الدراما لها وظيفة تثقيفية أهملها العرب

المسلسلات الغربية تشبه الأعمال الأدبية والبحوث الفلسفية.
الخميس 2020/05/28
مسلسل "لاست" يساعد مشاهديه على تطوير شخصياتهم

قد يرى البعض أن الأعمال الدرامية مجرد منتج للاستهلاك، يستهلكه المتفرجون من خلال التلفزيون، ويحققون من خلاله المتعة والإثارة فقط. لكن الأعمال الدرامية لها وظائف أخرى أبعد من الاستهلاك، إذ هي تثقيفية كما أنها ناقدة، تساعد المتلقي على تغيير أفكاره وتطوير معارفه ونقد واقعه.

لن أنتقد أي مسلسل رمضانيّ، لأني صنت نفسي هذا العام عن مشاهدة أيّ واحد منها، من أيّ بلد عربيّ كان، برغم الحجر، وتوافر القنوات العربية لديّ.

ولكن ما أقرأه من مقالات هنا وهناك يكشف إما عن ضحالتها الفنية والمضمونية، أو عن احتفائها بمشاهد الرعب والعنف، أو عن تركيزها على ما صار ينهش مجتمعاتنا من فوضى وفساد وإدمان ودعارة، أي كلّ ما لا يتناسب مع شهر فضيل تجتمع فيه الأسر لمشاهدة ما ينمّي فيها الوازع الأخلاقي ويقدّم في أسلوب فنّي فهما صحيحا لقيمنا الإسلامية، أو يروّح عن أنفسها بعد ضيق، خصوصا في ظرف كتب عليها فيه أن تظل حبيسة بيوتها.

الدراما والثقافة

لقد كانت المسلسلات الرمضانية حتى وقت قريب تحوم حول محورين هامّين: التاريخ الإسلامي بأبطاله وأعلامه وفتوحاته، والواقع الاجتماعي منظورا إليه من زاوية الهزل والطرافة.

ثم انقطع المحور الأول بضغط أميركي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فاختفى تقريبا كل ما يتعلق بتاريخ الإسلام الذي زعم الأميركان أنه سبب ظهور الإرهاب في ديارنا، وبقي المحور الثاني، أي الهزليّ، ثم توسّع ليشمل في الغالب مسلسلات تعالج الواقع الاجتماعي لا محالة، ولكنها تتناوله من جهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية وأثرها في علاقات الأفراد بعضهم ببعض، وانتصاراتهم وانكساراتهم، دون أن تنحدر إلى تصوير مشاهد العنف والرذيلة التي لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، احتراما لعاداتنا وتقاليدنا، لأن المسلسلات التي تدخل البيوت بلا استئذان هي غير أفلام السينما التي يسعى إليها المتفرج بقدميه.

ولما كانت كذلك، فالغاية منها لم تكن لشدّ اهتمام المشاهد بأي طريقة طمعا في ما يأتي من ورائها من عائدات إشهار، بقدر ما كانت تحرص على تثقيف المشاهد، ودعوته إلى اكتشاف مظاهر التقدم والتحديث، وتغيير رؤيته للعالم، وفي الأقل مساعدته على فهم واقعه وتبين موقعه منه.

المسلسلات الجادة في كثير من البلدان، تقوم بدور الكشف عن مشاغل إنسان هذا العصر وتطلّعاته

كذلك شأن المسلسلات الجادة في كثير من البلدان، فهي تقوم بدور الكشف عن مشاغل إنسان هذا العصر وتطلّعاته، وتغوص في نفسية أبطاله لتبرز قيم الخير التي يعملون على ترسيخها، وتعرّي أضدادهم لتري المشاهد من خلال سيرتهم مغبّة الخروج عن القانون وسوء عاقبة من يصعد السّلّم الاجتماعي بالإثم والعدوان. فأغلب المسلسلات الأميركية مثلا ليست مجرد بضاعة للاستهلاك، بل هي أعمال فنية تخاطب عقل الفرد ووجدانه، وتسعى للتأثير فيه تماما كسائر الأعمال الأدبية الكبرى.

 وكنا ذكرنا في مقالة سابقة كيف أن الأستوديوهات الأميركية صارت تستنجد بالروائيين في وضع مسلسلات، على غرار نظيراتها في ثلاثينات القرن الماضي، حينما دعت وليم فوكنر، وريمون شاندلر، ونثانائيل ويست، إلى كتابة سيناريوهات عن رواياتهم، أو وضع سيناريوهات مبتكرة لأفلام سردية. ولكن في هذه المرة ناب التلفزيون عن السينما في دعوة الأسماء اللامعة أمثال ستيفن كينغ، وجوناثان فرانزن، وسلمان رشدي، ومايكال شابون إلى اقتباس مسلسلات من رواياتهم، أو المساهمة في كتابة حلقات مسلسلات، كل حسب مجال اهتمامه، أو ابتكار مسلسلات جديدة.

وقد بلغت تلك الأعمال من الجودة ما جعلها مثار بحوث فلسفية، ففي الأعوام الأخيرة، ظهر في فرنسا تيار فكري يهتم بترويج إيثيقا الفضائل من وجهة نظر فلسفية، يعتقد أصحابه أن المسلسلات تقترح نوعا من ميدان للدربة، تتردد عليه الأحداث والشخصيات طيلة أشهر وأعوام، فيألفه المشاهد، ويتبنى قيم الخير والجمال التي يطرحها، وينفر من عناصر الشرّ المناوئة، وفي التكرار عادة، وفي العادة تعوُّد، والتعوُّد جوهر الفلسفة كما يقول المفكر ماتيو بوت بونفيل، مستشهدا بأرسطو الذي كان يقول إن الخيِّر هو من اكتسب قبل كل شيء، عن طريق العادة، عادات طيّبة تساند قراراتنا وقت الحاجة.

المهمة النبيلة

في كتاب بعنوان “ستّ أقدام تحت الأرض، حيواتنا دون مصير” يقارن المفكر الفرنسي تريستان غارسيا هذا المسلسل بروايات بروست أو دستويفسكي، ويلاحظ تركيز المسلسل على طبقة متوسطة تحاول أن تحيا حياة عادية، ولكن بجعل العادي جميلا، غير مضجر، خاليا من الدروس الأخلاقية الفجّة. أما الباحث باكوم تيلومان صاحب كتاب “يد ديفيد لينش اليسرى”، فيعتقد أن المسلسلات يمكن أن تقدّم لنا إضاءات عن وجودنا، لأننا في سائر أيام السنة نعيش حُبساء عواطفنا ونزواتنا. وفي رأيه أن مسلسل “لاسْت”  مثلا قد لا يغير طبيعة كل من يشاهدونه، ولكنه قد يساعد بعض مشاهديه على تطوير شخصيتهم وتحسين سلوكهم. وفي رأيه أن قوة المسلسلات تكمن في قدرتها على أن تقيم بشكل متكرر إطارا يستطيع المشاهد استبطانه.

كذلك سندرا لوجيي أستاذة الفلسفة بالسوربون، فقد نشرت في أكتوبر الماضي كتابا بعنوان “حيواتنا في مسلسلات” بيّنت فيه كيف أن المسلسلات غيّرت كل شيء: حياتنا، علاقتنا بالثقافة، أوقات فراغنا، ولم تكتف باحتلال موقع متقدم في سجل السرديات الكبرى للقرن الواحد والعشرين، بل صارت تنتج فلسفة، ليست فسلفة مسلسلات، بل أعمال فكر حقيقية، لأنها باستنادها إلى عناصر السرد التقليدية في الرواية والسينما تضع عددا من الأفراد، أبطالا وبطلات، أمام امتحان الحياة العادية، وبدل الأخلاق التقليدية، تبني جملة من الوضعيات والتجارب وأنماط الحياة، وتخلق لدى المشاهد نوعا من الكفاءة، تُهيِّئه لجدل ديمقراطي جديد.

ولكن تأثير المسلسلات لا يسير في اتجاه واحد، فقد تخلق المسلسلات أحيانا سلوكيات يمكن وصفها باللاأخلاقية. فممّا يذكره ماتيو بوت بونفيل عن سلسلة “24” مثلا أن الجيش الأميركي أعرب عن قلقه من إمعان المجندين الشبان في ممارسة التعذيب، ثمّ أظهر تقرير أن دأب البطل جاك باور على تبني ذلك السلوك أقنعهم بأنها طريقة عادية في الاستنطاق. ولئن كانت السلسلة تلحّ على غرس فكرة مفادها أن الروح الوطنية فوق كل اعتبار، فإن هذه الفكرة تتنكر للقيم الإنسانية، وتفتح الباب لمعاملة الأميركان بالمثل، وهو ما يحيد بالفن عن مهامّه النبيلة.

كذلك الشأن لدى مشاهدي بعض المسلسلات التونسية مثلا، خصوصا تلك التي جعلت أبطالها منحرفين وتجار جنس ومخدّرات، فقد وجدت صداها لدى الشّباب الذي يميل به طبعه إلى تحدي الأعراف والتقاليد، لاسيما أن الشخصيات المحورية لا تحمل بعدا إنسانيا ولا تدافع عن مبادئ وقيم، وأوهمهم بأنها المثال والقدوة، ووجدنا من الفتية من صار يتشبه بهم في هيئتهم وخطابهم وسلوكهم، مثلما وجدنا من الفتيات من لا ترى حرجا في مخالطتهم وحتى الاقتران بهم.

والسبب أن معظم القنوات التلفزيونية تهمل البعد التثقيفي للعمل الدرامي، إمّا عن قصد لأن صاحب القناة أو المنتج لا يهمّه غير استقطاب المشاهدين ولو بإثارة الغرائز بدعوى فضح المسكوت عنه، وإما عن قلة وعي ودراية حين يُعهد التأليف لغير أهله. ومن مهازل هذا العام ما تناقلته وسائل الإعلام عن مسلسل رمضاني فاشل تقمّص فيه ممثل نكرةٌ كل الأدوار الممكنة، فهو كاتب القصة والسيناريو والحوار وهو المخرج والبطل. ولولا ضيق ذات اليد لكان هو المنتج أيضا.

14