"الدرويش" ستافورد لاحقته شائعة إسلامه فأعفته واشنطن من مهامه

الأحد 2014/02/09
جوزيف ستافورد دبلوماسي أميركي ذاب عشقا في حب السودانيين

حينما وصلت الخرطوم قبل ثلاثة أشهر لاستلام مهامي كقائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة الأميركية، دهشت في الحال بودّ وانفتاح المواطن السوداني واهتمامه بشعب الولايات المتحدة. أينما ذهبت، استقبلت استقبالا حارا. أنا وزوجتي شعرنا كأننا كما في بلادنا منذ قدومنا". جوزيف ستافورد

ربما لم تعرف السودان في عقديها الماضيين، دبلوماسيا شغلها وشغلته، كما كان الحال مع القائم بالأعمال الأميركي، جوزيف ستافورد، الذي تغلغل بمحبة نادرة في أوساط المجتمع، نخبة وعوام، رغم ضيق فترة عمله التي تناهز 18 شهرا، في مفارقة لافتة لتوتر العلاقة الرسمية بين البلدين، والتي انسحبت بدورها على العلاقة الشعبية.

عندما وصل ستافورد الخرطوم أول مرة في يوليو 2012 كان يعي حجم التحدي الذي يواجهه للعمل في السودان، والتي تفرض بلاده عليها عقوبات اقتصادية قاسية، وتدرجها في قائمة الدول الراعية للإرهاب.

المفارقة أن ستافورد غادر السودان قبل أيام، منهيا فترة عمله باستقالة مفاجئة، تاركا خلفه نموذجا للدبلوماسية الشعبية، التي جعلت منه سودانيا، بملامح أميركية، يتنقل بأريحية، ويقيم صداقات مع الفنانين والرياضيين والصحفيين ورجال الأعمال والناشطين في المجتمع المدني من محامين وأطباء ومثقفين. لكن اختراق ستافورد الأهم كان للجماعات الدينية، خصوصا الطرق الصوفية، التي يواليها غالبية السكان، بالنظر إلى تهمة الإرهاب، التي تلصقها واشنطن بحكومة الخرطوم، ذات التوجه الإسلامي.

زيارات ستافورد لمشايخ الطرق الصوفية، في كل ولايات السودان، مثلت الثيمة الأبرز لفترة عمله في هذا البلد الأفريقي، حيث كان يذهب إلى مجمعات، يطلق عليها اسم مسيد أو خلوة، وكأنه واحد منهم يخالطهم في المأكل والمشرب والملبس، يلبس الشال (قطعة قماشية توضع على الكتف)، أو القبعة الصوفية ذات اللون الأخضر المميز، ويتلذذ بشرب الغباشة (اللبن الرائب). وكان ستافورد يحظى باستقبال حار، من مشائخ ومريدي الطرق الصوفية.

الاحتفاء بستافورد لم يقتصر على الصوفية، بل تعداه إلى جماعة أنصار السنة المحمدية التي ينظر إليها في السودان كجماعة متشددة، ففي أبريل الماضي زار ستافورد المركز العام للجماعة، واستمع من رئيسها إسماعيل عثمان شرحا لأهدافها، وعملها، وأهداه ستافورد كتابين عن أوضاع المسلمين في أميركا. بينما أهداه إسماعيل نسخة من المصحف الشريف، وأعدادا من مجلة الاستجابة التي تصدرها جماعته.

وفي أيلول 2012 احتفت الصحف الرياضية بستافورد وهو يحضر مباراة في الدوري المحلي مرتديا زي المنتخب الوطني السوداني.

كان مألوفا أن تجد ستافورد زائرا للمدارس في الأحياء الشعبية، وهو يثبت شعارا للعلمين السوداني والأميركي متلاصقين على بدلته، يلاطف التلاميذ ويشرح لهم الأوضاع ببلاده، ويستمع إلى حديثهم عن بلادهم وتاريخها وأمنياتهم.

نادرا ما يمر شهر دون أن يزور الدبلوماسي الدرويش (كلمة يطلقها البعض على المتصوفة)، مقار الصحف أو يجتمع بالصحفيين في مناسبات مختلفة.

وشهدت فترة عمله تدريب نحو 200 صحفي، بجانب العديد من ورش العمل الصحفية ضمن برامج السفارة التي شملت أيضا تأسيس 3 مراكز ثقافية، اثنان منها بجامعة الخرطوم أعرق الجامعات السودانية وهما مركز هيلين كيلر للتعليم الذاتي، وقاعة الدكتور مارتن لوثر كينغ جونيور للقراءة، بجانب مركز ثقافي بمدينة بورتسودان شرقي البلاد على ساحل البحر الأحمر.

اهتمام ستافورد لم يقتصر على الصوفية، بل تعداه إلى جماعة أنصار السنة المحمدية التي ينظر إليها في السودان كجماعة متشددة

ستافورد الذي نشطت خلال فترة عمله الزيارات المتبادلة في الأنشطة الثقافية والتعليمية والمهنية حيث زار الولايات المتحدة نحو 70 مشاركا سودانيا، وقال بخصوص ذلك “كان هدفي دائما هو جلب المزيد من الأميركيين، إلى السودان وإرسال مزيد من السودانيين إلى الولايات المتحدة”.


الصوفية رمز للتسامح


ما سهل من تغلغل ستافورد في المجتمع السوداني بحسب مراقبين هو إتقانه للغة العربية، وعمله في عدد من بلدانها خصوصا دول شمال أفريقيا (مصر والجزائر والمغرب وتونس وموريتانيا)، فتجده يجيد لهجات شعوبها ويتباهى بها فكان سهلا عليه أن يتقن اللهجة السودانية التي اختار أن يختتم بها مقاله الذي ودع فيه السودانيين واحتفت به كثير من الصحف والمواقع الإلكترونية وحظي بتداول واسع على مواقع التواصل الاجتماعي. كتب ستافورد في خاتمة مقاله “سنتذكركم أنتم وبلادكم المؤثرة دائما وأنا متأكد أنكم ستستمرون في جهودكم من أجل إنشاء حياة أفضل، تماما كما تقولون “في كل حركة بركة”.

وكتب ستافورد في مقال آخر في أكتوبر 2012 بعد شهور من تسلمه لمهامه “ليس سرا أن العلاقات بين بلدينا شائكة بعض الشيء، وأعتقد أن هنالك كثيرا من حسن النية في السودان، تجاه الولايات المتحدة، رغم التحديات الثنائية “.

والعلاقة متوترة بين البلدين منذ وصول الرئيس السوداني عمر البشير إلى السلطة عبر انقلاب عسكري مدعوم من الإسلاميين في عام 1989. وأدرجت واشنطن السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب في 1993 وتفرض عليه عقوبات اقتصادية منذ العام 1997 وبلغ التوتر بينهما ذروته في العام 1998، عندما قصف سلاح الجو الأميركي مصنعا للأدوية بالخرطوم، يملكه رجل أعمال سوداني، بحجة أنه مصنع للأسلحة الكيميائية، وبعدها تم خفض التمثيل الدبلوماسي في كل من السفارتين إلى درجة قائم بالأعمال. وأعلن ستافورد قبل أيام أنه تقدم باستقالته من الخارجية الأميركية لظروف شخصية رفض الكشف عنها، ونفى شائعة اعتناقه للإسلام التي أرجعها البعض لزياراته الكثيرة للجماعات الدينية، مؤكدا أنه مسيحي يحترم الإسلام ويرى في الصوفية رمزا للتسامح بين الأديان.

وكتب الدبلوماسي في مقاله “للأسف الآن أنا وزوجتي سنغادر هذا البلد الجميل بسبب التزامات شخصية، ولكن حبنا للشعب والثقافة السودانية سيستمر، سنواصل الاستماع للموسيقيين السودانيين المفضلين لدينا مثل ود الأمين، البلابل ، صلاح براون، محمد علي من فرقة سودان روتس وعقد الجلاد، كما آمل حقا في أن تأخذ زوجتي معها وصفات طهى الشية (لحم ضأن مشوي)، والعصيدة (وجبة شعبية تصنع من مسحوق الذرة أو الدخن)”.

وأضاف: “من المعروف عن الشعب السوداني على مر التاريخ هو تسامحه الديني، ونأمل أن تبقى هذه السمة الإيجابية قوية. الحرية الدينية هي مبدأ في غاية الأهمية في الولايات المتحدة والقيمة التي ندعو لها في جميع أنحاء العالم. على هذا النحو، لقد جعلت مقابلة كل الطوائف الدينية في السودان، سواء مسلمين أو غير مسلمين إحدى أولياتي، وتعلمت الكثير من هذه اللقاءات.

يحدوني أمل عميق أن جميع الأطراف سيأتون معا لإيجاد طريق نحو السلام في دارفور والمنطقتين. وأنا أعلم أن الولايات المتحدة ستواصل في وقوفها إلى جانب الشعب السوداني، من خلال دعمنا لجهود حفظ السلام، وذلك من خلال الوكالة الأميركية للتنمية الدولية وهي أكبر الجهات المانحة في العالم من المساعدات الإنسانية إلى السودان. نحن حريصون على تقديم المساعدة الإنمائية، مثل مشروع اعادة تأهيل سد طويلة بتمويل من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية.

كتب ستافورد مودّعا السودانيين 'سنتذكركم أنتم وبلادكم المؤثرة دائما وأنا متأكد أنكم ستستمرون في جهودكم من أجل إنشاء حياة أفضل، تماما كما تقولون "في كل حركة بركة'


حب ولكن..


رغم الأنشطة الشعبية المتنوعة لستنافورد يعيب عليه البعض أن توتر العلاقة الرسمية لا يزال يراوح مكانه دون إحراز تقدم ولو بسيط خصوصا العقوبات الاقتصادية التي يجمع الخبراء أنها من الأسباب الأساسية لتخلف البلاد والشعور بالكراهية أو عدم الرضاء على الأقل عند أعداد مقدرة من السودانيين.

وترفض الخرطوم شروط واشنطن لتطبيع العلاقات وتعتبرها تدخلا في شؤونها الداخلية، وأبرزها وقف الحرب التي يخوضها الجيش السوداني مع تحالف يضم أربع حركات متمردة في 8 ولايات من أصل 18 ولاية سودانية 5 منها في إقليم دارفور غربي البلاد، وتحسين سجل حقوق الإنسان، وحل أزمة الحكم. وهددت الخرطوم في سبتمبر الماضي بعدم التعامل مع المبعوث الجديد للرئيس الأميركي للسودان، دونالد بووث ما لم يكن مهتما بتطبيع العلاقات بين البلدين، دون التدخل في الشؤون الداخلية، ورفضت بالفعل منحه تأشيرة دخول للمرة الثانية بعد أن منحتها له في زيارته الأولى، حيث عزف كبار المسؤوليين عن مقابلته خلافا للمبعوثين السابقين وكان وكيل وزارة الخارجية هو أرفع مسؤول يجتمع به.

7