الدراما.. قوة ناعمة لمغازلة المجتمعات العربية

المسلسلات التركية أصبحت وسيلة تستعملها السلطة لتصدح بها وتنفخ في لهيب الشرق الأوسط، تعتمد في ذلك على استخراج أجود ما اكتنزته من قصص البطولات العثمانية لصوغ حنين الشعوب.
الأربعاء 2019/01/23
حضر الرئيس التركي رجب طيب ‏أردوغان العرض التعريفي للمسلسل التاريخي الملحمي "كوت ‏العمارة"

أخذت المسلسلات التركية في العالم العربي حيزا كبيرا من ساعات المُشاهد في السنوات الأخيرة، واستطاعت أنقرة أن تستغل أزمة الإنتاج خاصة في مصر وسوريا، أين تصنع أهم الأعمال الفنية العربية، لتستقطب الجمهور العربي نحو أعمالها الدرامية، بعد أن فاجأها النجاح الواسع الذي حظي به مسلسل “نور”، وهو أول عمل درامي تركي عرض في العالم العربي عام 2006، وأمام هذا النجاح يستغل النظام التركي برئاسة رجب طيب أردوغان قوة بلاده الناعمة، وقد أبدى مؤخرا دعمه للأعمال التاريخية التركية ولمساعي ترويجها خاصة بالمنطقة العربية، في خطوة يعتقد متابعون أنها تهدف إلى تذكير العرب بأمجاد العثمانيين ووقائع تخص التاريخ التركي والفتوحات الإسلامية في ظل الخلافة العثمانية، وذات أبعاد سياسية يراد منها تزيين حلم أردوغان في استعادة صورة السلطان الذي يحكم مناطق واسعة، كالتي كانت تحت نفوذ العثمانيين، واستثمار إحساس العربي بالغضب تجاه القوى الكبرى لتغذية الحنين إلى الماضي العثماني.

جاء توقيت قرار المجموعة التلفزيونية الأضخم في الشرق الأوسط “أم.بي.سي” (mbc)، بالتوقف عن عرض المسلسلات التركية متزامنا مع عرضها للمسلسل الدرامي “أنت وطني” الذي يحكي قصة حرب الاستقلال التركية.

المسلسل يعجّ بسرديات البطولة والعظمة التركية٬ وكانت محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2015 سببا في تغيير اسم المسلسل الملحمي من ‏”خائن الوطن” ‏ليصبح “أنت وطني”. وكان المسلسل يحتل الوجبة الرئيسية من الدورة البرامجية للقناة قبل وقف عرضه، وقد تجاوزت حلقاته المعروضة قرابة الثمانين.

ويبدو التزامن غير المقصود بين القرار وعرض المسلسل، كاشفا عمّا قد يكمن وراء القرار من أسرار دفعت إلى اتخاذه وإعادة النظر في الضخّ الدرامي التركي الذي أصبح يثير حساسية من نوع ما، في إطار الأحداث المتسارعة التي تعصف بالمنطقة والاشتباكات بين اللاعبين المختلفين فيها.

بدأ عصر المسلسلات التركية عام 2006 مع عرض مسلسل “نور” المدبلج، لتبدأ بعدها المسلسلات التركية في نيل رصيد كبير داخل المجتمع العربي، وهو ما دعا تركيا إلى إنشاء قناة ناطقة باللغة العربية موجهة إلى سكان المنطقة من أجل توجيه خطاب تركي مباشر لهم، الأمر الذي لم يكن في حسابات أنقرة لولا النتائج غير المتوقعة للمسلسل خلال عرضه الأول.

بعد ذلك انهالت عروض المسلسلات التركية مثل “عاصي”، وقد حقق الممثلون من خلال ذلك نجومية كبيرة لم تتوفر لهم في بلدهم الأم، وما حصل مع مسلسل “نور” دليل ساطع، إذ لم ينل نجاحا كبيرا في تركيا بعكس دول الشرق الأوسط، بعد أن نجحت آخر حلقة من المسلسل الذي دبلج إلى العربية في أن يحظى بمتابعة نحو 80 مليون شخص، من فلسطين إلى المغرب.

تحقق لتركيا من وراء الدراما الخاصة بها ما لم تتخيله من مكاسب اقتصادية وثقافية في الشارع العربي، حيث أصبح المئات من العرب يقضون عطلاتهم في تركيا، وأصبحت إسطنبول وجهة سياحية منافسة لكل من باريس ولندن.

وفي الوقت الذي يحاول فيه الأتراك استذكار مجد إمبراطورية إسلامية كانت قائمة بزيارتهم قصر توكباكي (الذي شهد تصوير مسلسل نور) كان العرب غالبا ما يزورون المكان لإلقاء نظرة على المكان الذي وقف فيه نجومهم الذين يتمتعون بالوسامة، لتصوير المسلسل. وحظيت السياحة في تركيا بنصيبها، إذ وخلال العام 2009 شهدت زيادة غير مسبوقة، منها 21 بالمئة من الإمارات العربية المتحدة، و50 بالمئة قدموا من المغرب.

وفي بيان صادر عن شركات الجولات السياحية في تركيا، أوضح المتحدث باسمها جيم بولات أوغلو أن عدد السياح العرب الوافدين على تركيا خلال 2013 ارتفع ليبلغ 3 ملايين و265 ألفا و190 سائحا، مشيرا إلى أن المسلسلات التركية تعد من أبرز دوافع السياح العرب إلى تغيير وجهتهم من أوروبا إلى تركيا، إلى جانب توفر أماكن وفرص التسوق والسياحة العلاجية.

عبدالله جيليك، المسؤول في وزارة الثقافة والسياحة التركية، سبق له الكشف عن تحقيق عوائد تقدّر بأزيد من 65 مليون دولار، بسبب تصدير المسلسلات التركية إلى العالم، والتي يشاهدها أكثر من 150 مليون شخص في نحو 76 دولة.

نقطة تحول

كانت رحلة الدراما التركية إلى العالم الخارجي والعربي بالتحديد، محض اجتهادات غير مقصودة، ساهم فيها بشكل أكبر فقر الساحة العربية من الإنتاج الكافي لتغطية الساعات الطويلة والمتواصلة من البث، كما أن الظروف السياسية والاقتصادية العاصفة التي مرت بعواصم الإنتاج العربي ولا سيما القاهرة، ضاعفت من فقر وخلو الساحة الفنية من الأعمال العربية البحتة، الأمر الذي فتح الباب واسعا للتوسع في استقطاب الدراما التركية بشكل أكبر. بالإضافة إلى إغراء المكاسب المالية والثقافية التي تحققت دون توقع، وألهب من حماس الأوساط الفنية التركية للاستحواذ على الفرص العربية المشرعة.

لم يكن العامل السياسي أو الأيديولوجي حاضرا أو بالأحرى واضحا في بواكير الحضور الدرامي التركي للمنطقة، بل ربما لقيت امتعاضا من أعلى سلطات البلاد في أنقرة، فكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منزعجا من الدراما التركية التي تنقل إلى العالم العربي، وأنها لا تنسجم وقيم المجتمع التركي ولا طبيعته المتدينة والمحافظة.وقد نقل واحد من أبرز المُقرّبين إليه، وهو نائبه والمتحدث باسم الحكومة التركية، بولنت أرنتش، أن أردوغان أبدى في أكثر من مناسبة انزعاجه من مضمون بعض الأعمال الدرامية والتاريخية التي حقّقت نسب مشاهدة عالية داخل وخارج تركيا.

وأضاف المسؤول التركي أن أردوغان انزعج كثيرا من بعض الحقائق “غير الصحيحة” التي جاءت في حلقات مسلسل “حريم السلطان” على سبيل المثال. لكن الأمر تغير تماما بعد دخول خط إنتاج جديد في الدراما التركية، يهتم بمضاعفة إنتاج المسلسلات الوطنية والتاريخية، فمن المسلسل التاريخي الدرامي الشهير “أرطغرل”، وقد لقي طاقم المسلسل تكريما كبيرا من الرئيس التركي، ثم مسلسل “السلطان عبدالحميد”، وحتى أجدّها مسلسل “محمد فاتح العالم”، حيث إن أحداث هذه المسلسلات تدور غالبا حول أبطال ووقائع تخص التاريخ العثماني والفتوحات الإسلامية في ظل الخلافة العثمانية.

حمولات الدراما التركية اشتبكت مع "السياسة" والمكاسب "غير المتوقعة" أغرت المنتجين والساسة
حمولات الدراما التركية اشتبكت مع "السياسة" والمكاسب "غير المتوقعة" أغرت المنتجين والساسة

وازداد تركيز المنتجين والمخرجين الأتراك في الآونة الأخيرة على تصوير الأفلام والمسلسلات التاريخية التي تجسد بطولات وانتصارات حققتها الجيوش التركية عبر التاريخ، وحضر الرئيس التركي رجب طيب ‏أردوغان، ورئيس وزرائه السابق بن علي يلدريم، العرض التعريفي للمسلسل التاريخي الملحمي “كوت ‏العمارة”، وأبديا إعجابهُما به، وأَثنيا على طاقم ‏العمل. وبدأت القناة التركية الرسمية الأولى “تي.آر.تي1” (TRT1) بعرض أولى حلقات المسلسل، مساء ‏الخميس 18 يناير 2018، ويروي المسلسل الوقائع التي خاضتها القوات العثمانية مع العرب، ضد الجيش البريطاني، في الحرب العالمية الأولى، وفك الحصار عن مدينة الكوت العراقية.

وتظهر الشخصيات الرئيسية في العمل، ومنها الشاب محمد بن خسرف، المتحمس لقتال الأعداء، وتحرير الأرض المغتصبة، و”نيل الشهادة في سبيل الله والوطن”، وهو يحلم بالانضمام إلى “الطابور العثماني” الذي يقاتل الإنكليز، فتلقي الأحداث الضوء على شخصية محمد بكل جوانبها، والتي يبدو أنها ستكون محورية.

أما أبطال مسلسل “السلطان عبدالحميد الثاني”، فقد لفتوا إلى أنهم لا يقصدون تعليم التاريخ عبر المسلسلات، وإنما يهدفون إلى إثارة فضول وحب المشاهدين تجاه التاريخ، ومن ثم البدء في القراءة والبحث عن حقائق الأحداث.

وأعرب مخرج المسلسل أمره كونوك في تصريحات صحافية عن فخره واعتزازه بالتأثير الإيجابي الذي نجح المسلسل في صناعته ليس داخل حدود تركيا فقط، بل في مناطق مختلفة من العالم أيضا. وقال كونوك “عندما نسافر في جولات خارجية نتلقى رسائل إعجاب عديدة من بلدان مختلفة، لا سيما من منطقة الشرق الأوسط”.

ومن جانبه، قال بطل المسلسل بلونت أونال، إنه يتلقى ردود فعل جميلة جدا حول المسلسل من خارج تركيا، لا سيما من أبناء الدول العربية. ويُوثق مسلسل السلطان عبدالحميد، أبرز الأحداث في الأعوام الـ13 الأخيرة (1896-1909) من حياة السلطان عبدالحميد الثاني؛ فضلا عن الأحداث التي عاشتها الدولة العثمانية إبان حكمه آنذاك.

وقالت مجلة فورين بوليسي الأميركية المرموقة في 2010 إن الدراما التركية أثبتت أن كسب قلوب من يعيش في العالم الإسلامي ليست مهمة مستحيلة، “لكن مشكلة الولايات المتحدة أنها لم تكتشف الطريقة الصحيحة للقيام بذلك”.

لحظة الافتراق

كانت نهاية العام 2010 لحظة فارقة في تاريخ المنطقة، والعرب خصوصا، بعد أن اشتعلت الثورات الشعبية في بعض العواصم مثل تونس ومصر وسوريا وليبيا، ودخلت على إثرها في دوامة عريضة من التحولات السياسية والاجتماعية، وكانت جماعات الإسلام السياسي النشطة والخاملة جاهزة لالتهام كعكة المكاسب السياسية، وقد عملت الفضاءات الإعلامية بكافة صورها كظهير فاعل ومؤثر في معادلة التغيير والتمكين التي رجحت فيها كفة الإسلاميين عموما.

قيم الديمقراطية والعدالة والحرية وأساس المواطنة التي نهضت لنشدانها الثورات الشعبية ورفعتها شعارات للمرحلة، تحولت فجأة إلى خطاب أممي يهدد ثوابت الاستقرار وحدود السيادة التي ترسم الأوطان والدول وتعطيها الحد الأدنى من آليات التعامل والسلم الإقليمي، وانبعثت من التاريخ خطابات الخلافة ودولة الأمة المركزية.

وصبّت السلطة القطرية كل إمكاناتها المالية والإعلامية في هذا السبيل، وكشفت عن ساق طموحها وسعيها إلى إعادة تشكيل المنطقة على هوى الأيديولوجيا الإخوانية التي كانت ظروفها ناضجة لقطف ثمرة المرحلة.

حركت الدوحة الخلايا الأيديولوجية الخاملة في البلدان العربية والخليجية خصوصا، وبدأت تستنهض خطاباتها المبيّتة عبر الشبكات الاجتماعية وسيل من الفضائيات والبرامج التلفزيونية التي بثت أفكارها وأطروحاتها لزيادة زخم الدعاية للمشروع.

ازداد تركيز المنتجين والمخرجين الأتراك في الآونة الأخيرة على تصوير الأفلام والمسلسلات التاريخية التي تجسد بطولات وانتصارات حققتها الجيوش التركية عبر التاريخ
ازداد تركيز المنتجين والمخرجين الأتراك في الآونة الأخيرة على تصوير الأفلام والمسلسلات التاريخية التي تجسد بطولات وانتصارات حققتها الجيوش التركية عبر التاريخ

وإذا ما ازداد الضغط على سلطة قطر، كانت تركيا ملاذ المشاريع المهاجرة إليها من حرّ الدوحة إلى شتاء إسطنبول، وقد أصبحت المحل الذي تحج إليه الأبواق والمنصات المنضوية تحت لواء الإخوان بعد أن ضاقت بهم الأرض ولفظتهم بلدانهم.

كانت رايات الخلافة المصطنعة تنصب في بلدان الثورات الهشّة، ومنابر تركيا تصدح وتنفخ في لهيب الشرق الأوسط وتسعّر نار الخروج من نفق الواقع إلى الضوء الباهت الذي يلمع في آخره، ومن باطن تاريخها تستخرج أجود ما اكتنزته من قصص البطولات العثمانية لصوغ حنين الشعوب العربية والمسلمة “المغلوبة” إلى إسطنبول عاصمة الآمال العطشى.

وسط كل هذا الاشتباك المعقد من ظروف السياسة والاقتصاد والفن، لم يكن من السهل التعاطي مع كل طرح بأريحية قبل أن يعاد النظر بشأنه، وما إذا كان محملا بأكثر مما يسمح به سلم المجتمعات واستقرارها، وإذا ما كان في الأمر فرصة حقيقية لدعم المحتوى المحلي وتعزيزه بآليات الاحتراف والجودة والانتشار، ليصبح رقما صعبا ومنتجا منافسا.

12