الدعاية الإعلامية سلاح موازٍ في الحرب العالمية الأولى

الثلاثاء 2014/02/25
صور الجبهة التي تلتقطها الجيوش أو السينما الحديثة العهد كانت سلاحا في الحرب الاعلامية

باريس – عملت القوى الدولية في الحرب العالمية الأولى على قاعدة كل شيء مباح في الحرب، وبهذا استخدمت وسائل الإعلام وكل ما ينتجه الفكر للهيمنة على الرأي العام وتوجيهه وتحويل الوهم إلى انتصار مدو، وصبغ العدو بصفات الشيطنة والضعف.

بدأت الدعاية الإعلامية المترافقة مع الرقابة انطلاقة باهرة إبان الحرب الكبرى لتصبح سلاحا استراتيجيا حقيقيا لإثارة حمية الشعور الوطني وشيطنة العدو وتحصين معنويات القوات، حيث استعملت الصحف ووسائل الإعلام عبارات من قبيل “جثث الألمان تفوح منها رائحة أسوأ من جثث الفرنسيين” كما في صحيفة لوماتان الصادرة في 14 يوليو 1915. أو “الألمان يطلقون النار بشكل سيئ جدا ومنخفض جدا”.

وقال المؤرخ جان ايف لوناور الأخصائي في الحرب العالمية الأولى “الكذبة الوطنية أفضل من الحقيقة المباشرة المريعة للحفاظ على معنويات البلاد والسيطرة على الرأي العام. إنه حساب السلطات التي تحث الصحافة على اللعب على وتر الوحدة الوطنية”.

وفي جميع البلدان تحكمت الدعاية بالإعلام من خلال مقالات افتتاحية نارية وكتابات قومية وبيانات هيئة الأركان المعلقة على الجدران واللافتات والأناشيد والقصص المصورة والصور أو الرسوم الكريكاتورية. وأصبحت أقلام الصحفيين والكتاب والمفكرين وريشات الرسامين أسلحة حرب، وكذلك صور الجبهة التي تلتقطها الجيوش أو السينما حديثة العهد في تلك الأونة.

وأكدت البيانات أن الحرب ليست دامية فعلا إلا للعدو، ولكثرة قراءة أن قوات القيصر مؤلفة من جبناء وجياع يستسلمون لقطعة خبز، استحدث الجنود الفرنسيون الذين يعرفون حجم أعدائهم عبارة “حشو الدماغ” أو “الدعاية المركزة”.

وازدهرت أيضا اللافتات التي تشيد بالمجهود الحربي. وفي العام 1916 كتب على لافتة ثاني قرض للدفاع الوطني “من أجل فرنسا أعطوا ذهبكم” وفي ألمانيا ناشد خيال يرعب العدو برمحه “شاركوا في سادس قرض حربي”.

كما لم يبق كبار المفكرين في منأى عن المجهود الحربي. فكتب الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون في أغسطس 1914 “إن الصراع الذي بدأ ضد ألمانيا هو صراع الحضارة ضد البربرية”.ورد عليه الخبير الاقتصادي الألماني فرنر سومبارت “إن الألمان سيشهدون حكما نصر قضيتهم، إنه نصر للحضارة”. وأنشأ جميع المتحاربين مكاتب دعاية ورقابة.

في فرنسا أقيم المكتب الرسمي للرقابة في 30 يوليو 1914 قبل يومين من إعلان التعبئة. ورسميا بقيت الصحافة حرة لكن طلب منها عدم تقديم أية معلومات تخدم العدو.

وفي أكتوبر 1914 أنشئ في ألمانيا المكتب المركزي للرقابة. وفي يوليو 1917 تولت القيادة العسكرية العليا السيطرة على الدعاية الموجهة إلى الجنود والقواعد الخلفية. وعين ضباط دعاية في كل فرق الجيش.

جان ايف لوناور: الكذبة الوطنية أفضل من الحقيقة المباشرة المريعة

وفي إيطاليا تأسست وزارة للدعاية أواخر العام 1916، لكن حتى هزيمة كابوريتو (أكتوبر 1917) لم تكن هناك أية رقابة فعلية.

وغالبا ما كانت تتم غربلة رسائل الجنود لتشطب منها الفقرات التي كانت تعتبر طائشة. وأكد جان ايف لوناور “أنها كانت بالأحرى مجرد رقابة على البريد. لم يكن الهدف محو أفكار الجنود بل معرفة ذهنيتهم. إنه أشبه باستطلاع للرأي”.

كذلك حظيت “صحف الخنادق” التي ظهرت اعتبارا من 1915 على جانبي الجبهة بدعم الهرمية العسكرية. وتلك المنشورات التي اتسمت غالبا بأسلوب هزلي أعدها الجنود بما توفر لديهم من وسائل، وبلغ عددها خمسمئة في الجانب الفرنسي.

وفي القاعدة الخلفية كان القيمون على الرقابة يزورون المسارح والكاباريهات وقاعات الموسيقى لمطاردة المؤيدين للسلام والمنحرفين والانهزاميين. وكانت الأغنيات الشعبية أكثر خضوعا للرقابة.

وركز الموضوع الرئيسي للدعاية على ألمانيا “غير الأخلاقية والوحشية” وعلى “فظاعات قواتها”. وفي ألمانيا ركز الموضوع الرئيسي للدعاية على جيش الرايخ الذي لا يقهر في وجه العالم أجمع. وأوضح لوناور “أن فرنسا وصفت بالمنحطة والمنحلة”. وأغرق الشعب بصور تشوه العدو قبالة العملاق الألماني. والعدو الحقيقي بالنسبة إلى ألمانيا كان إنكلترا التي حاربت عبر الفرنسيين.

أما في الجانب البريطاني فإن الدعاية ركزت خصوصا على تجنيد متطوعين. وبدأ التجنيد في 1916. وأعدت اللجنة البرلمانية المختصة في شؤون التجنيد عددا كبيرا من اللافتات مثل لافتة الجنرال كيتشنر الشهيرة “بلادكم بحاجة إليكم”.

واستثمر مكتب الدعاية البريطانية أيضا نسف السفينة لوزيتانيا بغواصة ألمانية لتأليب الرأي العام الأميركي لكفة الحلفاء.

لكن في البلدان المحايدة ساد “صراع حتى الموت بين الدعاية الألمانية ودعاية دول المحور، بين المؤيدين للانخراط والمعارضين له” على ما قال لوناور.

استثمر مكتب الدعاية البريطانية نسف السفينة لوزيتانيا بغواصة ألمانية لتأليب الرأي العام الأميركي لكفة الحلفاء

وجندت اللجنة البريطانية للصحافة المحايدة العديد من الكتاب والرسامين، فيما أنفق الرايخ ثروات طائلة وصلت إلى حد رشوة صحافة الدول المحايدة. لكن المؤرخ لفت إلى أن ألمانيا خسرت الحرب على جبهة الدعاية.

وقام المنهج الإعلامي في الدعاية من خلال جمع الأنباء الهامة بطريقة منهجية وينظم إزاءها دعاية مضادة، وفي المرحلة الأولى قبل نشوب الحرب تميزت الدعاية النازية بالإكثار من التحدث عن السلام بينما كان الإعداد الكامل للقوات الألمانية بشكل سري من أجل الدخول في الحرب واعتمدت القيادات الحربية الألمانية على عدم إبراز أي نشاط أو استعدادات حربية، وعلى العكس انتشر الحديث بين القادة الألمان عن أن الحرب لن تقع ثم وضعوا خطة خداع استراتيجي، من خلال إذاعة برامج عبر وسائل الإعلام الألمانية لطمأنة الجيوش الأوروبية بعدم وجود نوايا للعدوان.

18