الدرس المستفاد: من يصوم مع الإخوان يفطر مع داعش

الاثنين 2016/02/15

من المستغرب وجود أشخاص، رغم سوء المآل وتردي الأحوال، ما زالوا يراهنون على إمكانية استثمار الجماعات التكفيرية الأقل تشدّدا لأجل مواجهة الجماعات التكفيرية الأكثر تشدّدا، تبعا لقاعدة درء المفسدة الكبرى بمفسدة صغرى.

الأشدّ غرابة في الموضوع أن يكون ضمن الإدارة الأميركية أشخاص يظنّون أن بعض جماعات الإسلام السياسي قد تصبح معابر سالكة لمرور بعض مقتضيات الحداثة السياسية إلى عقول سائر المسلمين، طالما أن تغليف الفكرة بغلاف ديني يجعلها مقبولة من طرف الجمهور. ولأجل تحقيق هذا الهدف، ليس مطلوبا منا سوى العمل على ترميم الإسلام السياسي وإعادة تدويره عن طريق الممارسة السياسية.

هكذا، من الواضح أن الخطأ الذي يقع فيه بعض المشتغلين بالسياسة اعتقادهم بأن كل المشاكل يمكن حلها بواسطة الموقف السياسي. هذا الخطأ يشبه كهف أفلاطون الذي يكتفي فيه الإنسان بالنظر إلى المظاهر الحسية. وعلى سبيل المثال، تكمن معضلة العنف في أنه لا ينبع بالضرورة من الموقف السياسي المعلن، والذي يمكن تعديله بسهولة في بعض الأحيان دون أن ينعكس ذلك بالضرورة على حركة التاريخ، كما ليس يخفى أن بوسعنا أن نقول في السياسة عكس ما نمارسه في الواقع، وأن العبارات الصحيحة في الحقل السياسي قد لا تكون كذلك في سائر الحقول الأخرى. ذلك أن معضلة العنف تكمن في الخلفية الفكرية والرؤية الثقافية والمفاهيم المرجعية لصانعي القرار وصانعي الرأي العام.

ومن باب الاستدلال، لا نستطيع أن نفهم روح الدستور الأميركي دون أن نطلع على مبادئ جان لوك والتي استلهمها الآباء المؤسسون لأميركا. كما أننا لا نستطيع أن نفهم وحدة الإرادة العامة ضمن الدستور الفرنسي دون الرجوع إلى مبادئ جان جاك روسو معلم فرنسا الأول.

وبالمثل لا نستطيع أن نفهم المواقف الإيرانية دون الرجوع إلى مؤلفات وفتاوى آيات الله، الأحياء منهم والأموات. ولأننا لا نقصد محاكمة النوايا، سنكتفي بالنظر إلى المرجعيات المعلنة ثم نتساءل: هل يمكن لابن تيمية وسيد قطب، ابن تيمية هو الجذع المشترك القديم وسيد قطب هو الجذع المشترك الحديث بين كافة أطياف الإسلام السياسي، أن يشكلا فرصة لإنتاج إسلام سياسي حداثي ديمقراطي ينتمي إلى روح العصر، أم أن الأمر يتعلق بمجرد رهان مفلس؟ لسنا ننكر بأن العقول تتغير، وأن الأذهان تتغير، وأن الوعي يتغير، وأن لا شيء ثابت في هذه الحياة، فالتغيّر سنّة الحياة، ولا شك في هذا. لكن، هناك قاعدة مكملة، من لا يتغيّر يموت، ومن غير المعقول أن نتصور بأن كل الأيديولوجيات تستطيع أن تتغير. والمشكل الباقي أن بعض الأشياء لا يموت بهدوء وسلام.

فعلا، فقد سبق للخارجية الأميركية، ومعها معظم الدّوائر الغربية، أن راهنت على الإسلام السياسي قبل وإبان ما كان يسمى بالرّبيع العربي، وعلى منوالها سارت دول إقليمية محددة على رأسها قطر وتركيا، أملا في تحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية كانت تبدو حينها رهانا ممكنا:

أوّلا، ضمان قدر من الاستقرار: بحيث كانت حركات الإسلام السياسي، على رأسها التنظيم الدّولي للإخوان المسلمين، تبدو كأنها الأقدر على إعادة ضبط الأمن والاستقرار داخل مجتمعات ما بعد الثورات. لا سيما وأن الأمر يتعلق بثورات أطلقها الشباب في الشارع بأسلوب عفوي وباستعمال آليات التواصل الاجتماعي. لكن بعد إجهاض الثورات وعقب السّقوط المدوي للإخوان المسلمين بين أحضان التغول الجهادي والتكفيري، بصرف النظر عن “مظلوميتهم”، فقد أصبح الاستمرار في نفس الرهان يفتقد إلى الحد الأدنى من المعقولية.

ثانيا، المصالحة بين الديمقراطية والإسلام السياسي: لقد كان هذا الرهان يبدو مبررا ولو في حدود معينة، لا سيما بالنظر إلى تجربة إسلاميي ما بعد أربكان في تركيا، والتي أوحت بأن الإسلام السياسي قادر على تطوير منظومته الأيديولوجية نحو أكبر قدر من العلمنة، في اتجاه قد يسمى “ما بعد أربكان”، غير أن “تدعوش” السياسة التركية بعد “تأخونها” السريع جراء الحالة الانفعالية التي أثارتها “فقاعة الثورات”، قد أسقط القناع عن الوجه “السلطاني” للتجربة الأردوغانية.

ثالثا، سحب البساط من تحت أقدام التطرّف الجهادي التكفيري: وقد كان الرهان معقودا أيضا على أنّ التصدي للإسلام الجهادي التكفيري لن يكون ممكنا إلا من داخل نفس منظومة الإسلام السياسي، وأن مفاهيم الوسطية والاعتدال التي أشهرتها بعض الجماعات الإسلامية، ولو من باب السياسة السياسوية، تكفي لكي تمثل سدّا منيعا في وجه الإرهاب التكفيري، غير أن أولى نتائج ما كان يسمّى بالرّبيع العربي، وأكثرها بداهة، أن مساحة الغلو والفتنة زادت اتساعا في مرحلة حكم الإسلاميين في مصر وتونس وتركيا، وفي ظل قيادة الإسلاميين للثورات المغدورة في سوريا واليمن، إلى درجة أن ليس من المبالغة في شيء أن نعيد التذكير بإحدى خلاصاتنا في الموضوع: الدرس الأول من دروس الثورة السورية الموؤودة: من يصوم مع الإخوان يفطر مع داعش.

مجمل القول، إن الأطراف والجهات التي لا تزال إلى حد الساعة تتوهم إمكانية توظيف بعض جماعات الإسلام السياسي الأقل تشدّدا أو إعادة تدويرها لغاية مواجهة جماعات الإسلام السياسي الأكثر تشدّدا، سواء في سوريا أو اليمن أو ليبيا أو غيرها، إنما تراهن على الفرس الخاسرة في الحساب الأخير. لقد أعدّ الإسلام السياسي بكل أطيافه عُدّته وذخيرته لغاية وحيدة: مجابهة الحداثيين واليساريين والليبراليين والعلمانيين والذين ينتمون ظاهريا إلى خارج الثقافة الإسلامية. وهو لذلك يجد نفسه اليوم بلا ذخيرة أمام غلاة الدين الذين ينتمون إلى داخل منظومة الثقافة الإسلامية. والواقع أنّ الإسلام السياسي “المعتدل” هو الذي أوجد قواعد اللعبة التي منحت الامتياز لغلاة الانغلاق (الحاكمية، الخلافة، التدافع، التمكين، القوامة، الاستكبار، إلخ). تلك المفاهيم الفقهية كانت ذخيرته في سنوات الصراع ضدّ العلمانيين والشيوعيين والليبراليين والحداثيين، وهي ذخيرة لا تصلح اليوم في مجابهة المتشددين التقليديين، بل لعلها تمنحهم الامتياز والتفوق في الحساب الأخير.

لقد قام الإسلام السياسي على أساس تسييس الدين، بمعنى تبذير الإرث الروحي للشعوب في معارك الصراع على السلطة. وتلك خطيئته الأصلية. لكنها نفس الخطيئة التي يقترفها اليوم من يستجيرون من تغول الغلو بالرهان على غلو أقل تغوّلا.

كاتب مغربي

9