الدروز وخيار الثورة السورية

هل يمكن لكلام جنبلاط أن يجد طريقه إلى "العقلاء" من أبناء الطائفة الدرزية، والسير بحتمية التاريخ، أن الطغاة سيسقطون عاجلاً أم آجلاً.
الأحد 2014/11/16

حين أعلن الزعيم الدرزي وليد جنبلاط أن «جبهة النصرة ليست منظمة إرهابية»، اعتقد البعض أن الأمر لا يتعدى لحظة المزاج السيئ الذي كان يشعر به القائد السابق للحركة الوطنية اللبنانية في ذلك الوقت، حتى وصل الأمر إلى اتهامه بمحاولة إنقاذ أو حماية طائفته من أتون الحرب السورية التي باتت نيرانها تهدد البيت اللبناني بشكل جدي، نتيجة لمشاركة «حزب الله» بفعالية أكثر في تأجيج هذه الحرب.

وكلام جنبلاط، وما تبعه من جولات في العرقوب (20 أيلول 2014) وحاصبيا وشبعا، جاء ليؤكد أن استشعاره للخطر كان في محله حول منطقة العرقوب التي تقع في جنوب لبنان وتضم قرى شبعا، كفر شوبا، الهبارية، كفر حمام وراشيا الفخار وتعتبر إحدى المناطق ذات الأغلبية السنية في جنوب لبنان إلى جانب قرى حاصبيا ذات الأغلبية الدرزية.

إذن المنطقة تتمتع بموزاييك طائفي مثالي، إلى جانب التنوع السياسي الذي ورثته من خلال كونها مركز ثقل المقاومة الفلسطينية، ومنها انطلقت الحركة الوطنية، والمقاومة الوطنية اللبنانية سابقا.

أما الآن فقد تغيرت الخارطة الجيوسياسية للمنطقة، واختلفت الأدوار، فحزب الله هو القوة المهيمنة على امتداد الجنوب اللبناني، تشاركه بعض الأحزاب الموالية للنظام السوري كالحزب الديموقراطي والحزب السوري القومي الاجتماعي.

وفي الجهة المقابلة في الجولان والقنيطرة، الجبهة التي كانت تنعم بالهدوء والاستقرار طوال فترة سيطرة النظام السوري عليها أصبحت الآن في كنف جبهة «النصرة» والجيش الحر، ومقاتلي المعارضة، إلى جانب إسرائيل التي تراقب عن كثب ما يجري.

وحزب الله بدوره يراقب إنما بحذر أكبر، فهذه الجبهة تختلف عن شقيقتها في عرسال، والنظام السوري لا يملك فيها أي قوات تذكر، وطيران النظام يفقد فعاليته أمام «الخطوط الحمر» التي قد تضعها إسرائيل في تلك المنطقة في حال كبر حجم المواجهات.

وللنظام السوري بدوره أساليبه، فبعد انهزام قواته في تلك الجبهة عمد إلى الزجّ بالطائفة الدرزية السورية في المنطقة، في مواجهة مع جبهة النصرة وقوات المعارضة في عدد من البلدات في جبل الشيخ من الجانب السوري مما ترك أثرا في قرى حاصبيا والعرقوب وصولا إلى العمق الدرزي في جبل لبنان، ولا سيما بعد سقوط 27 مقاتلا وعشرات الجرحى من الدروز السوريين.

بالطبع هناك بعض الدروز اللبنانيين الموالين للنظام السوري من خلال قيادتهم التي ارتبطت بهذا النظام في زمن الوصاية، وهم أقلية بالنسبة إلى النسيج الدرزي الوطني الواسع، قد تغريهم إعادة اعتبارهم من قبل النظام السوري، من خلال البحث عن ثقب يخرجون عبره مجدداً إلى المشهد السياسي في لبنان.

والزعيم الدرزي وليد جنبلاط يعرف حقا تكاليف الحرب، والأثمان الباهظة التي يمكن أن يدفعها أي طرف درزي يحاول الوقوف مع النظام ضد الثورة في سوريا. ومن هنا تأتي ثوابت موقفه السياسي تجاه الحدث السوري ووقوفه إلى جانب الثورة وإيمانه المطلق بحتمية انتصارها.

وحين يدعو جنبلاط دروز سوريا إلى تحديد موقفهم من الثورة السورية: «لقد آن الأوان لاتخاذ القرار الجريء بالخروج من عباءة النظام الآيل إلى السقوط عاجلاً أم آجلاً والالتحاق بالثورة التي من الأساس رفعت شعارات الحرية والكرامة والتغيير وهي شعارات محقة ومشروعة لكل أبناء الشعب السوري”.

هو يدرك أيّ منزلق قد يودي بطائفته على امتداد سوريا ولبنان، وهو يدرك أيضاً أن النظام السوري مازال يراهن على الأقليات في سوريا ولبنان والدفع بها نحو حربه المجنونة، وضرب كل أشكال التعايش بين طوائف المنطقة .

كان جنبلاط واضحاً في كلامه المكتوب بافتتاحية جريدة “الأنباء” الناطقة باسم الحزب التقدمي الاشتراكي، وهو كلام لم يقله نتيجة ردة فعل سياسية على موقف ما. فالكلام يلزم صاحبه في محطة تاريخية يدرك جنبلاط أهميتها تجاه الثورة السورية، ففي لبنان من يعتقد أو استشهد من أجل فكرة أنه لا مستقبل للبنان، بما يمكن أن يشكله من تعايش في ظل وجود النظام السوري الحالي .

وبالتأكيد لن يكون دروز سوريا وفلسطين ولبنان، الطائفة الثانية التي قد تحمل البندقية في مواجهة حركة التغيير في سوريا. وما حدث في جبل الشيخ والعرقوب، ليس سوى «بروفة» لاستحداث جبهة جديدة قد تشكل إغراءً لـ«حزب الله» في تأمين المزيد من الغطاء الميداني لوجوده على الأراضي السورية تحت شعار محاربة “العدو الإسرائيلي”.

في حين أن وحدات من «حزب الله» تعمل في البقاعين الشمالي والغربي، على «تجنيد» شبان مسيحيين ومسلمين سنة ودروز، وتعرض عليهم التدريب والتسليح لمواجهة خطر «داعش» وأخواتها. والعنوان المرفوع «مصيرنا واحد وعلينا التصدي معا». وهو شعار يعتقدون أنه أكثر جاذبية من التصدي للعدو الإسرائيلي. ولا يقتصر الأمر على لبنان، ففي سوريا أيضا تجنيد لمسيحيين وعلويين ودروز، لكن تسمية «سرايا المقاومة» تغيب. هناك تطوع مباشر مع الحرس الثوري الإيراني برواتب شهرية تتراوح بين 1500 و2500 دولار.

أمام هذا البذخ الهائل من النظام الإيراني، والتجييش المتصاعد للأقليات بقيادة «حزب الله»، تحت مسميات عديدة، هل يمكن لكلام الزعيم الدرزي وليد جنبلاط أن يجد طريقه إلى «العقلاء» من أبناء الطائفة الدرزية، والسير بحتمية التاريخ، أن الطغاة سيسقطون عاجلاً أم آجلاً.

 

كاتب من لبنان

5