الدرس الذي ينساه بوتين يوميا

الأربعاء 2014/03/05

لا حاجة إلى إضاعة كثير من الوقت لمعرفة لماذا قرر فلاديمير بوتين الذهاب بعيدا في إخضاع أوكرانيا عن طريق احتلال جزء من أراضيها المتمثلة في منطقة القرم. كان بوتين يدافع في الواقع عن عرشه في موسكو. لو سقط بوتين في كييف، لكان سقط في موسكو. لذلك لجأ الرئيس الروسي إلى القوة العسكرية غير آبه بالتهديدات الأوروبية والأميركية.

لم يكن في استطاعة بوتين التراجع بعدما رفض قبول أن تكون روسيا دولة طبيعية. فأيّ تراجع أمام التحدي الذي تمثله الرغبة الجامحة لدى الأوكرانيين في الاتجاه أوروبيا كان يعني، بطبيعة الحال، انكفاء روسيا على نفسها واضطرارها إلى التعاطي مع المشاكل التي يعاني منها شعبها واقتصادها.

أقام بوتين نظاما روسيا على الطريقة السوفياتية. قرّر أن يكون قيصرا جديدا في الكرملين، على غرار ما كان عليه قياصرة الحزب الشيوعي. لم يستوعب لماذا ليس في استطاعة روسيا أن تكون قوة عظمى لمجرّد أنها تمتلك السلاح النووي. السلاح النووي ليس كافيا لبناء قوة عظمى.

لو كان هذا السلاح كافيا لتحقيق هذا الغرض، لكان الاتحاد السوفياتي لا يزال حيّا يرزق.. ولكانت باكستان تستطيع لعب دور على الصعيد العالمي غير دور الحديقة الخلفية لـ”طالبان” في أفغانستان وداخل باكستان نفسها. لا يمكن للسلاح النووي بناء قوة عظمى. يمكن أن يستخدم للتهديد والابتزاز. ما يبني قوة عظمى هو المعطيات الاقتصادية قبل أي شيء آخر. قد تكون الصين الصاعدة أفضل مثال على ذلك.

يستطيع فلاديمير بوتين تقسيم أوكرانيا، وإعادة شبه جزيرة القرم أرضا روسية. في الواقع، كانت القرم أرضا روسية قبل أن يقدّمها نيكيتا خروشوف الأمين العام للحزب الشيوعي السوفياتي هدية إلى أوكرانيا في الخمسينات من القرن الماضي. كان خروشوف أمينا عاما للحزب الشيوعي الأوكراني قبل خلافته ستالين الذي توفي في العام 1953. أراد تقديم هدية إلى أوكرانيا التي كانت جمهورية سوفياتية. كانت شبه جزيرة القرم بمثابة الهدية.

تعتبر شبه الجزيرة تلك في غاية الأهمّية للأمن الروسي نظرا إلى أنها تضمّ الموانئ المطلة على البحر الأسود التي يرسو فيها الأسطول الروسي. من دون هذه الموانئ لا تعود فائدة تذكر من الأسطول الروسي الذي سيتوجب عليه الانطواء في اتجاه موانئ أخرى تتجمّد فيها المياه ستة أشهر في السنة. القرم تعني، أوّل ما تعني، الميناء الدافئ الذي يسمح للأسطول الروسي بالتحرّك في كل الاتجاهات، خصوصا في اتجاه البحر المتوسط.

يمارس فلاديمير بوتين مع أوكرانيا سياسة “السيادة المحدودة” التي سبق للاتحاد السوفياتي أن مارسها مع دول أوروبا الشرقية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. كان زعماء الحزب الشيوعي السوفياتي الذين أقاموا في الكرملين يعتقدون أنّ اتفاق يالطا يسمح لهم بالتدخل عسكريا من أجل الإبقاء على أنظمة تابعة في رومانيا وألمانيا الشرقية وبلغاريا وتشيكوسلوفاكيا وبولندا وهنغاريا.

اجتاحت الدبابات السوفياتية بودابست في العام 1956 واجتاحت براغ في 1968. بعد تحرّر هذه الدول إثر انهيار الاتحاد السوفياتي، يظنّ زعيم الكرملين الجديد أنه مسموح له بممارسة هذه السياسة في الدول التي لديها حدود مشتركة مع روسيا.

هل يسكت العالم عن الغزو الروسي لشبه جزيرة القرم؟ الأكيد أن التركيبة السكانية لتلك المنطقة تخدم التوجّه الروسي، كذلك هناك إدراك في موسكو بأن سقوط كييف نهائيا، وقيام نظام معاد فيها لروسيا، سيعني أن الربيع الأوكراني سينتقل إلى روسيا نفسها.

لم يفشل بوتين في أوكرانيا فقط حيث تولى حماية نظام برئاسة فيكتور يانوكوفيتش، أقلّ ما يمكن أن يوصف به بأنه مافياوي. فشل قبل ذلك في موسكو وفي كل مدينة ومنطقة روسية. فشل في إقامة نظام ديمقراطي يعني، أول ما يعني، التبادل السلمي للسلطة وقضاء حرّا ومؤسسات اقتصادية تخدم طموحات الشعب الروسي وتوقه إلى حياة أفضل. سيطر مع التابعين له على مقدرات الاقتصاد وعلى الثروات الروسية.

لا يشبه النظام الذي أقامه بوتين في روسيا سوى النظام الإيراني. البلدان لا يمتلكان اقتصادا قابلا للحياة، وكلّ اتكالهما على النفط والغاز وعلى الهروب المستمرّ إلى الخارج. إيران تهرب إلى العراق ولبنان وسوريا واليمن والبحرين والخليج عموما، وروسيا تهرب إلى حيث تستطيع الهروب. هربت إلى سوريا حيث تدعم بالسلاح والفيتو نظاما يذبح شعبه، وها هي الآن تهرب إلى أوكرانيا بدل إيجاد طريقة للتعاطي معها بطريقة مختلفة تأخذ في الاعتبار رغبة الأكثرية الساحقة للشعب الأوكراني في الحرّية والتقرّب من أوروبا.

حسنا، يمكن أن تستمر هذه اللعبة الروسية بعض الوقت. أقدم بوتين في نهاية المطاف على مغامرة محسوبة. إنه يعرف تماما أن هناك إدارة أميركية على رأسها باراك أوباما لا تفكّر إلّا في كيفية تفادي أية مواجهة جدّية في أي مكان من العالم. هناك إدارة أميركية ضعيفة لا تشبه إلا إدارة جيمي كارتر في أواخر السبعينات من القرن الماضي. ولكن إلى متى ستظّل الإدارة في واشنطن تعطي الأولوية للهرب من الأزمات العالمية؟

يمكن للقيصر الروسي الجديد تحقيق نجاح مؤقت. ولكن في نهاية المطاف، وحتى لو استطاع تقسيم أوكرانيا وفرض السيطرة المباشرة على شبه جزيرة القرم، لن يغنيه ذلك عن ضرورة العودة إلى الداخل.. إلى مشاكل المواطن الروسي الذي يعرف أن أي نظام، مهما امتلك من الصواريخ والقنابل النووية، لا يمكن أن يكون قابلا للحياة من دون اقتصاد قوي وحياة سياسية تستند إلى حدّ أدنى من الأسس الديمقراطية.

سقط الاتحاد السوفياتي لأنه كان نمرا من ورق. كان الأسطول السوفياتي يمتلك قاعدة في عدن. هل ساعده ذلك في شيء في المدى الطويل؟ إنه الدرس الذي ينساه فلاديمير بوتين يوميا.


إعلامي لبناني

8