الدعم الحكومي يرهق الاقتصاد التونسي ويربك الموازنة الاستثمارية

الجمعة 2015/01/23
الفقراء لا يحصلون سوى على 20 بالمئة من أموال الدعم الحكومي

تونس – تؤكد الإحصاءات الرسمية أن طبقة الأغنياء في تونس هي الفئة الأكثر انتفاعا من أموال صندوق الدعم الحكومي، الذي أنشئ في الأصل لدعم ذوي الدخل المحدود، ليتحول في الوقت ذاته، إلى عبء يثقل كاهل الاقتصاد التونسي المتعثر ويربك موازنة التنمية الاقتصادية.

تصاعدت مطالب خبراء الاقتصاد التونسيين بضرورة إصلاح منظومة الدعم في البلاد، ووصلت أحيانا إلى المطالبة بإلغاء برنامج الدعم بالكامل، معللين ذلك بأن أكبر المستفدين منه، هم الأثرياء والشركات العامة والخاصة والمهربون وتجار السوق السوداء.

وقال بعض المحللين إنهم يقفون عاجزين عن فهم المفارقة العجيبة في صندوق مخصص للفقراء تذهب معظم أمواله إلى الأغنياء.

وأضافوا أن الدعم الحكومي الذي يطلق عليه “صندوق التعويضات” وجد طريقا في النظام الاقتصادي التونسي قبل عقود، ليستمر إلى يومنا هذا رغم اختلاف الظروف والأهداف التي أنشئ من أجلها.

وكان محافظ البنك المركزي التونسي الشاذلي العياري، قد وصف صندوق الدعم في تصريحات سابقة للصحافة المحلية، بأنه ورم سرطاني خبيث، نشأ صغيرا وتضخم مستنزفا موازنة الدولة.

بينما يرى حسين الديماسي وزير المالية السابق أنه “وباء ينخر موازنة الدولة يجب التخلص منه تدريجيا”.

ويجمع الاقتصاديون التونسيون، أن الصندوق أصبح عبئا على الاقتصاد المتعثر، ومربكا لموازنة التنمية وللموازنة العامة، في ظل تراكمات مرحلة ما بعد الثورة، وفي ظل ما خلفته الحكومات التي قادتها حركة النهضة الإسلامية منذ عام 2011 من مشاكل اقتصادية وسياسية واجتماعية.

ويقول الخبير الاقتصادي التونسي عزالدين سعيدان “إن صندوق الدعم يقتل الاقتصاد وهو أكبر عدو للطبقات الفقيرة، لأن المستفيدين منه هم الأغنياء وكبرى الشركات الحكومية والخاصة، وهي مفارقة تستدعي مراجعة منظومة الدعم”.

وتشير تقارير رسمية إلى أن نفقات صندوق الدعم تضاعفت 6 مرات خلال 4 سنوات وارتفعت من نحو 600 مليون دولار في عام 2010 لتصل إلى أكثر من 4 مليار دولار خلال العام الماضي.

عزالدين سعيدان: صندوق الدعم يقتل الاقتصاد، وهو أكبر عدو للطبقات الفقيرة

ويعزو الخبراء هذا الارتفاع المفزع إلى تقلبات الأسواق العالمية وارتفاع أسعار معظم المواد الاستهلاكية المدعومة، ومنها الوقود والطحين المخصص للخبز والسكر والزيت النباتي، وهو ارتفاع مدفوع أيضا بتنامي معدلات الاستهلاك في تونس.

وتؤكد الإحصائيات أن محدودي الدخل ينتفعون بنحو 20 بالمائة فقط من الأموال المخصصة للدعم، بينما تذهب 80 بالمئة من أموال الدعم إلى الأغنياء والمقيمين الأجانب وخاصة منهم الليبيون، والشركات العمومية (الكهرباء والغاز وشركات النقل) والفنادق والمطاعم، ومحلات صنع المرطبات.

كما تشير الإحصاءات إلى تسرب جانب كبير من أموال الدعم الحكومي إلى المهربين وتجار السوق السوداء، لأن غالبية السلع المهربة إلى دول الجوار وخاصة ليبيا، هي سلع مدعومة.

ويقول السياسي والخبير الاقتصادي التونسي معز الجودي إن 70 بالمئة من الاعتمادات المخصصة للدعم موجهة إلى مشتقات الوقود، بينما يذهب 30 بالمئة فقط من الاعتمادات الإجمالية لدعم المواد الاستهلاكية، وهو خلل كبير يستوجب المعالجة.

ويرى الجودي أن معالجة منظومة الدعم تكاد تكون مستحيلة، وهي أشبه بخلع أبواب مفتوحة، وأن الحل ربما يكمن في إلغاء الدعم أصلا، مع العمل على حماية الفئات من محدودي ومتوسطي الدخل.

ويقر الخبراء الاقتصاديون بصعوبة إصلاح نظام الدعم من الناحية الإجرائية، لكنهم يرون أنها ضرورة تحتمها استحقاقات المرحلة السياسية والاقتصادية.

ويرى المعارضون لتقليص الدعم الحكومي عن المواد الاستهلاكية، أن هذا الإجراء سيعمق أزمات محدودي الدخل، وقد يثير توترات واضطرابات اجتماعية جديدة، كما حدث في عام 1984 حين رفّعت حكومة مزالي سعر الخبز، مما تسبب في انتفاضة شعبية واسعة.

الشاذلي العياري: ورم سرطاني خبيث، نشأ صغيرا وتضخم ليستنزف موازنة الدولة

وكان صندوق الدعم قد تأسس بموجب مرسوم أصدره باي تونس في عام 1945، بتوجيه من الإدارة الاستعمارية وقتها، لمواجهة ارتدادات ارتفاع أسعار الحبوب والمواد الغذائية في تلك الفترة المتقلبة.

وتم تحديد الهدف المعلن بتخفيف الأعباء عن الأسر التونسية، بينما كان الهدف غير المعلن هو قطع الطريق على أي اضطرابات اجتماعية محتملة.

وتم تطوير البرنامج ودوره لاحقا، حيث تم إرساء سياسة تخطيط للتغذية والتموين، وقد كان تحسين الوضع الغذائيّ للأسر التونسيّة ودعم القدرة الشرائية للمواطن من أبرز أهدافه.

وساعد خلال ستّينات القرن الماضي، في ضمان استقرار التضخم والأجور، في تناغم مع مرحلة بناء الاقتصاد الوطني التونسي، إلا أنه وبفعل تراكمي في تلك المرحلة، دفع نحو تضخم ناهز وقتها نسبة 6 بالمئة، وانتهجت الدولة سياسة فرض الضرائب على المحروقات لدعم الصندوق العام للتعويض.

ويقول محللون إن الخلل في صندوق الدعم التونسي تفاقم خلال سنوات حكم حركة النهضة، التي تفاقمت خلالها المتاعب الاقتصادية التونسية.

وكان صندوق النقد الدولي قد دعا نهاية العام الماضي بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي شرعت في إصلاح منظومات الدعم، ومن بينها تونس، إلى استكمال جهودها لزيادة شبكات الأمان الاجتماعي، وتنفيذ آليات لتحديد الأسعار تلقائيا وإعادة هيكلة قطاع الطاقة.

10