الدعاوى الأفريقية للإفلات من المحكمة الجنائية

الأربعاء 2013/09/18

حين وقّعت 43 دولة أفريقية على اتفاقية روما المؤسسة للمحكمة الجنائية الدولية، لم تكن تدرك أن قارتها ستكون المنطقة الأكثر تمثيلا في تشكيل المحكمة الدولية. فمنذ إنشائها عام 1993 وجهت المحكمة الجنائية الدولية تهماً لثلاثين شخصاً ارتكبوا جرائم في ثماني دول أفريقية هي الكونغو الديمقراطية، أفريقيا الوسطى، أوغندا، السودان، كينيا، ليبيا، ساحل العاج ومالي. وتختلف مصادر التحقيقات التي فُتحت في الكونغو الديمقراطية وأفريقيا الوسطى ومالي وأوغندا والتي جاءت بطلب من هذه الدول بوصفها موقعة على اتفاقية روما، عن القضايا المتعلقة بدولتي السودان وليبيا والتي تم فتحها بطلب من مجلس الأمن الدولي لأنّهما غير موقعتين على الاتفاق.

وفي مايو الماضي تبنت دول الاتحاد الأفريقي في قمة أديس أبابا قراراً بالإجماع يقضي بنقل الملاحقة القضائية للمحكمة الجنائية الدولية ضد الرئيس الكيني يوهورو كينياتا ونائبه وليام روتو إلى القضاء الكيني، متهمين المحكمة بأنّها تمارس نوعا من المطاردة العنصرية وتستهدف الأفارقة بشكل خاص. هذا القرار تم دون تصويت رسمي وبإجماع كل الدول عدا بوتسوانا وغامبيا وهي البلد الذي تنتمي اليه المدعية العامة في المحكمة الجنائية الدولية والتي تتولى الملاحقات في الملف الكيني.

وإذا لم يكن لقرار الاتحاد الأفريقي أي فعالية إلزامية على المحكمة الجنائية الدولية التي تشكل كياناً مستقلا، فإنه بالتأكيد سيكون له وقعا سياسيا يأتي على أهواء كثير من القادة الأفارقة. وهذا القرار يتفق بشكل ما مع نتيجة الاقتراع الذي أجراه الاتحاد الأفريقي عام 2009 بعدم التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية في الاتهامات التي وجهتها للرئيس السوداني عمر البشير.

تعتبر كينيا أول دولة أفريقية تقرر الانسحاب من عضوية المحكمة الجنائية، وهذا القرار هو عبارة عن ردة فعل على الاتهام الموجه لها من المحكمة، إلا أنّه لن يكون نافذاً إلا بعد عام من تاريخ سحب العضوية رسمياً. فالرئيس الكيني ونائبه اللذان انتخبا في آذار الماضي متهمان من قبل المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم ضد الإنسانية للاشتباه بدورهما في تنظيم أعمال عنف قبلي وطائفي وجرائم اغتصاب وتمثيل بالضحايا، عقب إعادة انتخاب الرئيس مواي كيباكي في كانون الأول 2007. أوقعت هذه الأحداث أكثر من 1000 قتيل ونزح جراءها أكثر من 600 ألف في أسابيع قليلة. وتأتي محاكمة نائب الرئيس الكيني وليام روتو في العاشر من أيلول الجاري أمام المحكمة الجنائية الدولية، وإرجاء مثول الرئيس أوهورو كينياتا إلى تشرين الثاني القادم كبداية عملية لتطبيق العدالة تُعلي من بعض الأصوات وتخفض أخرى.

أعاد الموقف الكيني إلى الذاكرة الأفريقية اتهام لويس مورينو أوكامبو المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، الرئيس السوداني عمر البشير بارتكابه جرائم ضد الإنسانية في دارفور. طلب أوكامبو من المحكمة إصدار الأمر بإلقاء القبض على البشير ووزير الدولة بالداخلية حينها أحمد هارون، وزعيم مليشيا الجنجويد علي كوشيب، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في دارفور، بين الأعوام 2003-2005. ومنذ ذلك الوقت يتحدى الرئيس السوداني المحكمة الدولية بجولاته في المحيطين الأفريقي والعربي، ورفض حكومته المعلن لهذا القرار، حيث رأت أن هذه الاتهامات تسيء لعملية السلام في المنطقة. كما أتى رفض السودان لقرار المحكمة الجنائية الدولية لوصفه القرار بأنّه مسيس وسيفتح الباب لتدويل قضية دارفور.

ترى الحكومة السودانية أنّ الموقف الكيني من المحكمة الجنائية الدولية يعزّز موقفها الذي لا يرى في المحكمة إلا جهازاً سياسياً يستهدف النيل من القارة الأفريقية، باعتبار أنّ جميع القضايا التي تنظر فيها المحكمة هي قضايا أفريقية.

أفريقيا قارة مبتلاة بأنظمة حكم ديكتاتورية يستشري فيها الفساد، وقد تتمكن كل دولة فيها من تدجين الأنظمة القانونية داخل حدودها وتمنعها من التعاون مع المحكمة الدولية. كما يمكنها الضغط على المنظمات الإقليمية كمنظمة الاتحاد الأفريقي الذي تتكون عضويته من هؤلاء القادة أنفسهم. ولكنها لا تستطيع فعل ذلك مع المحكمة الجنائية الدولية التي تُعتبر جزءاً من منظومة القانون الدولي الإنساني الذي نشأ لحماية حقوق الإنسان وتحقيق مبدأ العدالة الشاملة، وعدم الإفلات من العقاب خاصة في جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي التي تحدث خاصة في أفريقيا.


كاتبة سودانية

9