الدروز أقلية لا تتبنى منطق الأقليات

كان سقوط عدد من الدروز من قرية قلب لوزة، في ريف إدلب، على يد جبهة النصرة حدثا يتجاوز حدود السياسة والإثنية، ويطرح إشكاليات وجودية كبرى تتصل بمصير الأقليات ودورها في المنطقة، في ظل تطورات متسارعة تنذر بسيطرة نوع من التسنّن غير الواضح الوجه والوجهة على المنطقة.
الثلاثاء 2015/06/16
الدروز الأقلية الأكثرية الآيلة للنجاة في زمن الإبادات الممكنة

قتل عشرون درزيا على الأقل، الأسبوع الماضي، برصاص عناصر من جبهة النصرة في محافظة إدلب في شمال غرب سوريا. اللافت في هذا الحدث أنه كان محل إدانة عامة من جميع الأطراف، في موقف قلّما حصل مع أحداث أخرى مماثلة منذ اندلاع الحرب السورية. ويعني هذا المعطى أن للدروز دورا مهما وفاعلا ومؤثرا، فيما يجري من أحداث؛ الأمر الذي يجعلهم في مرمى أهداف وتجاذبات أطراف عديدة تعتقد أنها تستطيع من خلال جرهم إلى موقفها تحقيق مكاسب كبرى، قد لا تكون بحجم قلب المعادلة ولكنها تمتلك تأثيرا ملموسا.

 

رئاسة الحكومة الدرزية

 

التحايلات التي حاول الدروز من خلالها الدخول إلى لعبة السلطة في لبنان لم تكن كما هو حال الأقليات الأخرى، في محاولة الدفاع عن خصوصية معينة والانغلاق عليها والدفاع عنها، والتركيز على التمايزات ودفعها إلى الواجهة. فقد سعى الدروز، ليكونوا في قلب التركيبة اللبنانية، وليس تيارا هامشيا ينمو في الظلام ويكن العداء للمتن السلطوي ويحاول تفخيخه وتأزيمه.

وحاول الزعيم الدرزي كمال جنبلاط تكريس دور طائفته في التركيبة السلطوية السياسية اللبنانية عبر استصداره وثيقة من الأزهر، بوساطة من جمال عبدالناصر، تفيد أن الدروز هم من أهل السنة. وكانت هذه المحاولة، التي تنطوي على قدر كبير من الدهاء السياسي، تهدف إلى الاستفادة القصوى من حضوره السياسي الكبير على رأس القوى الوطنية واليسارية المتحالفة مع المقاومة الفلسطينية واليسار اللبناني، للسطو على رئاسة الحكومة اللبنانية التي تمثل منصبا سياسيا رفيعا يمكّن من يحتله من ترسيخ دوره وحضوره في بنية الدولة اللبنانية، واعتباره جزءا أساسيا من مكوناتها لا يمكن تجاهله أو تمرير قرارات كبرى تضر بمصالحه. ومنذ تلك الفترة، بات العقل الدرزي يعتبر أن حمايته وصيانة وجوده تكمن في أن يكون جزءا من النظام، مهما كان هذا النظام هشا ومتهالكا.

المشكلة التي وقع فيها الزعيم التاريخي للدروز كمال جنبلاط هي المشكلة ذاتها التي وقع فيها الزعيم السنّي الأبرز في مرحلة ما بعد الطائف رفيق الحريري. وكلاهما باتا يمثل حجما أوسع من حدود الطائفة والبلد، لذا كان الاغتيال على يد المنظومة الأمنية السورية اللبنانية التي كانت تسيطر على لبنان منذ السبعينات، هو الطريقة الوحيدة للجم توسع شعبية وحجم هذين الرجلين وطائفتيهما.

وكانت محاولة اغتيال كمال جنبلاط تهدف إلى إعادة الطائفة الدرزية إلى حدودها الضيقة ودفعها إلى الانكفاء على نفسها، وبناء هوية نهائية لها كطائفة أقلوية. وكان المطلوب أن تصبح هذه الطائفة ميليشيا تعمل عند المخابرات السورية وأذرعتها الأمنية.

ما يميز التجربة الدرزية أنها أقلية تصرفت وتعاملت مع نفسها ومحيطها بوصفها مكونا من مكونات الأكثرية

 

وكان الزعيم الدرزي وليد جنبلاط آنذاك شابا غير متصل بالسياسة ودهاليزها وتشعباتها. تم تكريسه زعيما مباشرة بعد وفاة والده. وكان القرار الأول والأبرز الذي اتخذه، والذي لازال يمثل حتى هذه اللحظة روح السياسة الدرزية وعقلها، هو ضرورة تجنب المجزرة والإبادة بأي شكل من الأشكال.

وتعايش وليد جنبلاط مع النظام السوري تعايشا شاقا ومؤذيا، بل بات يعتبر واحدا من أبرز رجالات سوريا في لبنان. ولكنه كان دائما ، كما عبّر لاحقا، ينتظر جثة عدوه على ضفة النهر. ولا يعني ذلك أن الرجل تبنى عقل الانتظار، وعاش وأجبر طائفته على العيش تحت ظل حالة من الحداد المستحيل، بل وعلى العكس من ذلك اتسمت ممارسته للسياسة بحيوية لافتة جعلت تقلباته مضرب الأمثال ومصدرا للتعليقات والنكات التي لا تنتهي.

واقع وليد جنبلاط الفعلي هو على العكس من تلك الصورة الكاريكاتورية المتداولة والتي ترصد تقلباتة البرقية بوصفها دالا نهائيا على عدم الثبات. والرجل هو الزعيم اللبناني الأكثر ثباتا في اعتناقه لمفهوم واحد ونهائي، هو مفهوم حماية الدروز. والتقلبات التي اشتهر بها تجد جميعها تفسيراتها الواضحة حين تحال إلى ذلك المفهوم الشديد الوضوح.

وهكذا بات الدروز يشكلون في السياسة اللبنانية والإقليمية محورا غير واضح الانتماء، ويحاول على الدوام تقمص دور”بيضة القبان” التي يعوّل عليها كل طرف لترجيح كفته دون أن يحسب على أي طرف.

مارست السياسة الدرزية الابتزاز السياسي، لكن من داخل منظومة الدولة. وكل الحصص التي حصل عليها الدروز كانت من قلب الدولة، حتى بات يمكن القول إن الدروز يحتاجون إلى وجود الدولة ليتم تقاسمها وتحاصصها. فحالة غياب الدولة تخرجهم من المعادلة تماما، لذلك ومع أنهم شكلوا ميليشيا في فترة الحرب الأهلية شاركت في بعض مفاصل الاحتراب اللبناني، كانوا دائما يسعون إلى تنظيم إدارة شؤونهم من خلال سلوك مؤسساتي شديد الشبه بنظام الدولة.

وفرض الحزب التقدمي، على سبيل المثال، إبان الحرب الأهلية ما يسمى بـ”رسم مرور” يدفعه كل راغب بالعبور في المناطق التي تقع تحت سيطرته. واستعملت هذه الأموال في تحسين الطرقات، حين لم يكن هناك دولة يمكنها القيام بذلك. لكن لم يلجأ الحزب إلى إقفال مناطقه، أو التشبيح على الناس وسرقة أموالهم بالقوة، بل اجتهد في تصميم منظومة كانت تجعل من الخاضعين لها راضين بدفع المبالغ الضئيلة عن طيب خاطر. والمناطق الدرزية المعبدة والخالية من الحفر، بدت في تلك الآونة أشبه بجنة في وسط صحراء الطرق المحفرة والمدمرة.

 

تحالف مع سوريا الجديدة

ما يميز التجربة الدرزية إذن أنها أقلية لم تتبنّ منطق الأقليات، بل تصرفت وتعاملت مع نفسها ومحيطها بوصفها مكونا من مكونات الأكثرية، وذلك من خلال عنواني العروبة ودعوى الانتساب إلى الإسلام السنّي.

الدروز محور يحاول على الدوام تقمص دور \'بيضة القبان\' التي يعول عليها كل طرف لترجيح كفته

 

حين باتت نغمة التكفيريين تسيطر على المجال العام في لبنان وتشمل جميع المقاتلين الإسلاميين دون تفريق، صرخ وليد جنبلاط قائلا إن جبهة النصرة ليست إرهابية. وبدا هذا الكلام انتحارا سياسيا في لحظته. وبدا للكثيرين أن جنبلاط قد ضيّع البوصلة، وأن حقده التاريخي الذي كبته لعقود على نظام الأسد قد أذاب بصيرته السياسية وجره إلى تهور لا تحمد عقباه. وكذلك كان الأمر في ما يخص دعوته للدروز بإعادة بناء المساجد، وإحياء الممارسات السنية في الوسط الدرزي.

ما قرأه وليد جنبلاط، والذي بات الآن واضحا شديد الوضوح، هو أن الإبادات لم تعد ممتنعة أو ممنوعة في المنطقة التي يبدو أنها ذاهبة إلى استبدال نظام الأسد بنظام لا يمكن إلا أن يكون سني الهوى والتوجه.

ولا يمكن بعد أن اتخذت الأمور طابع الحرب الإيرانية الأسدية على السنة، وبعد أن دفعت هذه الطائفة مئات الآلاف من القتلى أن ترضى بأن يكون انتصارها جزئيا يشاركها فيه أحد، لأن ذلك سيكون في نظرها بغض النظر عن التيار الذي سيسود إنكارا لكل هذه التضحيات الجسام.

وصار الآن واضحا أن النظام الإيراني كان يخطط منذ البداية إلى دفع الأمور إلى هذا المسار الذي لا يعود معه بقاء النظام السوري أو سقوطه مهما، لأن شرارة النار ستبقى مشتعلة لفترة طويلة.

وقرأ العقل الدرزي الجنبلاطي واقع الأمور وسعى بقوة لأن يكون متحالفا مع سوريا السنية الجديدة. وكان من أبرز نتائج هذا التفكير أن ما أريد له أن يكون مجزرة سنية في حق الدروز تقلص إلى مجرد حادث فردي عابر. وأسفر عن اعتذار النصرة ونيتها بعقد محاكمة للكشف عن ملابسات الحادث وعقاب فاعليه.

وهكذا فشلت محاولات دروز النظام السوري من قبيل وئام وهاب، الذي استشرس في محاولة استثمار الحادث في خلق هستيريا، من الرعب تدفع الدروز إلى أحضان جيش النظام، وتقنعهم بمحاربة مكونات المعارضة السورية.

مستقبل الدروز في المنطقة يسكن تحديدا في تلك المسافة الهائلة التي تفصل بين معنى الحادث ومعنى المجزرة. ويبدو الدروز وحدهم آيلين لمثل هذا المصير، دون سواهم من الأقليات التي لازالت تصر على الركوب في سفينة الحماية الغربية العائمة على سطح بحر من الدماء.

 

إقرأ أيضا:

الدروز وحسابات إسرائيل: خطة جديدة على طاولة الأزمة السورية

7