الدعاية السوداء للإخوان.. تقوّي النظام المصري وتضعفهم

الطريق السوداوي الذي يسلكه الإخوان لم يقد إلى النتيجة المرجوة التي كانت أملهم لتحقيق أطماعهم في ظل إصرار النظام المصري على تصنيف الجماعة في خانة الإرهاب.
الأربعاء 2020/07/01
أحلام زائفة

لم تكل أو تمل قيادات جماعة الإخوان من تبني كل ما هو سلبي حقيقي أو مفتعل ضد النظام المصري، وبلغ هذا الموقف درجة لم يتصورها كثيرون للمكايدة السياسية، حيث تبنت أبواقها الإعلامية الرؤية التركية بالكامل في ليبيا، وشجعت على المزيد من التدخل وضبط الأوضاع بما يتلاءم مع مصالح التيار الإسلامي، وفي قلبه إخوان ليبيا، وكل الميليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية القادمة من سوريا.

كالت الاتهامات لمصر على ما وصفته بالتدخل العسكري والسياسي في شؤون ليبيا، ولم تعر أدنى اهتمام لما تمثله هذه الدولة الملاصقة للحدود من أبعاد إستراتيجية للأمن القومي المصري، واستخدمت أوصافا تحريضية تدفع إلى إبعاد القاهرة بالقوة عن الفرقاء الليبيين، وهو ما يؤكد تقدم المصالح الأيديولوجية على الوطنية في أجندة الإخوان على الدوام، فالمسلم الماليزي (أو التركي) كما قال مرشدهم السابق مهدي عاكف، أهم من المسيحي المصري، وهو الذي لا تهمّه مصر وشعبها ووحدته.

فتحت أزمة سد النهضة الإثيوبي طاقة سلبية جديدة لدى جماعة الإخوان، حيث استخدمتها في المزيد من التكسير السياسي لعظام القاهرة القوية، وجرفت معها عدم اكتراث بالأمن المائي وحيويته للشعب، وتبنت رؤى قريبة من وجهة نظر أديس أبابا لإظهار النظام كأنه يفرط في الحقوق، وهي تعلم أن هذه النتيجة سوف تكبد البلاد خسارة كبيرة، فلا يهم عندها الحجم والقيمة، فالمهم أن يوحي التعامل الرسمي بالعجز وعدم القدرة على صيانة حقوق المواطنين.

انتقلت المسألة إلى مربع أشد قتامة خلال الأيام الماضية، عندما فضحت بعض التقارير الإعلامية تشكيل لجان إلكترونية إخوانية منظمة، تشرف عليها قطر، تعمل بالتعاون مع أخرى إثيوبية لأجل الانتصار لموقف أديس أبابا في ملف المياه، والتشويش على الموقف المصري، ومحاولة تفريغه من عدالته وقانونيته.

لجأت في هذا الإطار إلى التسخين السياسي، وترديد عبارات وألفاظ ومصطلحات تشير إلى أن القاهرة ستوجه ضربة عسكرية لسد النهضة، ما يرسخ في أذهان الإثيوبيين صورة سلبية عن النظام المصري، تجبرهم على التعامل معه بطريقة متشددة، وتمكن الحكومة هناك من تبني رداء الاضطهاد والمظلومية على الطريقة الإخوانية.

حيوية مع الأزمات

جماعة الإخوان أخفقت فعلا في إسقاط النظام المصري
جماعة الإخوان أخفقت فعلا في إسقاط النظام المصري

تطرب جماعة الإخوان مع كل أزمة داخلية أو خارجية تواجهها القاهرة، وتسعى إلى الاستفادة منها لتبرير استمرار معارضتها، وتنفخ فيها بشكل مثير للانتباه من دون أن تتحرى دقتها، أو تبدي رغبة في التراجع عنها بعد ثبوت عدم صحتها، وتم ضبطها في مواقف كثيرة تلجأ إلى توظيف فيديوهات غير مصرية على أنها التقطت داخل مصر، أو عرض صور قديمة في مواقف مغايرة ويتم تسويقها على أنها حديثة.

تعلم قيادات الجماعة أن هذه الوسائل ضالة ومزيفة، ومع ذلك تستخدمها ضمن أسلحتها السياسية لاستقطاب الفئات الناقمة، والمتضررة من الإصلاحات الاقتصادية التي تبناها الرئيس عبدالفتاح السيسي، والتي ترتبت عليها مشكلات اجتماعية حادة، وتعمل لأجل تعميم المشاهد السوداوية كرسالة إخوانية لا تتوقف، فهي وسيلتها الوحيدة للانتقام من المؤسسة العسكرية التي أيدت تحركات شريحة كبيرة من المواطنين لعزل نظام الإخوان.

مرت سبع سنوات على الثورة الشعبية ضد الإخوان في 30 يونيو 2013، ولم تمنح جماعة الإخوان نفسها فرصة للمراجعة السياسية والاعتراف بارتكاب أخطاء قاتلة، ولا تزال تصر على نهجها، كأن هذه السنوات ليست كافية لإعادة النظر في مسلماتها التي كبدتها خسائر باهظة، وربما تمر سنوات أخرى، أكثر أو أقل، ولن تتراجع قيادات الجماعة، بذريعة الثبات على المبدأ والتمسك بالثوابت، لكن الحقيقة أن الانتقال لمربع إيجابي ستكون نتيجته أكثر كلفة من المربع السلبي.

يضفي الأخير عليها حراكا وحيوية وزخما، ويشعر كوادرها أنهم ينتمون لجماعة فاعلة، يمنحهم أملا بأن الجهود السابقة لن تضيع هباء، فطالما النظام المصري يقع في أخطاء، حتى لو كانت متخيلة، فنهايته اقتربت، حتى لو كان التبشير بذلك مضت عليه كل هذه السنوات.

لا تزال هناك فئات إخوانية تعتقد أن “بكره (غدا) العصر مرسي سيعود إلى القصر”، وهو الشعار الذي أطلقه أتباع الجماعة عندما جرى عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي في 3 يوليو 2013، ومات مرسي ولم تمت الفحوى التي تضمنها الشعار، فهو القشة التي يتعلقون بها.

تدرك قيادات الجماعة أن اللحظة التي تعترف فيها أنها ارتكبت أخطاء وندمت عليها وتريد تصحيح المسار وتحويله من السلبية إلى الإيجابية سوف تواجه تحديات داخلية عاصفة، ربما تصل للمزيد من التفكك، فأن تُتهم بالتمسك بمواقفها مهما كلفتها من خسائر خير من أن تُتهم بالتخلي عن المبادئ وبث الإحباط في نفوس أشخاص يضفون العصمة على القيادات.

تظل فكرة التعلق بالأمل والحلم مؤثرة في هياكل الجماعة، لتحميها من الانزلاق في أتون تشرذم كبير لن يكون بعيدا عنها عندما تقدم على خطوة تظهر الحقيقة عارية أمام منتسبيها، الذين يعلمون حجم الكذب ويصرون عليه، فالتخلي عنه يؤدي إلى انهيار الجماعة، وهي تعتبره نوعا من التقية ويمكن استخدامه طالما تحصل من ورائه على مكاسب سياسية.

أيديولوجية وانتهازية

انسحقت قيادات الجماعة وراء مغامرات تركيا وقطر، لأنهما يمثلان عونا لوجستيا لها، ولم يتجرأ أحد فيها على توجيه كلمة انتقاد واحدة لأنقرة أو الدوحة، لأن دعمهما حاجة مصيرية في مواجهة النظام المصري، وإذا اعتبرنا البعد العقائدي يعكس انتهازية لدى هذه الأطراف، فإن المكون السياسي والاقتصادي يظل هو الرابط بينهم.

يعي التنظيم الدولي للإخوان أن اللحظة التي تشهد فيها القاهرة وكل من أنقرة والدوحة وقفة لصالحة أو تسوية للملفات الخلافية، ستترتب عليها تضحية بأجسام الإخوان المتواجدة في البلدين، لأنها جزء من العقدة والحل، ويسعى هؤلاء حثيثا للعزف على الأوتار السلبية لتثبيط همة النظام المصري وشغله بمشاكل جانبية، وإيجاد هالة معنوية سلبية يصعب محوها بسهولة.

تقتنع الجماعة أن طريقها السوداوي، المسلح والسياسي، لم يقد إلى النتيجة المرجوة، لكنه أبقاها في دائرة الضوء، وأوحى لكثيرين أنها رقم مُعتبر في المعادلة المصرية، سواء قبل بها النظام الحاكم رسميا أم رفضها، ففي توقيت معين يمكن أن يمثل هذا الاتجاه ضغطا على الداخل، أو يجلب تعاطفا كبيرا من الخارج، فتضطر القاهرة إلى التسليم بفكرة المساومة.

تبدو هذه اللحظة بعيدة حتى الآن، في ظل إصرار النظام المصري على تصنيفها في خانة الإرهاب وعدم إظهار أية مرونة لتغيير هذا الموقف أو تليينه، غير أنها تعي أنها لا تزال الرقم المحوري في التوازنات الداخلية، لعدم وجود قوى سياسية قادرة على سد الفراغ الذي خلفه تقويضها على المسرح المصري.

جماعة الإخوان وفرت للنظام المصري عناصر قوة جديدة وأصبحت انعكاساتها شديدة الوطأة بما يصعب على كوادرها تحمله  وهو ما يجبرها على القيام بانعطافة حادة تخل بمكونات المعادلة السوداوية

فهمت أن استمرار وجود الكثير من قياداتها في السجون طوال هذه المدة وتجميد تنفيذ أحكام الإعدام التي صدرت بحق بعضهم، يحمل رسالة ضمنية بالخوف من التداعيات السياسية للإقدام على هذه الخطوة، ويعني أن فرصة التفاهم ليست منعدمة تماما، وكلها أسباب تشي بأن المنهج السلبي أحرز أهدافا أكثر من المتوقع، بالتالي من المحتمل أن تقود مواصلة الطريق فيه إلى مكاسب رمزية تغني عن فكرة الاشتباك الإيجابي.

كما أن رفع هذا السيف على رقبة النظام المصري يمكنه من تأجيل استحقاقات سياسية بلا ضجيج، ويساعده على تيسير امتصاص الناس لتكاليف الإصلاح الاجتماعية، الأمر الذي فهم منه البعض أن المباراة بين الإخوان والقاهرة ليست صفرية، وربما لا تخلو من سرديات غير مباشرة لدور كل طرف، حيث تحقق لعبة شد الحبل أو الصعود إلى حافة الهاوية فوائد للجانبين، وكلاهما يوظفها بالشكل الذي يمنحه قوة ويمكنه من تحقيق أهدافه.

لذلك سوف تبقى الأزمة لفترة من الوقت كي تتغير القواعد التي قامت عليها، أو تقرر جماعة الإخوان القيام بانعطافة حادة تخل بالمكونات الظاهرة التي تقوم عليها المعادلة السوداوية، لأنها أخفقت فعلا في إسقاط النظام المصري، بل وفرت له عناصر قوة جديدة، وأصبحت انعكاساتها شديدة الوطأة بما يصعب تحمله من قبل كوادرها.

13