الدستور المصري يُنصف الأقزام بعد سنوات من التهميش

السبت 2014/09/27
بعض الأقزام تغلبوا على مشاكلهم وخرجوا إلى المجتمع بإرادة من حديد وكسبوا احترام المحيطين بهم

القاهرة- خلافا لما كانت تعيشه فئة الأقزام من نسيان وتهميش وما عانته هذه الفئة أيضا من السخرية والاستغراب وكأنها من سكان كوكب آخر؛ فإن الدستور الجديد في مصر قد أنصفها، دستور 2013 وضمن المادة 81 التي نصت على أن “تلتزم الدولة بضمان حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والأقزام صحيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ورياضيا وتعليميا، وتوفر لهم فرص العمل، وتهيئة المرافق العامة والبيئة المحيطة وممارستهم لجميع الحقوق السياسية ودمجهم مع غيرهم من المواطنين، إعمالا بمبادئ المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص”.

أظهرت إحصائية رسمية أن إجمالي عدد الأقزام في مصر يبلغ 73 ألف قزم، وأوضحت دراسة حديثة عن ظاهرة التقزم بعنوان: “النمط الغذائي للأسر المصرية” شملت 121 ألف أسرة في 20 محافظة مصرية أن 32 بالمئة من أطفال الأسر مصابون بالتقزم الناتج عن سوء التغذية.

وأكدت الدراسة أن ظاهرة التقزم تنتشر بين الأطفال في الريف أكثر من المجال الحضري، حيث تبلغ هذه الظاهرة حدود الـ34 بالمئة، وتصل بين الحضر إلى 21 بالمئة، كما ترتفع في محافظات الوجه القبلي إلى 38 بالمئة وفي الوجه البحري إلى 22 بالمئة، وأكدت الدراسة أن سوء التغذية والحالة التعليمية، يلعبان دورا كبيرا في تباين هذه النسب.

عصام شحاته، رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية لحقوق الأقزام بالإسكندرية قال: هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تمثيل الأقزام في الدستور المصري، بعد سنوات طويلة من التهميش والإهمال.

وأوضح أن المادة 81 من الدستور بعثت فيهم الأمل، إذ أن هذه الفئة كانت تعاني ولا تُذكر في أي حديث، حيث أنها عانت من مشكلات عدة منها: عدم حصولها على نسبة 5 بالمئة من الوظائف، وعدم توفير أماكن لها في المواصلات العامة مثلها مثل ذوي الاحتياجات الخاصة.

وأشار إلى أن الأقزام عندما كانوا يطالبون بحقوقهم في التوظيف من الدولة مثلا، كان الرد يأتيهم بأن “ليس لهم حق، وأن النسبة التي توفرها الدولة هي لذوي الاحتياجات الخاصة”، وهو ما عالجه الدستور الجديد.

إن معاناة قصار القامة لا تتوقف عند رفض وسخرية المجتمع منهم، فحسب، بل أيضا في الكثير من جوانب حياتهم، فضلا عن عدم مراعاة طولهم في التصميمات الحياتية المختلفة، فحتى اليوم لم نشهد تصاميم أو مظاهر خاصة بقصيري القامة، كالملابس الجاهزة أو السيارات.. أو غيرها.

ظاهرة التقزم تنتشر بين الأطفال في الريف أكثر من المجال الحضري، حيث تبلغ هذه الظاهرة حدود 34 بالمئة

إلا أن بعض الأقزام استطاعوا التغلب على مشاكلهم وخرجوا إلى ميدان العمل بإرادة من حديد وكسبوا احترام من حولهم، بينما لا تزال شريحة كبيرة منهم تقبع خلف الجدران في حالة استسلام لنظرة المجتمع!

يعيش قصار القامة.. داخل عالم مليء بالتناقضات، ألما وابتسامة، سخرية وتحديا، وهم يعملون بشتى الطرق على إثبات ذواتهم وأنهم لا ينقصهم شيء عن غيرهم من البشر، لهم طبائعهم الخاصة وأحلامهم الخاصة، ولهم أيضا مشاكلهم وأزماتهم الخاصة، وكذلك هواياتهم الخاصة جدا.

يقول مروان أحمد (وهو من الأقزام): “الكثير من قصيري القامة يعانون صعوبة الاندماج في المجتمع بسبب النظرة القاصرة تجاههم، مشيرا إلى أنه استطاع أن يتجاوز هذا الحاجز مبكرا عندما قرر منذ ما يقرب من الـ25 عاما الاعتماد على نفسه ومواجهة المجتمع والحياة بإرادة قوية وكانت البداية صعبة؛ لكنه قهرها بعزيمة وإصرار، وقد بدأ حياته بمزاولة كتابة العرائض والاستثمارات أمام إدارة الأحوال المدنية، واستطاع أن يجمع من جهده وتعبه المال الكافي الذي مكّنه من الزواج والعيش بكرامة مع أسرته المكونة من ستة أفراد”.

وأضاف: لاشك أن مواجهة المجتمع صعبة لكن الأصعب هو الجلوس خلف الجدران، مبيّنا أنه لو لم يواجه مشكلته بنفسه لما حقق ما حققه ولما استطاع الزواج والإنجاب. مطالبا نظراءه، قصار القامة، بالخروج من عزلتهم ومحاولة الاندماج في المجتمع.

وقالت هبة.ع “قزمة”: في بداية حياتي لم أشعر بأي حرج من قصر قامتي، فقد اعتدت على هذا الحال منذ طفولتي وأسرتي عوّدتني على التعايش مع أخوتي دون تمييز، لكن بدأت أشعر بالتمييز والسخرية بعد دخولي المدرسة مباشرة، حاولت الاستمرار، لكنني لم استطع فاضطررت لترك الدراسة.

أعراض نفسية وجسدية تعانيها أقلية من الأقزام كون القزمية مرض له أكثر من 200 سبب طبي

ويقول الدكتور محمود أبو العزايم، أستاذ الطب النفسي والأعصاب: المعروف أن طول الجذع يكون طبيعيا، ولكن الذراعين والساقين تكون- قصيرة بما لا يتناسب مع طول الجذع، لكن رغم هذا فإن قصار القامة يتمتعون بمعدلات عالية من الذكاء ويحملون من الأحاسيس والمشاعر ما لا يختلف بأي حال من الأحوال عن بقية الأشخاص الأسوياء.

وقال: الشيء المثير للدهشة أن هناك ما يمكن أن نسميه “القزم العاطفي”، فالطفل الذي يحرم من الحب يتوقف نموه دون معرفة أسباب فيزيولوجية لهذا، مما يؤثر على سلوكه وعلاقاته بالآخرين. وشدد على ضرورة زرع الثقة بالنفس في القزم منذ الصغر من خلال العطف والحنان عليه؛ فالحرمان العاطفي وعدم وجود أصدقاء يؤدي بهم إلى عزلة اجتماعية وعاطفية.

بينما يرى الدكتور علي جابر، استشاري الطب النفسي، أن معاناة قصار القامة تختلف حسب فئتهم العمرية وأيضا من ناحية الجنس “ذكور وإناث” ونوع الإصابة القزمية التي يعانونها هل هي من النوع المتناسق أو غير المتناسق؟ وأيضا تعتمد على السبب الطبي للقزمية.

وهناك أعراض نفسية وجسدية تعانيها أقلية من الأقزام كون القزمية مرض له أكثر من 200 سبب طبي، ومعظم هذه الأعراض لا تكون بسبب القزمية نفسها بل كعرض للسبب سواء كان هرمونيا أو جينيا أو غيره من الأسباب.

وأضاف: إنهم يتجنبون النظر إلى أعين الآخرين في الأماكن العامة. فهم يعرفون ما يدور في أذهان الآخرين، ويدركون أن الآخرين يسخرون منهم وأن عيونهم لا ترحم.

21