الدرس المصري ومصير العرب

الجمعة 2013/11/22

لم تنجح جماعة الإخوان المسلمين في إقناع الشعب المصري بأن سنة واحدة من فشلها في إدارة السلطة في مصر لا تكفي للحكم عليها بالفشل النهائي. كان الإخوان يحلمون بسنوات أخرى من الفشل، يدفع الشعب المصري خلالها ثمن وجودهم في سلطة أرادوها شمولية، فانقلب الشعب عليهم وجعلهم يدفعون ثمن مغامرتهم التي كادت تطيح بالتاريخ المدني العريق لمصر.

الإخوان يتحسرون اليوم على ضياع فرصة الشعب المصري في أن يعود إلى مرحلة ما قبل ثورة 25 يناير. كانت تلك لعبتهم. ليكون الشعب من بعدها مجرد أداة لتغيير نظام شمولي هو نوع من العسكرتاريا المتأنقة مدنيا ليحل محله نظام شمولي، يتخذ الدين وسيلة مهنية. يتحسر الإخوان على ضياع فرصة المصريين في أن يعودوا عبيدا، مجرد مهرجين في سيرك عائم لا وطن له لكي يعود إليه ويستلهم من عبقريته رؤى مستقبله. رغب الإخوان في إعاة إنتاج تجربة العراق مصريا.

فشلوا في ذلك في الوقت الذي نجحت فيه الأحزاب والجماعات الدينية المتشددة في العراق في طي صفحة الدولة المدنية في العراق نهائيا، لتدخل البلاد في متاهة التأويل الماكر، فصار العراق مجرد وطن افتراضي يعيش شعبه على أوهام الماضي، وهي أوهام تمزج الحسرة على ماض قريب لا يمكن استعادته بالحسرة على ماض بعيد، تتم إعادة إنتاجه حسب الظروف السياسية، ووفق برنامج يتشكل مثل مزاج متقلب بين قطاع الطرق الذين استولوا على السلطة بمباركة المحتل الأميركي.

أدرك المصريون بحسهم التنويري أن عراقا يقف في انتظار مرور السنة الأولى من الفشل الاخواني بسلام.

كان من المتوقع أن تتعلم شعوبنا شيئا من الدرس المصري. شيئا ينفعها في استعادة رغبتها في التغيير الجذري الذي يؤسس لمعايير جديدة لعلاقة السلطة بالشعب، قوامها ديمقراطية تذهب في الاتجاه الصحيح الذي يدعم مفهوم المواطنة ويستند إليه، لا ديمقراطية تكتفي بصناديق الاقتراع التي تكف عن أن تكون موجودة بمجرد أن تُقلب لتفرغ من أوراقها.

وكما يبدو فإن شيئا من التجربة المصرية يبدو عصيا على الفهم بالنسبة للعرب. وهو ذلك الشيء الذي لا تشبه مصر بسببه أي بلد عربي آخر. فمصر الحديثة لم يؤسسها جمال عبدالناصر، بل أن دولتها المدنية تعود إلى ماض سبق ناصر بعقود طويلة.

لذلك يمكنني القول أن مصر المدنية هي التي قاومت حكم الإخوان، وهي التي أطاحت بسلطتهم الشمولية. وإذا ما كان الإخوان قد قاوموا ذلك المحتوى المدني للدولة المصرية منذ السنوات الأولى لتأسيس جماعتهم، فإنهم لم يدركوا حجم تأثير ذلك المحتوى على البنية الاجتماعية للشعب المصري. لم يدرك الإخوان أن حلم المصريين يكمن في الرغبة في استعادتهم لهوية المواطن التي لوثها العسكر بدعاياتهم المضللة التي راهنت على وطن مستقل وحر يخلو من مواطنين أحرار ومستقلين.

كان الحاكم المستبد جزءا من المشكلة التي ثار من أجلها المصريون ولم يكن المشكلة كلها. لذلك فقد نظروا إلى سقوط ظام حسني مبارك باعتباره بداية التحول وليس التحول كله.

لم يسمح الشعب المصري للإخوان بإفساد القيم التي قامت من أجلها ثورة 25 يناير فكانت الإطاحة بحكم الإخوان ميسّرة، لا بسبب انحياز العسكر إلى جانب الشعب بل بسبب إخلاص المصريين لإرادتهم، وهي مصدر قناعتهم بأن كل نظام قديم لم يعد صالحا للعيش في عالم صار يركز همه على أن يستوفي الإنسان شروط إنسانيته كلها.

حتى وإن سبقتنا مصر بعقود في تجربتها المدنية، فعلينا أن نحرق المراحل لنتعلم من درسها شيئا ينفعنا في صناعة مصائرنا.

______


* كاتب عراقي

9