الدرونز كاميرات طائرة تقتل في المعارك وتصور البشر كألعاب فيديو

السبت 2016/04/30
الدرونز من الحروب إلى السينما والسيلفي

إسطنبول- لم تعد تقنية “الطائرة دون طيار”، أو “الدرونز” شيئاً غريباً في عالم التكنولوجيا الحديثة. حيث أنها باتت منتشرة بين أيدي المستخدمين العاديين من البشر منذ مدة طويلة، بعد أن ظلت لعشرات السنين حكراً على القوى الجوية في جيوش العالم، وأدوات باهظة الثمن ضمن عدد من القطاعات الخدمية التي تحتاجها المؤسسات الحكومية المدنية، لتستخدم في مراقبة الطقس، أو في رش المبيدات الحشرية في الأراضي الزراعية، وغير ذلك.

لقد احتاج تحوّل هذه التقنية من عتبتها الخاصة في القطاع العسكري، والقطاع الحكومي الخدمي، إلى العتبة العامة التي جعلت منها سلعة متداولة بأسعار رخيصة، إلى وقت طويل، تحكمت فيه مجموعة من المؤثرات، التي تبدأ بتكاليف تصنيعها، مروراً بالاعتبارات الأمنية، وصولاً إلى ارتباط انتشارها بالقفزة الهائلة التي أحدثتها صناعة الكاميرات التي تحملها هذه الطائرات، وكذلك تطور تقنيات التحكم الإلكتروني بها وتنامي إمكانياتها وتدنّي تكاليفها في الوقت ذاته، وبما جعل أنواعها متاحة وقابلة للتسويق كسلعة يستطيع أيّ إنسان الحصول عليها بأسعار رخيصة نسبياً.

من الخيال إلى الحقيقة

لكن هل يمرّ حضور “الدرونز” الكثيف هذه الأيام في كلا القطاعين العسكري، والمدني، دون أن يثير الضجيج حوله؟ من الصعب تخيل ذلك، طالما أن كلا الاستخدامين يحتملان الكثير من الأخطاء والملاحظات، لا سيما وأن الدور الذي باتت تلعبه هذه الطائرات أخذ يذهب عميقاً جداً في انتهاك خصوصية البشر، حين يجدون أنفسهم عرضة للتصوير من قبل هذه الآلات المُسيّرة عن بعد، والتي تحوّلهم إلى مجرد أهداف للقتل حينما تكون مرسلة من القواعد العسكرية البعيدة عن مكان الحدث بآلاف الأميال.

احتوت ثلاثية أفلام “ماتريكس” التي قدمها الأخوان وتشاوسكي في الفترة ما بين عامي 1999 و2003، على حضور أدوات إلكترونية مقاتلة تساند المستنسخين، كانت ترى بعيونها الحمراء، وتهاجم بخراطيمها الطويلة “نيو” بطل السلسلة ورفاقه بقسوة رهيبة، فهم بالنسبة إلى برمجيتها أهدافٌ ذات مواصفات محددة، إنهم الأعداء بغض النظر عن كونهم بشرا لديهم عقل إنساني، رغم كونهم عاملين في ذات فضاء الماتريكس، إذ لا يجب عليها وليس بإمكانها كأدوات مقاتلة أن ترى الأمر من خارج زاوية الحرب الرقمية، التي تغيب فيها التفاصيل الخاصة لصالح ضغطة واحدة على زر إطلاق النار ضد الهدف.

ثلاثية أفلام "ماتريكس" التي قدمها الأخوان وتشاوسكي في الفترة ما بين عامي 1999 و2003، تعد أول حضور لأدوات إلكترونية مقاتلة تساند المستنسخين، كانت ترى بعيونها الحمراء، وتهاجم بخراطيمها الطويلة "نيو" بطل السلسلة ورفاقه بقسوة رهيبة، فهم بالنسبة إلى برمجيتها أهداف ذات مواصفات محددة

ربما اشتق صانعا الفيلم أساس هذه الأدوات من “الطائرات دون طيار” بوصفها ابتكارا نشأ عسكرياً في العام 1924، حينما تم تصنيعها لتكون بمثابة أهداف للقصف المدفعي التدريبي في بريطانيا، ولكنه لم يصبح ضرورة عسكرية ملحة إلا بعد حادثة إسقاط قوات الدفاع الجوي السوفييتي للطائرة الأميركية “يو تو” التجسسية في العام 1960، والتي نتج عنها اعتقال طيارها والحصول على إحدى الوثائق التي أرسلتها المخابرات المركزية الأميركية لتصوير المنشآت السرية السوفييتية.

في الصناعات العسكرية

بعد هذه الحادثة انطلقت الصناعات العسكرية نحو تصنيع طائرات دون طيار تحمل على متنها كاميرات عالية الدقة، يمكن تسييرها عن بعد، إما وفق برمجية تحمل مساراً محدداً، وإما عبر التحكم المستمر بها من القاعدة الأرضية التي انطلقت منها أو عبر الأقمار الصناعية. وقد أفضت النتائج الناجحة لهذه التجارب إلى نقل استخداماتها من الحيّز العسكري إلى الحيّز المدني، الذي وجد فيها حلاً تقنياً للكثير من معضلات عمله، ولا سيما في مسائل البحث العلمي كالمسح الجيوفيزيائي، والمسح الجغرافي، وغيرها الكثير من الحاجيات المتنامية للمؤسسات.

ومن هذه الزاوية أخذت صناعة “الطائرات دون طيار” تمضي وفق اتجاهين، قد لا تتضح الفروقات بينهما من ناحية عملية الإنتاج، ولكنها تصبح واضحة حال النظر في الاستخدامات؛ فقد تطورت صناعة الدرونز عسكرياً لتبلغ مكاناً مهماً في تركيبة الحروب الحديثة، بعد أن تمكنت الشركات من إضافة قدرة حمل الصواريخ وإطلاقها على النماذج الحديثة من هذه الطائرات، لتمزج بين قدرتها على التصوير وبين كفاءة المتحكّمين فيها على الأرض في تحديد الأهداف، ولتمضي بعدها في إنجاز مهمة إطلاق الصواريخ عليها.

وقد أخذت هذه القدرات تطفو على سطح نتائج المعارك والحروب ابتداءً من نهاية سبعينات القرن العشرين وبداية ثمانيناته، حينما قامت إسرائيل باستخدامها بشكل مكثف في اجتياحها للبنان في العام 1982، حيث يذكر الخبراء العسكريون بأنها ساهمت في التسبب بهزيمة الطيران السوري في معركة البقاع الجوية، بعد أن قامت بنشر الرقائق الإلكترونية في الأجواء، ما أدى إلى سقوط عشرات الطائرات السورية، بينما لم تسقط للجانب الإسرائيلي أيّ طائرة.

لقطة جوية باستعمال الدرونز تظهر جماليات المدن الأوروبية

وهكذا نجد وبالعودة إلى المعارف العسكرية، تعداداً للعشرات من أنواع هذه الطائرات التي يتم تصنيعها في عدة بلدان حول العالم تقف إسرائيل في مقدمتها. وقد أثار استخدام هذا النوع من الطائرات في العقود الأخيرة ضمن ما سمّي بـ” الحرب على الإرهاب” المنظمات الحقوقية الإنسانية، بعد أن باتت عمليات القتل الكثيف التي تقوم بها غير دقيقة، طالما أنها تقوم بتحديد أهدافها إلكترونياً، دون أن يتم التحقق من طبيعة الهدف مدنياً كان أم عسكرياً، وكذلك التأكد من قيامه بأعمال عدائية أو عدم قيامه بذلك.

وفي هذا المسار أصدرت كل من منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش قبيل نهاية العام 2013 تقريرين يدعوان إلى وضع حد “للسريّة” المحيطة بغارات الطائرات دون طيار في باكستان واليمن ومحاكمة المسؤولين عن هذه الغارات “غير الشرعية”. حيث قال المحلل في منظمة العفو في باكستان مصطفى قادري إن “السرية المحيطة ببرنامج الطائرات دون طيار تعطي الحكومة الأميركية حقاً في القتل يتخطى صلاحيات المحاكم والمعايير الجوهرية للقانون الدولي”. ولكن البيت الأبيض رد على الانتقادات بتأكيده أن مثل هذه الضربات تحترم القانون الدولي.

استخدامات مجتمعية

في العام 2004 كان الزوار الذين وفدوا إلى العاصمة اليونانية أثينا لحضور الأولمبياد على موعد مع المنطاد فيباس الذي حلّق في سماء المدينة على ارتفاع 1200 متر وحمل على متنه 13 خبيراً أمنياً كانت مهمتهم متابعة الكاميرات دقيقة التصوير ذات الرؤية الليلية التي كرّست لرصد التغيّرات غير المتوقعة في الصور الملتقطة لشوارع المدينة.

غير أن هذه التقنية ذات الكلفة العالية سرعان ما وجدت المؤسسات الأمنية بديلاً عنها مع توفّر الأجيال الجديدة من كاميرات “الدرونز” التي باتت أشبه بعناصر مجندة لدى الدوائر الأمنية في عواصم العالم المتقدم. حيث تقوم هذه الطائرات بالإضافة إلى شبكات الكاميرات الثابتة المنتشرة في الشوارع برصد كل أنواع الحركة.

الدرونز تقتحم عالم السينما للحصول على أكثر المشاهد إثارة

وبعد أن تقدّمت تقنيات التحكّم اللاسلكي بالأجهزة الإلكترونية، وارتفعت دقّة الصور الثابتة والمتحركة التي تلتقطها، أصبحت قدرات هذه الكاميرات الطائرة غير محدودة. كما أن استخداماتها لم تقف عند الشقّ الأمني، بل إنها تدرجت من دورها المذكور سابقاً في القضايا العلمية والتقنية لتصل إلى عالم الإعلام والصحافة. إذ تكفل تزويدها بإمكانية البث المباشر، بجعل حضورها في التقارير الصحافية التلفزيونية ممكناً، وقد لفتت الانتباه حينما تم استخدامها في تغطية الاحتجاجات المدنية التي شهدتها شوارع المدن الأميركية في العام 2011 ، فيذكر أحد الصحافيين أن المرة الأولى التي استخدمت فيها هذه الكاميرات كانت خلال مظاهرات في بوسطن عندما شكل أفراد الأمن صفاً لمنع الصحافة من الدخول للمكان، ما جعله يفكر حينها بكيفية التغلب على حواجز الشرطة وبطريقة قانونية، فجاءت فكرة استخدام طائرات يتحكم فيها عن بعد.

في الأشهر الماضية انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي أفلام رصدت حجم الدمار الذي تعرضت له المدن السورية بسبب قصف طيران النظام لها مصورة بهذه التقنية على يد فريق مصورين روسي يعمل في العلن لصالح موقع “روسيا ويركس”، حيث يقوم هؤلاء الذين تم التشكيك بمهنيّتهم واتهامهم بالعمل لصالح الاستخبارات الروسية بتصوير المشاهد من ارتفاعات عالية، عبر نسخة تجارية زهيدة الثمن وخفيفة الوزن من هذه الكاميرات، تتمتع بإمكانات تحريك ديناميكية، لا يمكن اكتشافها بالعين المجردة، وإن تمَّ اكتشافها فلا تمكن إصابتها، إلا إنْ تفرَّغ المقاتلُ القناصُ لها، ما قد يؤدِّي إلى كشف موقعه أمامها، ليتحوَّل هو إلى هدفٍ لمن يشاهد اللقطات التي تبثها.

الدرونز والسينما

يتذكر متابعو السينما حول العالم اللقطات “ميكينغ أوف” التي توثق عمليات تصوير المشاهد عبر الطائرات المروحية، حيث كان يتم تثبيت الكاميرا السينمائية مع المصور بجسم الطائرة، في وضعيات خطرة، كثيراً ما انتهت إلى حوادث مؤسفة. ولهذا وجدت صناعة السينما في الكاميرات “الدرونز” حلاً مثالياً لهذه الإشكاليات، يجنبها الكلفة العالية لعملية التصوير، كما يجعلها بعيدة عن تعريض المصورين والعاملين لأخطار الشكل السابق من آليات التصوير.

ولكن هذه العملية التي تعتمد على أتمتة التصوير، وتبنى على الاستغناء عن العنصر البشري، أو جعله مجرد متحكم بها عن بعد، قوبلت بالرفض من الكثير من المخرجين السينمائيين الذين رأوا فيها إضافة غير فنية، تقلل من قيمة الإبداع البشري في عملية التصوير. وفي هذا السياق يقول المخرج السينمائي فراس فياض لـ”العرب” عن رؤيته لدخول هذا النوع من الكاميرات إلى عالم الصناعة والإبداع السينمائي فيقول “هذه التقنية كوّنت لديّ انطباعاً سلبياً، نقل إليّ شعوراً يقول بأن التعامل معها مؤذٍ. إذ لم أتمكن من تكوين أيّ علاقة معها لاستخدامها في سياق ما، على الأقل في مشاريعي الحالية، إذ أن رؤية الأشياء والأشكال من الأعلى جعلتني أحس بأنها ألعاب صغيرة لا قيمة لها وأشبه بألعاب الفيديو، إنها تظهر مجردة من التكوينات المختلفة التي تتميز بها حياتنا البشرية، كما أنها تبدو متناظرة متشابهة دون هوية، أشبه برؤيتك للخرائط المسطحة، أو الرسوم ذات البعد الواحد دون القيمة التشكيلية، كما أن المَشاهد تبدو من خلالها مثل الصور التي تلتقطها الطائرات الحربية لأهدافها، إنها شيء أقرب للأغراض الحربية، حيث تنقل لك المكان ليصبح عرضة للاستهداف دون إذن، ودون أيّ احترام لخصوصيته، وإرضاءً لغرور ما، وأحياناً بتجريد كامل من المعنى، أي أنها حالة استعراضية دون أيّ هدف حسي. لقد ولّدت لديّ إحساساً بعيداً عما أرغب بنقله من خلال استخدام أدوات التصوير التقليدية، التي تساهم في نقل الانطباع عن التواصل والتأمل في الوجوه والانفعالات والأفعال”.

الأغراض الأمنية للدرونز تتصدر قائمة استعمالاتها

وحول قدرة هذه الكاميرات على تشييء الصورة وجعلها مسلفنة بلا روح يضيف فياض “هذا العالم بالنسبة إليّ ليس لعبة فيديو وليس شيئاً مجرداً، هذا العالم أكثر قيمة من أن تنظر إليه من الأعلى، لتمسح هويته ومعالمه وشكله الحقيقي، وتحوله إلى نسخ متشابهة وبقع لونية على لوحة، هذه التفاصيل الإنسانية التي ترافقني يومياً تستحق مني كمخرج أن أعطيها هوية تشكل انطباعاً عميقاً بذاكرتي.”

وعلى جهة معاكسة، يبدو حضور هذه الكاميرات بين عموم الناس أكثر بهجة وخفة بالنسبة إليهم، خاصة وأن الشركات المصنعة التي تبحث عن زيادة أرباحها تستغل كل فورات الظواهر الشعبية. وحدث أن تم تصنيع كاميرات رخيصة جداً وخفيفة بشكل مثالي، وسهلة الاستخدام بالنسبة إلى المستخدمين العاديين، ليتم تسويقها في إطار تنمية قدرة هؤلاء على التقاط صور السيلفي بشكل متطور. حيث ظهرت في السنوات القليلة الماضية أنواع من الكاميرات التي يمكن للمرء أن يطلقها لتطير من يده فتقوم بتصويره من مسافة بعيدة، وقد سميت هذه التقنية بـ “نكسي”.

سكاي نانو

بينما تجتاح السوق حالياً أنواع كثيرة من الكاميرات ذات الحجوم الصغيرة، تتبارى الشركات للحصول على نماذج أصغر فأصغر، وضمن هذا المجال أعلنت شركة هولندية خلال شهر مارس 2016 عن إطلاقها للطائرة دون طيار “سكاي نانو” المزودة بكاميرا لتسجيل مقاطع فيديو، والتي وصفت بأنها أصغر كاميرا طائرة في العالم، إذ يقل وزنها عن نصف أونصة ويبلغ طولها 4 سنتيمترات، وذات قدرة على الطيران لمدة تتراوح بين 7 و10 دقائق حتى ارتفاع 50 متراً، مع نظام تحكم يعتمد على 6 محاور للطيران، تتيح للكاميرا التحليق في الهواء ومزودة بمصابيح “إل إي دي”، كي تستطيع الطيران والتقاط صور وتسجيل مقاطع فيديو في الظلام، وتتضمن بطارية قابلة لإعادة الشحن تصل سعتها إلى 120 ميللي أمبير. وقالت شركة “ترند لابس”، إن طائرتها هذه تتميز بقدرتها على التقاط صور وفيديو بدقة 480×640 بكسل، وتخزين الصور والمقاطع داخل ذاكرة خارجية “مايكرو إس دي” سعتها 2 غيغابايت، مرفقة مع الطائرة، كي تُمكن المستخدمين من تحميل المحتوى على الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية.

14