الدعاية الرمادية: لعبة قطر القديمة الجديدة الفاسدة

ماكينة قطر الدعائية تعززت أخيرا بمحارب جديد يدعى “نيمار”. وتستند الدعاية القطرية إلى عدة أسلحة تنشرها في جميع المجالات، لقلب النتيجة لصالحها، ما يحتم على الدول الداعية لمكافحة الإرهاب إعادة ترتيب أوراقها وعدم الانجرار إلى خوض حرب متماثلة أكثر ما ترغب بها قطر، حرب تفرض ستارا دكتاتوريا على العقل وتؤسس للهوس الإعلامي المشحون بالكراهية والتحريض.
السبت 2017/08/05
قطر تشتري كل شيء اللاعبين والجهاد

لندن - تحاول قطر تطويع كل الأوراق المتاحة للتخفيف من آثار الحصار المفروض عليها من دول الجوار بسبب دورها المشبوه في دعم الإرهاب، مستخدمة في ذلك أسلحة الحرب النفسية التي برعت في استخدامها منذ سنوات.

وتستخدم قطر إضافة إلى قناة الجزيرة التي تقود دعايتها الرمادية، أنواعا أخرى من الأسلحة على غرار الإعلانات المدفوعة في الإعلام العالمي وغيرها من الأسلحة التي تهدف إلى كسب التأييد العالمي وإضعاف الخصوم.

وباتت الحرب النفسية أحد الأركان الأساسية في الحرب الشاملة ضد الشعوب. وتعتبر الحرب النفسية أكثر خطورة من الحرب العسكرية لأنها تستخدم وسائل متعددة ولأنها توجه تأثيرها إلى الشعوب.

ولا يعمل مهندسو الحرب النفسية باتجاه واحد بل مع مؤيديهم وخصومهم وفي الآن نفسه محاولين كسب تأييد الرأي العام العالمي.

وفي مجال الصراع بين الدول فإن الخبراء الذين يخططون لحملات الحرب النفسية يسعون إلى تدمير الروح المعنوية وتحطيم الإرادة القتالية، عبر التشكيك في سلامة وعدالة الهدف أو القضية، وزعزعة الثقة في القوة “من كل عناصرها” والثقة في إحراز النصر، وإقناع الجانب الآخر بأنه لا جدوى من الحرب أو الاستمرار في القتال، وبث الفرقة والشقاق بين صفوف الشعوب، والتفريق بين الجانب الآخر وحلفائه ودفعهم إلى التخلي عن نصرته، وتحييد القوى الأخرى التي قد يلجأ إليها الجانب الآخر للتحالف معها أو لمناصرته.

خلط الكرة بالسياسة

في سن الخامسة والعشرين، بات نيمار دا سيلفا أغلى لاعب في تاريخ اللعبة، بعد انضمامه إلى النادي المملوك من هيئة قطر للاستثمار الرياضي، إحدى أذرع صندوق قطر السيادي، مقابل 222 مليون يورو.

الأكيد ان أداء نيمار الإعلاني والترويجي لا يتأثر بأدائه في الملعب. مقوماته الجمالية وشعبيته دفعتا العلامات التجارية الكبرى إلى الإغداق عليه بعروض مالية ضخمة، أكانت للتجهيزات الرياضية أو الأدوات الكهربائية، وصولا إلى السيارات وشفرات الحلاقة.

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، يحضر نيمار بقوة: 80 مليون متابع على موقع إنستغرام، وأكثر من 60 مليونا على فيسبوك.

وعلى الرغم من المشاكل القضائية التي واجهها على خلفية انتقاله إلى برشلونة وتهم التهرب الضريبي، بقي نيمار أحد أكثر الرياضيين تسويقا عالميا، وهو من الأسباب التي دفعت سان جرمان إلى إنفاق مبلغ ضخم لضمه.

قطر تستخدم أنواعا أخرى من الأسلحة على غرار الإعلانات المدفوعة في الإعلام العالمي وغيرها من الأسلحة التي تهدف إلى كسب التأييد العالمي وإضعاف الخصوم

وقال الخبير في التسويق الكروي في البرازيل إريخ بيتينغ العام الماضي إن نيمار “شخص يعرفه الجميع، من الجدة التي يبلغ عمرها 70 عاما إلى حفيدها البالغ خمسة أعوام”.

وأضاف “حين تبلغ وضعا يرغب فيه الناس بالتمثل بك، فهذا يجعلك لا تقدر بثمن في نظر العلامات التجارية. هذا ما نجح به نيمار”.

ولطالما سعت قطر لتسخير استثماراتها الهائلة من الغاز الطبيعي وسيلة لرفع مكانتها في العالم. ومن خلال دفعها شخصيات رياضية مرموقة وقابلة للتسويق على امتداد العالم، للتوقيع على عقود معها في عالم الرياضة، فإنها تحاول إبراز نفسها بصورة مبالغ فيها.

ويعتقد المراقبون أن نيمار يوشك أن يصبح “فتى الغلاف القطري وسط النزاع الخطر، الذي تواجهه الدوحة مع جيرانها الدول الخليجية”.

ويبدو أن فتى الغلاف هذا سيصبح المخلب الذي ستستخدمه قطر في نزاعها الإقليمي السياسي في المنطقة، إضافة إلى السعي من خلاله إلى إيجاد موطئ قدم للدولة الصغيرة المتورطة في الفساد والإرهاب ضمن الدول الكروية اللامعة.

إعلانات مدفوعة الأجر

بالإضافة إلى توظيف الكتائب الإلكترونية الداعمة لها بأسوأ الأشكال على الشبكات الاجتماعية؛ تواصل قطر توظيف أموالها في محاولات لتحسين صورتها أمام الرأي العام، ولا سيما العالمي منه.

وكانت تقارير عبر صحف غربية، ولا سيما أميركية، كشفت عن صفقات قطرية مع شركات علاقات عامة ومكاتب محاماة أميركية شهيرة، بمبالغ طائلة، بهدف تحسين صورتها وكسب التعاطف الدولي معها، بعد قرار الدول الأربع مقاطعتها دبلوماسيا، وفضح ممارساتها التي اتسمت بخيانة الأشقاء.

ويذكر أن حملة مماثلة انتشر تداولها إعلاميا على نطاق واسع، قامت بها حكومة قطر في بريطانيا، عبر شعارات داعمة لها، على عربات تاكسي لندن، يونيو الماضي.

كما تنفذ الدولة الصغيرة الغنية بالغاز محاولات لتحسين صورتها عن طريق بثها إعلانات مدفوعة على بعض المواقع الأميركية، أبرزها موقع صحيفة واشنطن بوست، إحدى أكبر الصحف في الولايات المتحدة والعالم، وتؤكد من خلالها على العلاقات المتينة التي تجمعها بواشنطن، ومجالات التعاون المتعددة بين البلدين، بالإضافة إلى الإعلانات الترويجية على المواقع الأميركية، والتي عند الضغط على أي منها تقودك مباشرة إلى موقع سفارة قطر في واشنطن، التي تمول إعلانات على موقع تويتر لمقال دعائي بعنوان “قطر ودورها المحوري في جهود الأمن القومي الأميركي”، نشرته على موقع صحيفة “ذي هيل” الأميركية.

وتزعم قطر في إعلاناتها أنها والولايات المتحدة الأميركية شريكتان فخورتان في مجالات النمو الاقتصادي، مثل مركز سيتي سنتر في العاصمة واشنطن والذي تكلف 1.5 مليار دولار.

وفي أسفل الإعلان الدعائي، هناك عبارة تقول “هذه الإعلانات ممولة بكل فخر من قبل السفارة القطرية في واشنطن”.

مراقبون يعتقدون أن نيمار يوشك أن يصبح "فتى الغلاف القطري وسط النزاع، الذي تواجهه الدوحة مع جيرانها الدول الخليجية"

وفي إعلان آخر، ذكر مقال دعائي مقولة على لسان المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية، قال فيها إن “الولايات المتحدة مستمرة في إظهار تقديرها للقطريين لمواقفهم الداعمة لأمننا القومي”.

واستمرارا في تجميل صورتها، ادعت قطر أنها ستستثمر 45 مليار دولار في مشروعات التنمية الاقتصادية في الولايات المتحدة خلال الخمسة أعوام المقبلة.

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي تتصاعد سخرية الأميركيين والبريطانيين من دعايات قطر المكشوفة. وكتب أحد المتفاعلين على موقع تويتر “هل أنا الشخص الوحيد الذي تتساقط عليه إعلانات دعائية لقطر من كل مكان في الإنترنت؟”، ورد عليه عدد من المتابعين مؤكدين أنه ليس وحده وأن جميعهم يعانون من الشيء نفسه.

الدعاية الرمادية

للحرب النفسية ثلاثة ألوان، وفق خبراء، فهناك الدعاية البيضاء، وهي نشاط الدعاية العلني والصريح الذي يحمل اسم الدولة التي توجهه، وهناك الدعاية الرمادية، وهي الدعاية الواضحة المصدر، ولكنها تخفي اتجاهاتها ونواياها وأهدافها، أي التي تعمل وتدعو إلى ما تريد بطريقة غير مباشرة، كقناة الجزيرة القطرية التي في الظاهر تنقل أحداثا لكنها تدعو بأساليب ملتوية إلى اعتناق مذهب سياسي معين أو التعاطف معه، وأخيرا الدعاية السوداء وهي الدعاية التي لا تكشف عن مصدرها مطلقا، فهي عملية سرية تماما.

وبالمقارنة بين تلك الألوان الثلاثة للدعاية، يتضح أن الدعاية الرمادية هي أخطرها على الإطلاق: فالإنسان بقليل من الوعي والفطنة، يستطيع أن يكشف بسرعة ما وراء الدعاية البيضاء والسوداء، أما الدعاية الرمادية فهو يتجرعها قبل أن يكتشف أهدافها، ويتعرض لتأثيرها دون أن يشعر، لأنها “تتسلل” إلى عقله ووجدانه مستترة وراء شيء ظاهري لا غبار عليه، أي أنه “يتناول السم في العسل”، كما تعتبر أقوى تأثيرا.

وعلى مدى سنوات كان الإعلام القطري ممثلا في قناة الجزيرة خاصة الصوت الوحيد المسموع.

وبحسب خبراء، فإن ذلك شكل ما وصف بالقوة الناعمة وكان الهدف دوما بحسب خبراء هو تغيير الصورة الذهنية لدى المتلقي العربي لمصطلح الإرهاب أو على الأقل تشويشها. الأمر الذي دفع أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى أعتبار قناة الجزيرة النتاج الذي يعتلي رأس قطر!

ووفقا لهؤلاء، فإن الإعلام القطري حاول على مدى أعوام تجميل ما تقوم به التنظيمات الإرهابية من جرائم من خلال ربطها بالتفسيرات المغلوطة للدين.

ويرى خبراء أن الإعلام القطري استغل الشعارات كثيرا في ترويج خطاب العنف، وكان من أبرز آثار هذا الموقف الخادع أن انحاز هذا الإعلام إلى الإرهاب بدعوى الحياد، لكن من وجهة نظر كثيرين فإنه لا توجد منطقة فاصلة بين الموقفين، فإما أن ينحاز الإعلام القطري إلى الإرهابي أو إلى الضحية.

الإعلام القطري حاول على مدى أعوام تجميل ما تقوم به التنظيمات الإرهابية من جرائم من خلال ربطها بالتفسيرات المغلوطة للدين

طرق المواجهة

يطرح مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية اقتراحات لمواجهة الدعاية القطرية، مؤكدا أن “أكثر ما يمكن أن يشكل ضربة قوية في المواجهة الراهنة مع الإرهاب والمشروع الإعلامي للجزيرة، هو إقرار الدول الأربع الكف عن الاستمرار في خوض حرب لا متماثلة تفرضها عليها الجزيرة، لأن أكثر ما ترغب به الجزيرة وقطر هو خوض معركة بنفس أدواتها الإعلامية، لأن نتيجة هذه المعركة ستكون لغير مصلحة دول المواجهة.

ويذكر تقرير لمركز القاهرة “سوف يكون من قبيل الكذب على الذات إنكار أن هناك قواعد وتكوينات مجتمعية متعاطفة مع الإخوان وقطر في الدول الأربع، ومصر والسعودية تحديدا، وهؤلاء هم بمثابة حواضن جاهزة لا تبذل قطر وجماعة الإخوان المسلمين أي جهد لاجتذابها”.

وطالما لم يتغير الواقع فسيستمر “سلطان الأكذوبة” الذي ترسخه الجزيرة عن سلطات سياسية، قد تكون معذورة فعليا، ولكنها تظهرها كسلطات باطشة وجبارة بتأثير عوامل الفساد الداخلي الفعلي أو محدودية القدرات.

إن إدارة المواجهة على نفس الأرضية، وبنفس قواعد قناة الجزيرة، ستنتهي بالهزيمة. فالأساس لكسب هذه المعركة هو تجاهل الفلك الذي تدور فيه الجزيرة وقنوات الإخوان كله من المعارك، والذي يفرض ستارا دكتاتوريا على العقل ويؤسس للهوس الإعلامي المشحون بالكراهية والتحريض في عقول الناشئة، والتحرك في فلك وفضاء إعلامي جديد خصب وذي خيال مفتوح، يحرر العقل من سلطان خطاب الجزيرة وإعلام الإخوان، وهو ما يتطلب التوافق مع خطط حكومية تستهدف تغيير المزاج العام وفرض نوعية جديدة من قضايا الجدل الداخلي، لتتجه المجتمعات إلى ثقافة الحياة والاقتدار والعيش بدلا من الثقافة العدمية والمزاج الاستشهادي البائس.

18