الدراما المصرية تواصل تجاهلها لجمهور المنصات

المسلسلات الطويلة تجذب ربات البيوت وتنفّر الشباب.
الاثنين 2021/07/12
ملء الشاشات بالمسلسلات الطويلة موضة قديمة فرضها سوق الإعلانات

يشكّل ارتباط الدراما المصرية بسوق إعلانات القنوات الفضائية أحد الأسباب المهمة التي تدفع لتوجيه دفة الإنتاج إلى ما يناسب التلفزيون. وأدّى التمازج بين منتجي الأعمال الدرامية والجهات المالكة للعديد من القنوات الفضائية إلى التشبّث بالدراما الطويلة التي تخاطب فئات بعينها ما زالت مرتبطة بالتلفزيون ونواميسه التقليدية. إلاّ أن ذلك قد لا يكون في صالح الدراما مستقبلا مع تقلص جمهور الفضائيات وتصاعد نسب مشاهدي المنصات الإلكترونية.

القاهرة – طغت الدراما الطويلة على شكل المسلسلات المصرية المقرّر عرضها في موسم الشتاء، والذي يبدأ بعد ثلاثة أشهر، ويستمر حتى بدء الموسم الرمضاني، وتجاهل القائمون على غالبية الأعمال التي يجري تجهيزها حاليا تطوّرات سوق المنصات الإلكترونية التي تميل نحو المسلسلات ذات الحلقات القصيرة المناسبة لطبيعة جمهورها. لكن لا تزال المعايير التجارية للقنوات الفضائية مسيطرة على أسلوب إنتاج المسلسلات حتى الآن، في تجاهل واضح للتطوّرات المُتسارعة في سوق الدراما على المنصات وانتعاشها مؤخرا.

وتشهد مواقع وأستوديوهات التصوير حراكا في الوقت الحالي لتجهيز العديد من المسلسلات لعرضها في الأشهر المقبلة، والتي يطغى عليها الموضوعات الاجتماعية ما يؤكّد إمكانية اختصار حلقاتها بعكس المسلسلات التاريخية أو الأعمال الملحمية التي تتناسب مع شكل المسلسلات الطويلة، فقد عانت الدراما المصرية السنوات الماضية من أزمة تكرار القضايا المطروحة والتطويل المبالغ فيه للحلقات التي تدفع الجمهور للعزوف عن مشاهدتها.

هشام هلال: بعض المنصات الإلكترونية باتت تلجأ إلى المسلسلات الطويلة
هشام هلال: بعض المنصات الإلكترونية باتت تلجأ إلى المسلسلات الطويلة

أعمال جديدة

من أبرز المسلسلات التي يجري تصويرها في الوقت الحالي، “ورق التوت” وهو مسلسل من 45 حلقة يناقش مجموعة من المشكلات الاجتماعية بين الطلاب داخل أسوار إحدى الأكاديميات التعليمية الخاصة، بطولة شريف سلامة وثراء جبيل وخالد أنور وسلوى عثمان ويضم عددا من الوجوه الشابة الجديدة.

وكذلك يتم الإعداد لمسلسل “الحرير المخملي” بطولة مصطفى فهمي وداليا مصطفى وهالة فاخر، وهو من نوعية الأعمال الطويلة المتكوّنة من 60 حلقة، ويتناول قضية العلاقات الأسرية، بدءًا من الجد كبير القرية في عصر التسعينات الذي يمتلك مساحة كبيرة من الأراضي الزراعية والقصور، وصولا إلى الأبناء في العصر الحديث.

وبدأ المخرج حسني صالح في التحضير لمسلسله الجديد “حلم”، ويسلّط الضوء على طبيعة حياة المصريين في منطقة خان الخليلي، وهي منطقة تاريخية بوسط القاهرة، وعدد حلقاته 45 حلقة، كذلك الحال لمسلسل “السيدة زينب” بطولة سوسن بدر ومحمود عبدالمغني، وتدور أحداثه في 60 حلقة، وهو عمل اجتماعي شعبي، تدور وقائعه داخل حارة مصرية تقع في منطقة السيدة زينب بوسط القاهرة.

وقارب الفنان بيومي فؤاد على الانتهاء من تصوير مسلسله “عودة الأب الضال”، ويتكوّن أيضا من 60 حلقة، وتعتمد قصته على حلقات متصلة منفصلة تتناول حكايات وقصص مختلفة بشكل كوميدى، وتدور قصته حول رجل أعمال يقع في أزمة، وكي يخرج منها يحاول البحث عن أبنائه السبعة الذين يعملون في مهن مختلفة، منهم من تعمل راقصة، وأخرى محامية وبائعة وطبيبة وتاجر فاكهة.

يرتكن منتجو هذه الأعمال على الظروف التي فرضها انتشار فايروس كورونا وساهمت في مكوث المواطنين بمنازلهم وهو ما عاد بالإيجاب على متابعة الأعمال المعروضة على التلفزيون والمنصات الإلكترونية في موسم الشتاء الماضي، غير أن الوضع مع الانفتاح الحالي قد يتغيّر، والنجاحات الجماهيرية التي حقّقتها مسلسلات “لؤلؤ” و”جمال الحريم” قد لا تتحقّق في الموسم المقبل.

ويقول بعض النقاد إن عدم قدرة الكثير من الأعمال الدرامية في موسم رمضان على جذب الجمهور وتحقيق نسب مرتفعة من المشاهدة يدعم الاهتمام بدراما موسم الشتاء، والتي سبقتها أعمال أخرى سيتم عرضها الشهر القادم، واعتماد الكثير من القنوات على إعادة المسلسلات المعروضة في رمضان لا يأتي بمرود إيجابي، والهدف منها معالجة الانتقادات الموجودة للعديد من أعمال موسم رمضان.

وأكّد الناقد الفني رامي عبدالرازق أن “الاعتماد على الحلقات الطويلة محاولة لتحرير بعض الأعمال من تكدّس الموسم الرمضاني، واستغلال وجود موسم مفتوح لأشهر طويلة يتّسم بدورية العرض على مدار خمسة أيام خلال الأسبوع الواحد ويقود لإنتاج مسلسلات تشغل مساحة من الفراغ لدى القنوات الفضائية على مدار 12

أسبوعا بالنسبة إلى مسلسلات الـ60 حلقة، و9 أسابيع بالنسبة إلى أعمال الـ45 حلقة”.

الطبيعة التجارية

على النهج ذاته
على النهج ذاته

أضاف عبدالرازق في تصريح لـ”العرب” أن الدراما المصرية تمضي على نفس الطريق الذي تسير فيه منذ بداية انتشار القنوات الفضائية وتقوم بإنتاج أعمال تتناسب مع الطبيعة التجارية للفضائيات وتكون بحاجة إلى مسلسلات طويلة في الشتاء، وتجبر المنتجين على تقديم 30 حلقة في رمضان، وهو ما أثّر سلبا على جودة الأعمال المقدّمة.

وأشار إلى أن القائمين عليها يتجاهلون ضرورة تناسب قضية وقصة المسلسل مع عدد الحلقات، وقد يكون لديهم سيناريو لا يكفي سوى لعشر حلقات، غير أنهم يقومون بالمط والتطويل لتناسب رغبات القنوات الفضائية التي لم تعد تكفيها الأعمال المعروضة في رمضان وتطالب بشكل دائم بأن تكون هناك أعمال جديدة على مدار العام لمساعدتها فيما يُعرف باسم “ملء الشاشات”.

وتشكّل الجوانب الاقتصادية أحد الأسباب التي تجعل بعض المنتجين يستهدفون تقديم عمل واحد يتضمّن حلقات طويلة وبأقل تكلفة من حيث التعاقد مع نجوم العمل أو من ناحية القيمة الترويجية للمسلسل التي تكون غالبا مرتفعة، والأمر ذاته بالنسبة إلى الفضائيات التي تُفضّل أن تتعاقد مع مسلسل واحد لعرضه على مدار شهرين أو أكثر، بدلا من تعاقدها مع ثلاثة أو أربعة مسلسلات لعرضها في نفس الفترة الزمنية.

ويعوّل الكثير من المنتجين على جذب ربات البيوت للمسلسلات الطويلة باعتبارهم الفئة الأكثر متابعة لهذه الأعمال، بالتالي فالغوص في القضايا الاجتماعية التي يفضلونها قد يأتي بمردود إيجابي، إلاّ أن المشكلة تكمن في جودة الأعمال المقدّمة وقد تمثل عنصرا منفّرا عكس تجارب أجنبية طويلة تحظى بنسب مشاهدة مرتفعة.

رامي عبدالرازق: المط العشوائي في المسلسلات يؤثر سلبا على جودة المُنتج
رامي عبدالرازق: المط العشوائي في المسلسلات يؤثر سلبا على جودة المُنتج

وتكمن مشكلة المسلسلات المصرية الطويلة في أنها تدور حول أربع أو خمس شخصيات رئيسية ويجري بناء قصة العمل الدرامي عليها، ما يؤدّي إلى الانغماس في تفاصيل ليس لها مبرّر، وعند غياب الجمهور عن متابعة عمل لمدة أسبوع أو أكثر لا يشعر بأن أحداثه تجاوزته، بما يبرهن أن القضية لا تحتمل هذا القدر من الحلقات.

وأوضح عبدالرازق لـ“العرب” أن إنتاج مسلسلات ذات حلقات قصيرة يصبّ في صالح منتجي الدراما أنفسهم، لأنه ستكون هناك فرصة لتقديم أكثر من عمل في فترات متفاوتة، بجانب أن ذلك يدعم جذبهم لجمهور المنصات الذي أخذ في التصاعد بوتيرة سريعة بفعل الأوضاع التي فرضها فايروس كورونا الفترة الماضية.

ويتّفق العديد من النقاد على أن سوق الدراما المصرية يتّسم بالنمطية والبطء في مجاراة التطوّرات التي فرضتها المنصات، كما أنه سوق مرحلي ويهتم فقط بالربحية على حساب المحتوى المقدّم، في حين أن عدم استيعاب القائمين عليه التسارع الذي حدث في وتيرة انجذاب الجمهور للأعمال المعروضة إلكترونيا يؤدّي إلى خسائر فادحة.

وأكّد المؤلف هشام هلال أن الاهتمام بالأعمال الطويلة يأتي لأن هناك أفكارا تستحق أن يجري العمل عليها وتقديمها في قالب زمني طويل، إضافة إلى أن بعض المنصات أضحت تلجأ أحيانا إلى المسلسلات الطويلة، وهناك جمهور كبير للأعمال التركية التي تعرضها منصة نتفلكيس في الوقت الحالي.

وأوضح في تصريح لـ“العرب” أن بعض الأعمال المعروضة في موسم الشتاء كان من المفترض عرضها في موسم رمضان الماضي، لكنها خرجت من السباق لأسباب عديدة، ويعطي تأجيل عرضها فرصة لتطوير القصة أو السيناريو وهو ما حدث تحديدا مع مسلسل “المماليك”.

ويعدّ مسلسل “المماليك” أحد الأعمال التي تدور أحداثها في 60 حلقة، بطولة بيومي فؤاد ورانيا يوسف من تأليف هشام هلال، وإخراج حازم فودة، وهو عمل اجتماعي.

Thumbnail
17