كتّاب السيناريو، سواء كان سينما أو دراما، إشكاليات تناول الواقع ومخاطر منع العمل من العرض، فهربوا من الأعمال ذات الصبغة السياسية أو التي تمسّ مشكلات الواقع، لمنح أنفسهم مساحات أرحب من الحرية، وبعضهم يتجنب الانتقاد حتى لو كان لأزمنة مضت.

لكن الكاتبة نهى سعيد، تقول لـ”العرب”، إن “الهدف من المسلسل اجتماعي وليس سياسيا أو تاريخيا ولم يتطرّق كثيرا لنفس الفكرة التي تناولتها أعمال سابقة عن الأوضاع التي شهدتها حقبة الخمسينات من المناداة بجلاء الاحتلال والصراعات الحزبية وطبيعة الحياة في القصور الملكية”.

كتابة ثنائية

ويبدو أن العمل متأثر بقصة “جريمة في قطار الشرق السريع” لأغاثا كريستي، التي تم تحويلها إلي فيلم سينمائي عام 2018، فقصتهما متقاربة للغاية، فالمعالجة الأميركية تنطلق من نفس النقطة بمقتل شخص في عربة قطار متوقف وسط الثلوج بسبب انهيار جليدي، وتبارى محقق بارع في استجواب كل ركاب العربة، ليكتشف وجود دوافع انتقام لديهم مع عائلة القتيل.

وينفي إياد نصار ذلك مؤكدا، في تصريحات صحافية، رفضه للأعمال التي تعتمد على سؤال “من الذي قتل؟”، لأنها شبيهة بومضة عود الثقاب تشتعل مرة واحدة فقط، ووافق فقط على تركيز المسلسل حول أسباب القتل وليس اسم القاتل وتطرقه للشخصيات التي تعيش بأكثر من وجه.

ويعيد العمل للأذهان فكرة العمل الثنائي على مستوى الكتابة التي اختف منذ سنوات لصالح ورش العمل، فكاتباه نهى سعيد وأيمن سليم رفضا تقسيم الحلقات بينهما وقررا أن يكون عملهما مشتركا، منعا للتنافر في رسم الشخصيات على مراحل الإعداد بدءا من المعالجة الدرامية وحتى السيناريو بالكامل.

وتشير نهى سعيد، إلى أن “حواديت الشانزليزيه” الذي يعتبر أول عمل تلفزيوني للمؤلفَين، والمخرج مرقس عادل، يريد تقديم صورة لمجتمع مصر القديمة الفاضل بشوارع جميلة وبشر راقين في الكلام والسلوك، وتعايش الجميع بصرف النظر عن الأديان والأعراق والأصول في مكان واحد بتناغم.

13