الدرعية بين الوهابية وإغليسياس

اختيار الدرعية للفورمولا لم يكن صدفة، بل هو اختيار ذكي قائم على وعي المنظمين بذاكرة المكان، وما يحمل من رسائل للعالم حيال السعودية القديمة والسعودية الجديدة.
السبت 2018/12/22
اختيار الدرعية للفورمولا اختيار ذكي قائم على وعي المنظمين بذاكرة المكان

قبل بضع سنوات، لو قلنا -على سبيل المزاح- إن المغني الأميركي جيسون ديرولو، والإسباني إنريكيه إغليسياس، والمصري عمرو دياب سيعتلون خشبة المسرح في درعية الرياض، لقيل عنا “إننا مجانين وواهمون”، فمن كان ليصدّق، يومها، أن الرياض ستحتضن في أواخر 2018 سباق فورمولا إي؟ وأن ديفيد جيتا وفرقة بلاك بيز العالمية ستحيي ليلة صاخبة في سماء الدرعية حتى مطلع الفجر؟

ولعل من مفارقات الأمكنة أنها تحتفظ بذاكرتها القريبة والبعيدة رغم تغير التاريخ والناس عليها، فمن يشهد فعاليات الفورمولا في درعية الرياض يدرك تماما أن الفعاليات كانت من المستبعد، بل ومن المستحيل أن ترى النور في الدرعية، الأرض التي انطلقت منها الحركة الوهابية.

اختيار الدرعية للفورمولا لم يكن صدفة، بل هو اختيار ذكي قائم على وعي المنظمين بذاكرة المكان، وما يحمل من رسائل للعالم حيال السعودية القديمة والسعودية الجديدة، حيال درعية محمد بن عبدالوهاب ودرعية إغليسياس، حيال سعودية الماضي وسعودية المستقبل، وحيال السعودية كما يتخيّلها العالم والسعودية كما تحب هي أن تكون، فالدرعية -بالنسبة للسعوديين- ليست مكانا أو جغرافيا فحسب، بل هي رمز وطني في تاريخهم، ارتبط بشكل مباشر بالاتفاق الديني السياسي الشهير بين محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبدالوهاب عام 1744، لتصبح الدرعية بعد ذلك التزاوج التاريخي قاعدة الدولة ومقر الحكم، حتى انتقلت العاصمة السعودية إلى الرياض سنة 1824 على يد تركي بن عبدالله.

ورغم انتقال العاصمة السياسية إلى الرياض إلاّ أن الدرعية استمرت في حضورها التاريخي عبر المناهج الدراسية والإعلام السعودي كجغرافيا أصيلة من جسد الدولة، حتى أعلنت منظمة اليونسكو، في عام 2010، أن حي “الطريف” في الدرعية موقع تراث عالمي.

هذا الإعلان كان بمثابة الوشم البدوي الذي لا ينزعه غاسل الموتى، فبدخولها للعالمية أصبحت الدرعية ذات ذاكرة ثلاثية؛ بين السياسي والثقافي والديني، وكان لا بد من العناية المضاعفة بذاكرتها، دون المساس برمزيتها الدينية، الأمر الذي يجعل الذاكرة الشعبية مرتبكة ومقسّمة بين ما هو مقدّس وبين ما هو مدنّس، بين ما هو ديني وبين ما هو مدني، لا سيما بعد الموقف السياسي الرسمي من حركة الصحوة التي تمتدّ جذورها من دعوة محمد عبدالوهاب.

ولا شك بأن فعاليات الفورمولا الرياضية والفنية والموسيقية والثقافية في الدرعية ستدق مسمارا آخر في نعش التيار الديني المتشدد الذي حرصت الإرادة السياسية على تدميره واجتثاثه، ولكن هل هذا يكفي؟ هل يكفي أن نعالج التشدد الديني المتأصل بفتح بوابات الترفيه على مصراعيها؟ أم يجب بالإضافة إلى ذلك التأكد من عدم قدرة التشدد الديني على الانبعاث من قبره مجددا، وذلك لا يكون إلاّ بالاجتثاث، حاله حال الغدد السرطانية التي ربما تعود مجددا إذا توافرت البيئة الصالحة لعودتها، ولن يأتي هذا الاجتثاث إلاّ من خلال وعي شعبي عميق يبدأ من البيت ليمر بالتعليم والإعلام والمؤسسات الثقافية.

الجهات الحكومية والهيئة العامة للترفيه والهيئة العامة للثقافة وهيئة تطوير بوابة الدرعية و”مسك الخيرية”، كل هذه الجهات هي جهات إدارية مالية تفكّر بمنطق المتعة والربح والخسارة، وهذا التفكير ليس خاطئا، لكنه ليس هو السبيل الصحيح لاجتثاث الورم، سنحتاج بالإضافة إلى هذه المؤسسات إلى أن نضيء شمعة أخرى تتمثّل في تصحيح ذواتنا، ومناهجنا الدراسية، ودعوة المفكرين والفلاسفة والكتاب للعمل جنبا إلى جنب مع المغنيين والراقصين والفنانين، من مختلف بقاع العالم، لا سيما أولئك الذين يقولون شيئا مختلفا عمّا نقوله.

13