الدروس الخصوصية في تونس قطاع غير مهيكل يحقق إيرادات كبيرة

في الوقت الذي يتم فيه رفع الضرائب على عـدد من القطاعـات بحسب ما تشير إليه ملامح قانون المالية لسنة 2018، تـدر قطـاعات أخـرى غير مهيكلـة إمكـانيـات مـالية كبيـرة غير خاضعة للرسوم الضـريبية ويمكـن استغلالها في تعبئـة موارد إضافيـة لخزينة الدولة.
الجمعة 2017/10/13
تراجع جودة التعليم يفرض دروس تدارك

تونس – تخصص العائلات التونسية جزءا هاما من ميزانيتها لتوفير دروس خصوصية لأبنائها. ويؤكد باحثون في علم الاجتماع أن إنفاق الأسر التونسية على قطاع التعليم يتصدر سلة الاستهلاك العائلي قبل قطاع الصحة والخدمات، وهو ما يجعل القطاع يدر موارد مالية هائلة يمكن استغلالها في انتعاش ميزانية الدولة وتخفيف العبء الضريبي على المواطن.

وكشفت منظمة إرشاد المستهلك أن “رقم معاملات الدروس الخصوصية في تونس يصل إلى ألف مليون دينار في السنة”، مستندة في ذلك إلى دراسة ميدانية أنجزتها أكاديمية حقوق المستهلك التابعة لها.

وأضافت الدراسة أن كلفة الدروس الخصوصية لمختلف مراحل الدراسة تتراوح بين 30 و60 دينارا (بين 12 و28 دولارا) شهريا لتلاميذ المرحلة الابتدائية وبين 40 و80 دينارا (بين 18 و38 دولارا) شهريا خلال المرحلة الإعدادية وبين 80 و150 دينارا (73 دولارا) شهريا بالنسبة لتلاميذ المرحلة الثانوية.

وتبين هذه الأرقام أن متوسط كلفة التلميذ الواحد لمختلف مراحل التعليم دون احتساب المرحلة الجامعية يعادل 50 دينارا (22 دولارا) في الشهر على فترة 10 أشهر.

وتوصلت نفس الدراسة إلى وجود صيغة موسمية للدروس الخصوصية إلى جانب تحولها إلى نشاط يومي تقريبا في الأسابيع السابقة لامتحان الباكالوريا (الثانوية العامة) ومناظرات الدخول إلى المعاهد الثانوية النموذجية.

وأشارت المنظمة إلى وجود خسارة لميزانية الدولة بما لا يقل عن 300 مليون دينار سنويا كضريبة على الأرباح في حال هيكلة هذا النشاط وإخضاعه للنظام الضريبي.

ورغم أن قطاع الدروس الخصوصية يوفر إمكانيات مالية هامة، ذهبت الدولة التونسية سنة 2015 إلى إصدار قانون يجرم تعاطي الدروس الخصوصية خارج المؤسسات التربوية حماية للعائلات التونسية التي تنفق الكثير من الأموال على الدروس التي يتلقاها أبناؤها خارج المؤسسات العمومية.

معز العبيدي: الدولة لن تتمكن من هيكلة الدروس الخصوصية بسبب صعوبة إخضاعها للمراقبة

ويرى مراقبون أن الدولة اعتمدت مقاربة اجتماعية في التعامل مع ظاهرة الدروس الخصوصية ولم تتناولها كمعطى اقتصادي يمكنه توفير موارد مالية إضافية في حال هيكلة قطاع الدروس الخصوصية خارج المؤسسات التربوية عوضا عن منعه.

ويمنع أمر حكومي صدر سنة 2015، في فصله السابع، منعا باتا على المدرسين العاملين بمختلف المؤسسات التربوية العمومية إعطاء دروس خصوصية خارج فضاء المؤسسات التربوية.

ويتعرض المخالفون للأمر الحكومي إلى عقوبة تأديبية من الدرجة الثانية ويمكن أن تسلط على المخالف في صورة العود عقوبة العزل، على أن تتراوح العقوبات بين النقلة الوجوبية مع تغيير الإقامة على المخالفين.

وأكد عادل الزواري كاتب عام نقابة التعليم الثانوي بولاية (محافظة) أريانة، أن الدروس الخصوصية خارج المؤسسات التربوية تعتبر عملية ابتزاز للتلميذ والعائلة. ووصف الظاهرة بـ”إرهاب الدروس الخصوصية”.

وقال “هناك أساتذة يفوق دخلهم 100 ألف دينار سنويا وأكثر وهي ليست مجازا أو إشاعة بل هي الحقيقة التي يحاول البعض أن يغمض عينه عنها”، مضيفا “لدينا من لا يذهب بتاتا للبنك ليتحصل على راتبه”.

ويؤكد متابعون للشأن التربوي أن قانون منع الدروس الخصوصية خارج المؤسسات التربوية قد بقي حبرا على ورق منذ صدوره في العام 2015، بل على العكس من ذلك تفاقمت الظاهرة وأصبحت مصدرا سريعا للثراء دون توفر آليات المراقبة الضرورية.

وأمام قصور المقاربة الردعية والقانونية في محاصرة الظاهرة، دعت العديد من المنظمات والجمعيات إلى الاستفادة من الإيرادات المالية الكبيرة التي يوفرها القطاع عن طريق هيكلته وإخضاعه للنظام الضريبي كغيره من القطاعات الحرة عوضا عن منعه.

وقال الخبير الاقتصادي معز العبيدي، لـ“العرب”، “نحن ندعم الدعوات إلى هيكلة قطاع الدروس الخصوصية خارج المؤسسات التربوية بوصفه ينتمي إلى ما يعرف بالاقتصاد الموازي أو المهمش عن طريق تشجيع إحداث أكاديميات مهيكلة للدروس الخصوصية تخضع للنظام الضريبي”.

واستطرد العبيدي “رغم أن الإيرادات المالية للقطاع هامة ومغرية، إلا أنه لا يمكن إخضاع جميع الفاعلين في القطاع للرقابة الضريبية باعتبار أن ظاهرة الدروس الخصوصية تخضع لمنطق العلاقات الأسرية المباشرة بين التلميذ وولي أمره والمدرس”.

وتابع “أعتقد أن الدولة لن تذهب بعيدا إذا ما اتجهت نحو هيكلة القطاع وإخضاعه للمنظومة الضريبية نظرا لكثرة الأطراف المتداخلة فيه وصعوبة إخضاعها للمراقبة”.

وأكد أن “انتشار الدروس الخصوصية خارج المؤسسات التربوية يأتي نتيجة قصور المناهج التعليمية في البلاد، مما يجعل التلميذ في حاجة إلى دروس التدارك خارج المؤسسة لاستيفاء تحصيله العلمي”.

ودعا العبيدي إلى إصلاح المنظومة التربوية كما وكيفا لتجنب توجه التلاميذ إلى حصص الدروس الخصوصية، التي تنهك كاهل الأولياء ويرى فيها المدرسون ملاذا لتحسين ظروفهم المادية.

4