الدستور العراقي يخلق الانقسامات الاجتماعية ويكرس الطائفية

المعروف أن الدستور العراقي الحالي، كتب تحت وطأة ظروف وملابسات بالغة التعقيد على المستويين الداخلي والإقليمي، لذلك يوصف بأنه ليس دستورا لكل العراقيين بسبب نصه الصريح والقائل بـ”الحفاظ على الهوّية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي”، مما يجعله يحتوي على نوع من الاستعلاء الواضح ضد مكوّنات دينية وإثنية أخرى، الأمر الذي يشرّع الأبواب نحو التمترس الطائفي ويهدد بالمزيد من التفتّت في النسيج المجتمعي بل ويصبح هذا الدستور في أخطر قراءاته شرعنة لما تقوم به العصابات التكفيرية.
الأربعاء 2017/08/23
استئصال الأرضية الداعشية من التشريع الدستوري ضمانة للكرامة الوطنية

بغداد - لم يكن ما ارتكبه تنظيم داعش من جرائم بحق الإيزيديين والإيزيديات في الموصل سوى تطبيق للدستور العراقي الذي ينص صراحة في مادته الثانية على “الحفاظ على الهوّية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي”، فالحفاظ على الذات الإسلامية “الأرقى والأنقى” يتطلب ممارسة التطهير والاستئصال ضد الآخر الديني “الأدنى والأحقر”.

وما أسس له الدستور نظريا ترجمه داعش عمليا على الأرض قتلا وتنكيلا وتهجيرا واغتصابا واستباحة ضد المنقوم عليهم من “الأقليات”، حيث شكّلت تلك المادة التي تحدثت أيضا عن أن “الإسلام دين الدولة الرسمي” الأساس الثقافي والنفسي لأفعال القسوة والتطهير الوحشي التي ارتكبها التنظيم، وهو حماية الهوّية الدينية “النقية” للمسلمين من أن “تتلوث” بالهوية الإيزيدية أو المسيحية المغايرة، إذ تستبطن البنية العميقة لهذا النص الدستوري مشاعر ومحفّزات الارتياب والاستعلاء الديني والنرجسية العقائدية وفوبيا التنوع والاختلاف وأوهام العظمة الهوياتية والتفوق العنصري وكراهية الآخر المختلف، فالخشية من التلوث الرمزي للذات، كما يقول مؤلفا كتاب “لماذا لا نقتلهم جميعا؟”، هي أحد دوافع الجريمة المستندة إلى عاطفة التقزّز والاشمئزاز من الآخر.

إن الاعتقاد بطهرانية الذات يدفع إلى محاولة التطهّر من الاختلاط بالآخر عبر ممارسة التطهير الاستئصالي ضده. واعتقاد جماعة معيّنة بأنها تتفوق على الجماعات الأخرى وفق معيار ما، سيدفعها إلى ممارسة العنصرية وفق معايير أخرى لحماية ذاتها وتطهيرها من كل صور “التلوث”، فالعنصرية المذهبية مثلا تفتح الباب لعنصريات دينية وقومية واجتماعية وجهوية لا تنتهي.

لذلك فإن ما أفرزه التمحور حول الذات الدينية وتقديس هويتها أسّس لاحقا لمركزيات مذهبية وعرقية ومناطقية يدعيها كل طرف لنفسه وتتطاحن فيما بينها، بمعنى أن الآثار العدوانية للغة الدستورية الإقصائية لا تقتصر على غير المسلمين فقط، بل تؤسس أيضا للكراهية والتمييز بين مختلف الهويات والانتماءات في المجتمع إثنيا وطبقيا وجغرافيا لأنها تنطلق من فكرة الغالب والمغلوب والأعلى والأدنى والنقي والملوث.

إن الحديث عن “أغلبية مسلمة” في دستور يُفترض أنه وثيقة وحدة ومساواة واندماج إنما هو شرعنة لاستباحة الأقليات الدينية، ولم يفعل داعش شيئا سوى تطبيق هذا الدستور، إذ يندرج اتجار التنظيم بالبشر في الموصل واستعباده الجنسي للإيزيديات في إطار محرقة ثقافية وحقوقية أسس لها الدستور ضد “الأقليات” باعتبارها “مغلوبة” عقائديا وعدديا أمام “الغالبية المسلمة”.

فلغة الدستور العراقي هي عنف لغوي مسطور أما إرهاب داعش، فهو عنف حسي منظور، وكلاهما من إنتاج النظام السياسي والثقافة الأصولية الطائفية، فالتنظيم الإرهابي بكل توحشه لم يستطع خطابه العدواني والتحريضي مجاراة المنطق النازي الذي يشكّل البنية العميقة للخطاب السياسي والثقافي العراقي المهيمن، حيث تنتمي القوى الإسلامية التي كتبت الدستور إلى المربع الأصولي نفسه الذي ينهل منه داعش، فجميعها ترفع شعارات “الدولة الإسلامية” و”الدستور الإسلامي” و”تطبيق الشريعة” بمعنى أن الجميع لا يرى في الدستور عقدا اجتماعيا وإنما بلاغا دينيا أو إعلانا أيديولوجيا لتأكيد هيمنة عقيدة على غيرها.

الحديث عن "أغلبية مسلمة" في دستور يفترض أنه وثيقة وحدة ومساواة، إنما هو شرعنة لاستباحة الأقليات الدينية

وليست دوافع الإقصاء الدستوري لغير المسلمين دينية محضة لنصرة عقيدة أو تهميش أخرى؛ ولكنها في عمقها سياسية استبدادية تتمثل في فرض هيمنة نخبة حزبية وطبقة سلطوية على الحياة السياسية والاجتماعية وكبح أي اختلاف سياسي أو ثقافي وتجريف التنوع ولجم التعددية. ولتحقيق هذه الأهداف رسّخ الدستور التمييز العنصري في المجتمع على أسس دينية ومذهبية وعرقية عبر استدعاء مصطلح “الهوّية” .

ويفتقر الدستور العراقي للمشروع الاندماجي الذي يخلق التضامن بين العراقيين، فهو يعزز التناقضات الطائفية ويوسّع الفجوات في النسيج المجتمعي، وعندما يستخدم لغة منحازة لـ”الهوّية الإسلامية”، فإنه يقرّ بكونه وثيقة أصولية وشمولية تهدف إلى قسر السكان على أحادية أيديولوجية وثقافية.

كما ثبّت الخطابُ الدستوري في العقل الجمعي النزعة الأصولية المحافِظة، بما تعكسه من أوهام وهلوسات نقاء الذات وسمو الأنا، عبر استخدام عبارات مثل “الهوية الإسلامية” و”العراق موطن الرسل والأنبياء” إلى جانب التكرار المَرَضي لمصطلح “مكونات الشعب” في سياق بنية دلالية استلابية مضطربة ومتناقضة تمزج قسرا الأحادية الإسلامية بالشوفينية الوطنية بالعنصرية المكوناتية، فتتسبب في تشوّهات ثقافية وسياسية للوعي الشعبي وتخلق مركبا عنصريا وفاشيا خطيرا يغذي انتفاخ الهويات وتَورّم الانتماءات، ليحتدم الصراع والمغالبة بين مدعي النقاء الطائفي الجوهراني، ويمسي كل واحد من المكونات الدينية والإثنية مفتونا بنفسه و”أصالته” ومجنونا بالدفاع عن ذاته الراكدة التي يؤمن بتفوقها وأفضليتها، ما أسس دستوريا لمجتمع غرور وعنجهية وكراهية، تتفاقم هشاشته مع الزمن ويزداد انغلاقه على ذاته وهوسه بـ”المحافظة” على هويته “اللاهوتية” العليا أو هويات مكوناته “الأصيلة”.

نعيب على داعش أنه “دولة الخلافة” أو “دولة الخرافة” في حين تدار الدولة العراقية من أحزاب أصولية تؤمن بالخلافة واللاهوت السياسي والحق السماوي في الحكم، ودستورها ينص على مغالطة منطقية وفلسفية تقول إن “الإسلام دين الدولة الرسمي”، وهو نص لا يرى الأديان الأخرى إلا باعتبارها استثناءات وحالات شاذة وعقائد مُحرَّفة لم يبتكر تنظيم داعش فكرة تهجير “النصارى” وسلب أموالهم واغتصاب الإيزيديات، فالدستور العراقي داعشي الهوى، أسس للتهجير المعنوي والسبي الرمزي والإبادة الثقافية والتغييب الاجتماعي والتهميش السياسي ضد المسيحيين والإيزيديين والصابئة واللاّدينيين عندما نصَّ على الحفاظ على “الهوية الإسلامية” لـ”غالبية” الشعب العراقي، فمهّد الطريق لحرب الجميع ضد الجميع وأطلق الفتن الطائفية من عقالها. كما أن إثارة الدستور للقضية الهوياتية في المجتمع وتعامله مع الإسلام كـ”هوية” لا كدين فتحا الباب لتسييس الأديان والمذاهب وأدلجة التنوع الثقافي من خلال جعل الخصوصيات الثقافية بمثابة “هوّيات سياسية” و”سرديات طائفية” وتحويل الاعتقاد والتدين والخيار الروحي من حقوق فردية إلى أيديولوجيات حزبية ومشاريع فئوية.

التمترس الطائفي يجعل الانتصار بطعم الهزيمة

وليست ثنائية الأغلبية والأقلية مفهوما طائفيا جامدا، وإنما هي مفهوم فكري وسياسي متغير وموضوعي وعابر للانتماءات الفئوية والمكوناتية، حيث تتشكل الأغلبيات والأقليات من الجدل العقلاني حول القضايا والبرامج السياسية والاجتماعية والاقتصادية وبناء على مواقف يتخذها المواطنون كأفراد وناخبين؛ وليس بالاستناد إلى الأوزان السكانية للهويات الدينية أو الإثنية أو الجهوية لأن النصوص الدستورية والمؤسسات السياسية هدفها خلق الاندماج وبناء هوية وطنية ديناميكية تفاعلية وليس عسكرة المجتمع طائفيا وتكريس الركود الاجتماعي والتخندقات والاستقطابات بين الطوائف.

هذا المشهد هو ما حذّر منه المفكر السوري جورج طرابيشي عندما قال “الأكثرية العددية هي من المنظور الفئوي الطائفي، أكثرية عمودية لا أفقية، جوهرية لا عرضية، ثابتة لا متحولة، ومسرح الصراع بينها وبين الأقلية ليس مؤسسات السطح السياسية من برلمان وغيره بل المجتمع نفسه في عمق عمقه”.

ويفسّر ما تتصف به الوثيقة الدستورية من تفكك بنيوي فكري وقيمي العواملَ التي أفرزت التشرذم السياسي والاهتراء الاجتماعي والرثاثة الثقافية، وتكشف بذورُ الاختلالات الهيكلية التي يزرعها الدستور في البناء الاجتماعي جذورَ الفساد السياسي والمؤسسي الذي تعاني منه الدولة والمجتمع حاليا، فالنص الدستوري والقانوني نتاج الواقع وشاهد عليه.

كما تؤشر الدلالات اللغوية والرمزية للمفردة الدستورية على طبيعة العقلية الصراعية التي تعتنقها النخب التي كتبت الدستور وتحكم به اليوم، فحين يصفُ الدستور المسلمينَ في العراق بأنهم “غالبية”، وهو مصطلح يعود في جذره اللغوي إلى الفعل “غَلَب” أي قهر وهزم، فإنه يؤسس لسردية الصراع والمغالبة في العلاقة بين الهويات في المجتمع.

ويكشف استعمال الدستور لمفردة “غالبية” نزوعه لمَأسسة الهيمنة والاستحواذ وتفجير الصراع المكوناتي والتأسيس لإقصاء واضطهاد العراقيين المنتمين لمجاميع سكانية تتسم كل منها بأنها قليلة العدد، إذ يشير توظيف مصطلحَي غالبية وأقلية في سياق طائفي وهوياتي إلى مفهوم سياسي تخريبي يراد به تحويل “القلة العددية” إلى هامشية سياسية وعزل اجتماعي ووصم وانتقاص اعتباري، بما يخلق أرضية للازدراء القومي والديني والتذويب الثقافي والاستبعاد التلقائي للمجاميع قليلة العدد.

ولا يجسد خيار الفرز المكوناتي التفكيكي وتصنيف المجتمع العراقي إلى أغلبيات وأقليات طائفية أو هوياتية غير عملية سياسية قسرية وتشويهية مقحمة ومتطفلة على الحياة الاجتماعية والتنوع الثقافي، إذ تتلخص وظيفة الدولة في الدمج الاجتماعي وتحقيق التنمية والعدالة؛ وليس تكريس التمييز العددي الرثّ.

ولا يدل استخدام مصطلحات مثل أغلبية وأقلية في توصيف الهويات الثقافية للسكان إلا على الشعور بالنقص وعقدة الدونية لدى مدعي الأغلبيات الدينية أو الإثنية، وتأكيد حزب ما أن هويته أو طائفته تشكّل الأغلبية إنما يعكس السلوك التعويضي والمشاعر السلبية كالخوف والتعصّب والأنانية الفئوية والسايكوباثية (التطرف والغطرسة وكره المجتمع)، فالاستقواء بالعدد مؤشر على الخواء والفشل.

وفي العراق تنوع ثقافي يحتاج إلى تأطير بالمواطنة الدستورية الشاملة والمساواة القانونية بين الجميع كأفراد مستقلين وأحرار ونبذ التمييز. المسيحيون والإيزيديون والصابئة والشبك مواطنون عراقيون كاملو الحقوق والواجبات وعلينا أن ندعم حقوقهم في المواطنة لأن التفريط بها تفريط بحقوق كل العراقيين. نحن ننتحر بإقصائهم. والمواطنة لا تتجزأ، إنها مظلة واحدة وسفينة واحدة، فاستضعاف المسيحي أو الإيزيدي استضعاف للعراق وضرب للتماسك الاجتماعي.

لقد أسس الدستور لاستئصال المسيحيين والإيزيديين عندما منح المسلمين امتيازات معنوية واعتبارية على حساب غيرهم، وعندما كرّس المحاصصة الطائفية ومفهوم الحاكمية الدينية وتنازع المكونات وروح الفصل الطائفي، فاللغة الدستورية الهوياتية المحتقنة بالعدوانية وروح التغلّب والإقصاء إنما هي عنف رمزي ينتظر الظرف السياسي الملائم ليتحول إلى عنف مادي على يد تنظيم داعش أو غيره.

وعلينا كعراقيين وعراقيات أن نغسل هذا العار؛ عار الاستقواء الدستوري على “الأقليات” الذي يعكس الاختلالات الثقافية والسياسية التي يعاني منها نظامنا السياسي والاجتماعي. في العراق تنوع ثقافي، وهو ثروة اجتماعية تحتاج إلى ترسيخ بنية دستورية وقانونية رصينة لحمايتها وإدارتها وتنميتها على أساس مبادئ المواطنة والاندماج.

إثارة الدستور للقضية الهوياتية في المجتمع وتعامله مع الإسلام كـ«هوية» لا كدين فتحا الباب لتسييس الأديان والمذاهب

ولا نستطيع الوثوق بدعوات تعديل الدستور التي تنادي بها قوى النازية الطائفية في سياق الصراع المستمر على السلطة، فهي تريد تعديله ليكون أكثر ملاءمة لطموحاتها الاستبدادية في الاستئثار بالسلطة أو توجهاتها الانفصالية في التقسيم والتجزئة، ولا يعنيها ما في الدستور من ألغام تقوّض التماسك الاجتماعي وتنتهك حقوق الأفراد وتزرع البغضاء بين العراقيين. ومن الواضح هنا أن قضية تعديل الدستور ستبقى مجالا للتجاذب والمزايدة بين الأطراف السياسية، وعليه فإن واجب القوى المدنية تعرية الدستور وفضح ما فيه من خلل بنيوي ومفاهيم عنصرية تحرّض على الكراهية مع ضرورة استمرار الضغط والعمل من أجل إصلاح النظام السياسي جذريا وصناعة الوئام الوطني، فالمطالبة بتعديل نصوص الدستور ينبغي ألّا تشغلنا عن العمل لتغيير السياق السياسي والثقافي الذي يتم فيه استدعاء وتأويل تلك النصوص، ذلك أن تعديل السياق باتجاه المواطنة والمساواة سيفرغ النصوص الفاشية والشمولية من مضمونها ويغلّب نصوص الحقوق والحريات عليها.

ولا يمكن الاعتداد بعبارات تجميلية أضافها كاتبو الدستور مثل “ضمان الحقوق الدينية وحرية العقيدة للجميع، ولن تنجح الإشارة إلى نصوص حقوق الإنسان في الدستور في تبرئة العملية السياسية من كل ما أفرزته من فساد ومظالم، فالنصوص التمييزية لها الأسبقية والعلوية وتشكّل روح النص الدستوري واتجاهه العام ومرجعيته التأويلية كما هو واضح من الديباجة التي تنضح عباراتها بالنزعات الطائفية وروح المظلومية.

الدستور نص لغوي وسياسي ومعطى اجتماعي وثقافي لا يمكن فصله عن ملابسات لحظة إنشائه، والدستور الحالي كُتب في بيئة معقدة مشحونة والنصوص والوثائق لا تؤدي وظائفها الإدماجية والتوافقية المفترضة عبر مجرد الالتزام الميكانيكي بها؛ ولكن من خلال ما تحظى به من شرعية وقبول، لذلك يحتاج النص الدستوري، في لحظة تشكيله وتدوينه وفي لحظة استدعائه وتأويله، إلى سياق سياسي توافقي يضمن إرادة تشاركية حقيقية ومناخا وطنيا تضامنيا.

كاتب عراقي

13