الدروس الخصوصية تزاحم مدارس التعليم الخاص في الجزائر

فضاءات دروس الدعم في الجزائر تشهد إقبالا متزايدا من مختلف المراحل التعليمية رغم افتقادها  للشروط الأساسية للتدريس.
الثلاثاء 2018/02/27
انغماس كلي في الدرس

الجزائر - حوّل العديد من الأساتذة في الجزائر بيوتهم إلى أقسام تقدم دروسا للدعم لفائدة الطلاب المتعثرين في التحصيل والاستيعاب في المدارس الحكومية، خاصة بالنسبة إلى الطورين المتوسط والثانوي، وللمقبلين على الامتحانات النهائية، كشهادة التعليم المتوسط والبكالوريا، مقابل أسعار تجدول بالساعة، وذلك خلال إجازة نهاية الأسبوع وأوقات الفراغ.

وإذ لا يطرح الأمر إشكالا بالنسبة إلى التعليم الحكومي على اعتبار أنه لا يعيق أداءه، وأن نوعا من التواطؤ يستنتج بين الطرفين، بما أن محترفي دروس الدعم هم في الأصل أساتذة في المتوسطات والثانويات وبشكل أقل في الابتدائي، فإن التعليم الخاص يعتبر ذلك منافسة غير شرعية وغير شريفة.

ووصفت لمياء بن نبي، مديرة مدرسة خاصة بالعاصمة في اتصال لـ“العرب”، موجة الدروس الخصوصية بـ“السوق السوداء في قطاع التعليم” موجهة أصابع الاتهام لما أسمته بـ“التواطؤ الخفي بين مقدمي الدروس الخصوصية وبين الهيئات الرقابية في مختلف القطاعات، مما ساهم في انتشارها وتوسعها بشكل غير شرعي”.

وأضافت “بغض النظر عن خرق هؤلاء للقانون العام، فهم غير مقيدين في أي سجل رسمي، ولا يدفعون ضرائب للخزينة العمومية، فإن الظروف التي يحشر فيها التلاميذ غير ملائمة ولا متطابقة مع الشروط البيداغوجية، ورغم أن نشاطهم يمثل منافسة غير نزيهة للتعليم الخاص، إلا أن الهيئات الرقابية تبقى غائبة”.

وتحولت مستودعات الدروس الخصوصية إلى نشاط شائع في مختلف المدن والمحافظات، في ظل تقاطع حاجة بعض الأساتذة إلى دخل إضافي لمواجهة أعباء الحياة مع رغبة الأولياء في تحسين تحصيل أبنائهم في بعض المواد الدراسية.

ورغم افتقاد تلك الفضاءات للشروط الأساسية للتدريس وابتعادها عن عيون الرقابة، فإن الإقبال عليها يعرف توسعا في مختلف الأطوار التعليمية، بسبب تناسب أسعارها مع القدرة الشرائية لغالبية الأسر الجزائرية، قياسا بما يقدم في مدارس التعليم الخاص.

وفي خطوة وصفت بـ“المتأخرة” قررت وزارة التربية الجزائرية إنشاء منصة رقمية تابعة لهيئة التدريس عن بعد الموجه للفئات التي لا يمكنها الحضور إلى الأقسام الدراسية لسبب أو لآخر، من أجل تقديم دروس دعم لفائدة طلاب الامتحانات النهائية في المتوسط والنهائي.

وذكر مدير مركز التكوين عن بعد محمد بوعزيزي في اتصال لـ“العرب” أن “هيئته تأمل في تقديم خدمة لطلاب الامتحانات النهائية من خلال البوابة الإلكترونية التي أطلقتها في موقعها الرسمي تحت إشراف وزارة التربية لإعانة هؤلاء على تعزيز تحصيلهم ومعارفهم الدراسية ودعم تفوقهم في المستقبل كطلاب متميزين”.

تحولت فضاءات دروس الدعم في مختلف المراحل التعليمية بالجزائر إلى منافس قادم من بعيد للمدارس الخاصة، لا سيما في ظل الإحجام اللافت لهيئات الرقابة الحكومية عن ضبط الوضع، حيث تنتشر الإعلانات الدعائية للالتحاق بدروس الدعم، خاصة بالنسبة إلى طلاب الامتحانات النهائية، فيما يتضاعف عدد المقبلين عليها في أوساط الراغبين في النجاح لا سيما لمن تعثر تحصيلهم العلمي في المدارس الحكومية

وأضاف أن “مثل هذه المبادرة تقدم خدمة مجانية للمعنيين لا سيما مع ثراء البوابة المذكورة بالدروس والمراجعات والتسجيلات الصوتية وإمكانية التفاعل مع الكادر المشرف، وهو ما سيرفع العبء على فوضى دروس الدعم التي اجتاحت البلاد”.

إلا أن تفاوت إمكانيات العائلات في الربط بشبكة الإنترنت وحيازة الأجهزة الإلكترونية يجعل المبادرة ليست في متناول جميع الطلاب، لا سيما في الأرياف والمناطق الداخلية، وهو ما يقلص حظوظها في القضاء على ظاهرة فضاءات الدروس الخصوصية.

وتداول نشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي صورا وتسجيلات لفضاءات حولها أصحابها إلى قاعات لتقديم دروس الدعم، حيث يتكدس داخلها العشرات من الطلاب في ظروف غير ملائمة تماما على أمل اكتساب دعائم جديدة واستدراك ما فاتهم، خاصة في موجة الإضراب التي تشل مدارس التعليم الحكومي منذ نحو ثلاثة أشهر في بعض المحافظات كبجاية والبليدة.

ويذكر الطالب محمد رضا في السنة الرابعة متوسط، ويزاول دروس دعم في الرياضيات، أنه “حصل على مقعد في قسم الدروس الخصوصية بعد وساطة مع الأستاذ المعروف بتمكنه من المادة، ويدفع مقابل ذلك مبلغ أقل عن عشرة دولارات في الشهر”.

وأضاف “هناك العديد من الأساتذة يقدمون دروس الدعم في البيوت والمستودعات، لكن الظروف والأسعار تختلف، ومزاولة التعليم في المدارس الخاصة ليست متاحة للكثيرين”

وتتراوح نفقات تدريس بين ألف وخمسمئة وألفين دولار أميركي سنويا مع فارق بسيط بين مدرسة وأخرى يتعلق بالنقل والإطعام، كما يخضع لدفتر شروط والبرامج البيداغوجية لوزارة التربية.

ويرى مفتش بيداغوجي من وزارة التربية أن “انتشار دروس الدعم بهذا الشكل الفوضوي والعشوائي يسيء بشكل عام للعملية التربوية وبشكل خاص للتعليم الخاص، وأن المسألة تتعلق باختلال في الهيئات الحكومية الرقابية التي لا زالت متساهلة مع الوضع، بسبب حساسية المسألة والقداسة التي يحملها المجتمع للأستاذ والطالب في بعض المحافظات الجزائرية”.

وقال المفتش التربوي رابح الأصقع في تصريح لـ“العرب”، إن “مهمة سلك التفتيش والتفقد مرتبطة بالمؤسسات الشرعية والقانونية وعملنا المنصب على مراقبة وتقييم الأداء والاختلالات لا يمكن أن يطال هذا النشاط لأنه في الأصل نشاط مواز وغير مقنن والأولوية في القضية للهيئات الرقابية الحكومية الأخرى”.

وفي معرض إجابته عن سؤال حول سر استقطاب هذه النوع من التعليم لأعداد معتبرة من الطلاب واعتراف البعض بقدرته على تحسين أداء وتحصيل المتلقين، أكد لصقع أن “المشكلة تكمن كولي طالب وليس كمفتش في ظروف وشروط العملية وغياب التقنيين وفي الابتزاز المالي الممارس من طرف البعض، لكن ذلك لا يمكن أن يحجب كفاءة وقدرة الأساتذة الممارسين لتطوير مستويات الطلاب لو وظفوا بطرق وآليات أحسن بعيدا عن العشوائية والفوضى اللتين تميزان بعض هذه الفضاءات”.

وذهب ولي أحد الطلاب إلى أن الإقبال على مثل هذا النوع من التعليم رغم الانتقادات التي توجه له، يعود إلى كونه مكمّلا للتعليم العادي ومكرسا في دروس الدعم فقط، عكس التعليم الخاص الذي لا يحظى بكامل الثقة لحد الآن، بسبب الشبهات الأيديولوجية التي تحيط به.

وهو الأمر الذي أكده مفتش التربية رابح الأصقع في حديثه مع “العرب”، بقوله “خلال عملنا الميداني نصادف أشياء مريبة في بعض المدارس الخاصة، كالتركيز على مواد بعينها كاللغة الفرنسية والتاريخ والتربية المدينة من خلال تخصيص وقت إضافي لها، يدرجونه في إطار النشاط والترفيه، وهي عملية غير بيداغوجية ولا تخضع لمعايير التفتيش والتفقد”.

وأضاف “ما عدا ذلك فإن مدارس التعليم الخاص تشق طريقها لإرساء تحصيل كمي ونوعي بمقاييس عالية، بالنظر إلى الإمكانيات التي يوفرها لزبائنه كنوعية الأستاذة والشروط المادية واللوجستية، وهو ما أكدته النتائج المحققة في الامتحانات النهائية”.

17