الدراما تتتبّع التحوّلات التاريخية للمجتمع السعودي

"ضرب الرمل" صراعات أسرية تزيدها أحداث الماضي اشتعالا.
السبت 2021/03/06
بطل ينطلق من الصحراء وإليها يعود

حقَّق المسلسل السعودي "ضرب الرمل" الذي يُعاد عرضه حاليا على قناة “أس.بي.سي” نجاحا باهرا في رمضان 2020، الأمر الذي جعل مؤلفه محمد المزيني يعكف منذ مدة على تجهيز جزء ثان منه وسيعقبه جزء ثالث، لم يتم الإعلان عن موعد عرضهما بعدُ.

يتّخذ المسلسل السعودي "ضرب الرمل" الذي يعاد عرضه حاليا على قناة أس.بي.سي” مسارا زمنيا يُراوح بين بداية الألفية ورجوعا إلى خمسينات القرن الماضي.

وتبدأ الأحداث في العام 2006، ثم ترتدّ مرة أخرى إلى الخمسينات مرورا بالتسعينات، يتخلّلها استعراض سريع لبعض الأحداث الهامة في تاريخ المملكة العربية السعودية عبر قصة رجل الأعمال السعودي شقير وتحوّله من حياة الفقر والتشرّد حتى يصبح واحدا من كبار رجال الأعمال في منطقة الخليج.

قصة المسلسل تعتمد على رواية الكاتب السعودي محمد المزيني التي نشرها على ثلاثة أجزاء بالعنوان ذاته، والتي يؤرّخ من خلالها للعديد من المحطات الرئيسية التي شكّلت بنية المجتمع السعودي المعاصر.

والمسلسل من إخراج ماجد الربيعان وأعدّ له السيناريو كاتب الرواية محمد المزيني، وهو إنتاج مشترك بين قناة “أس.بي.سي” وهيئة الإذاعة والتلفزيون في المملكة.

وكان لافتا هنا أنه تم إسناد دور البطولة الرئيسية في المسلسل إلى الفنان السعودي خالد عبدالرحمن في دور شقير الذي يمثل الشخصية المحورية للأحداث، وهو مطرب سعودي معروف لم يسبق له التمثيل من قبل، وهو الأمر الذي أثار حالة من السجال بين المتابعين.

وتشارك عبدَالرحمن بطولة المسلسل النجمةُ والإعلامية اللبنانية ريتا حرب التي تطل لأول مرة على المشاهد العربي عبر عمل خليجي. كما يجمع العمل أيضا نخبة من الفنانين بينهم الفنانة ليلى السلمان ومروة محمد وأميرة محمد وعبدالعزيز السكيرين وناصر الربيعان وأسامة القس وجبران الجبران ومحمد الشدوخي إلى جانب عدد من الوجوه الشابة.

من القصيم إلى النعيم

مسلسل “ضرب الرمل” أشبه بملحمة تاريخية تحكي تطوّر المجتمع السعودي بداية من النصف الثاني من القرن العشرين وحتى اليوم، وتدور أحداثها تحديدا في منطقة القصيم الواقعة بوسط المملكة العربية السعودية.

واعتمادا على السرد الروائي للرواية الأصلية التي كتبها محمد المزيني بأجزائها الثلاثة “النزوح” و”الكدح” و”الدنس”، يرصد العمل التحوّلات التي شهدتها السعودية على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، بالإضافة إلى العديد من المؤثرات الأخرى التي ساهمت في تشكل وعي المجتمع السعودي المعاصر.

وتبدأ الحلقة الأولى بمشهد لعُرس سعودي تقليدي يحتفل خلاله رجل الأعمال شقير بزواج ابنته سلمى. ولا يسترسل المسلسل كثيرا في استعراض الأجواء المحيطة بحفل زفاف ابنة شقير، والتي يبدو أنها مُرغمة عليه، إذ تقفز بنا الأحداث مباشرة من بداية الألفية إلى خمسينات القرن الماضي.

يتذكّر رجل الأعمال شقير طفولته البائسة في صحراء القصيم هو ووالدته، وكيف واجه كلاهما السيل الكبير الذي ضرب صحراء القصيم وقتها وشرّد العديد من العائلات والأسر.

وعلى إثر هذا السيل يقرّر الصبي الصغير السفر إلى الشمال محاولا العثور على والده المُختفي منذ سنوات، وبمعاونة أحد معارف أبيه يسافر الصبي بالفعل، غير أن القدر يفرض نفسه على مسار هذه الرحلة، إذ تلاحق الشرطة السائق، ويضطر الطفل إلى الإقامة في إحدى المدن الواقعة على الطريق إلى الرياض. وهناك يلتقي بامرأة تساعده على الإقامة والعمل.

السيدة التي أوت شقير تبدو منبوذة من أهل الحي، الذين يدعونها بالساحرة، لكونها تضرب الرمل وتقرأ الطالع، غير أن شقير يجد لديها الحنان والرعاية التي يفتقدها.

يعاود المسلسل رحلته الزمنية ذهابا وعودة عبر السنوات، فنجد شقير وهو في بداية حياته العملية تاجرا شابا يطمح إلى النجاح ويسعى إلى كسب الثروة، ثم لا تلبث أن تنتقل بنا الأحداث مرة أخرى إلى حقبة تالية فنراه أبا وزوجا لامرأتين.

السرد الدرامي هنا يتنقّل بإيقاع سريع بين البدايات والنهايات مخلفا وراءه العديد من علامات الاستفهام حول الشخصيات كافة وأسباب تحوّلها أو تغيّر أحوالها، بداية من شقير إلى زوجته اللبنانية ثريا التي تؤدّي دورها الفنانة ريتا حرب، مرورا بزوجته الأولى منيرة التي تؤدّي دورها أميرة محمد، وبناته وأبنائه الذين تبدو بينهم بوادر صراع يقتات على أحداث وقعت في الماضي، سنتبيّن بعض ملامح هذه الأحداث خلال الحلقات، لتكتمل مع الأجزاء التالية من المسلسل التي أُعلن عن البدء في التحضير لها.

ينتهي المسلسل بخروج شقير إلى الصحراء على إثر طعن ابنه على يد شقيق زوجته ثريا. وفي مشهد مؤثّر وخيالي يلتقي بالسيدة “جملا” التي أوته وهو صغير، وتؤدّي دورها الفنانة ليلى السلمان، فيجلس معها وهي تضرب الرمل ثم تأخذ حفنة من تراب وترشّها إلى الأعلى لتنزل الشاشة سوداء، معلنة عن نهاية الجزء الأول.

وقد صرّح كاتب النص علي المزيني أن معدّي المسلسل يستعدون حاليا لتصوير الجزء الثاني منه بعد أن انتهى من كتابته وسيكون تحت عنوان “الغياب” ويليه الجزء الثالث تحت عنوان “التحوّل” والأجزاء جميعها تغطي الفترة من بداية خمسينات القرن الماضي وحتى اللحظة الراهنة.

جدل حول الأداء

الفنانة اللبنانية ريتا حرب استطاعت عن جدارة أداء دور المرأة القوية في زمنين متباعدين، واحدة وهي شابة وأخرى وهي زوجة وأم
الفنانة اللبنانية ريتا حرب استطاعت عن جدارة أداء دور المرأة القوية في زمنين متباعدين، واحدة وهي شابة وأخرى وهي زوجة وأم

يبرز في “ضرب الرمل” دور الفنانة اللبنانية ريتا حرب التي استطاعت عن جدارة أداء دور المرأة القوية، وكان حضورها لافتا عبر تجسيدها لمرحلتين زمنيتين، الأولى في فترة الثمانينات وهي شابة، والأخرى في بداية الألفية وهي زوجة وأم.

وحرب عرفها الجمهور العربي كإعلامية من خلال محطة “أوربت”، كما لعبت أدوار البطولة في عدد من الأعمال اللبنانية والعربية المشتركة. وقد استقبل الجمهور السعودي دورها في المسلسل بترحاب شديد كما بدا على وسائل التواصل الاجتماعي، خلافا للفنان السعودي خالد عبدالرحمن الذي يلوم عليه البعض تركه لمجال الغناء والانتقال إلى مجال آخر لا يعرفه، خاصة أنه يعدّ أحد النجوم الكبار على الساحة الغنائية في السعودية.

واعتبر البعض أن أداء عبدالرحمن كان باهتا إلى حد كبير، غير أن جانبا من الأصوات رحّب بالفكرة وأثنى على أداء الفنان معتبرين أنه لا يصحّ الحكم على أدائه من خلال تجربته الأولى، وتمادى آخرون حين وصفوا حضوره بالأسطوري.

ومن بين أبرز المنتقدين لأداء عبدالرحمن كان الفنان السعودي محمد كنهل الذي عبّر عن استيائه من الاستعانة به، معتبرا أنه فشل في أول تجاربه التمثيلية، موجّها له النصيحة بألّا يعيدها مرة أخرى.

في المقابل رأى البعض من المنتقدين أن إسناد البطولة إلى المطرب السعودي كان نوعا من الترويج للعمل واستغلالا لشهرته الواسعة كمطرب، وهو أمر مقبول ومتكرّر في الدراما العربية، واصفين الانتقادات الموجّهة إلى الفنان في الوسط الفني بأنها نوع من الغيرة الفنية، لا أكثر.

14