"الدعم السريع" قوة ضاربة يسعى البشير إلى تحجيمها

المبعوث البريطاني كريستوفر تروت بحث مع مساعد الرئيس السوداني ضرورة إجراء حوار بين الحكومة والمعارضة.
الجمعة 2018/10/12
هل يواجه مصير موسى هلال

الخرطوم - تقول أوساط سياسية سودانية إن قرار جهاز الأمن والمخابرات السوداني، بإيقاف برنامج “حال البلد” في قناة “سودانية 24” على خلفية استضافته لقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المشهور بـ”حميدتي” يكرس الترجيحات القائلة بتوجه لتحجيم هذه القوات التي باتت تشكل عبئا نتيجة تجاوزات أفرادها، فضلا عن وجود تحفظات دولية عليها.

ونشر مقدم البرنامج الطاهر حسن التوم تغريدة على موقعه في فيسبوك قال فيها “سيغيب برنامج حال البلد عن مشاهديه بسبب توجيهات صدرت من جهاز الأمن والمخابرات الوطني. وقد تم استدعائي وتبليغي بذلك”.

وكان حميدتي الذي بدا غاضبا خلال اللقاء الذي عرض ليل الثلاثاء قد وجه اتهامات للمعارضة وجهات داخل النظام بشن حملة منظمة لاستهداف قواته وتشويه صورتها.

جاء ذلك على خلفية شكاوى لسكان بعض الأحياء في العاصمة الخرطوم مصحوبة بفيديوهات عن تعرضهم لمضايقات من قبل عناصر يشتبه بانتمائهم إلى قوات الدعم السريع، من بينها إجبار الشباب على حلق رؤوسهم تحت التهديد.

ورفض حميدتي في اللقاء التلفزيوني، الاتهامات الموجهة لقواته بالتورط في هذه الانتهاكات. وقال إن جهات معارضة -علاوة على “طابور خامس” داخل النظام- تعمد إلى تشويه صورة قواته ببث تلك المعلومات.

وخص في هجومه والي شمال كردفان أحمد هارون قائلا إنه أكثر من ساهم في رسم صورة ذهنية سالبة عن القوات، في إشارة إلى مطالبته (هارون) قبل سنوات قوات الدعم السريع بالخروج من ولايته على خلفية جريمة قتل ارتكبها أحد المنتمين إلى هذه القوات.

وقال حميدتي “أحمد هارون ينبغي أن يحاكم.. ومكانه السجن وليس حكومة الولاية”.

ووفق متابعين فقد بدا حميدتي في هذا اللقاء متوترا ومرتبكا وعكست الرسائل التي مررها شعور الرجل بأنه محشور في الزاوية وأن هناك نية بوضع حد له وتحجيم قواته التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى قوة ضاربة.

وتؤكد بعض الأوساط السياسية في السودان أن قوات الدعم السريع التي شكلت أقوى ذراع أمني استند إليه النظام خلال السنوات الماضية سواء في ضرب الفصائل المتمردة، أو في قمع قوى المعارضة السياسية وترهيب المدنيين باتت مدعاة إلى قلق مراكز صنع القرار التي شكلتها.

لا يستبعد مراقبون أن يكون قرار تحجيم هذه القوة مرتبطا أيضا بوجود فيتو دولي عليها خاصة وأنها متهمة بارتكاب فظاعات في دارفور

وتشير هذه الأوساط إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بالفضائح المتكررة التي تتسبب فيها عناصر هذه القوة، بل الأمر مرتبط بالخشية من أن تسعى بعض الأطراف إلى استقطاب هذه القوة، أو أن تكون قيادتها نفسها لها طموحات للانقلاب على النظام، خاصة وأن هناك مثالا حيا على ذلك وهو تمرد قائد حرس الحدود موسى هلال (سبق وأن كان قائد الدعم السريع) حينما احتكر مناجم الذهب في جبل عامر في دارفور مصدرا قرارا بمنع أي قوات حكومية من الاقتراب منها ما اضطر البشير إلى إصدار أمر لقوات الدعم السريع بالتدخل عسكريا واعتقاله.

وقوات الدعم السريع هي في الأصل ميليشيات تشكلت خلال الصراع مع جنوب السودان تحت مسمى الدفاع الشعبي أو “الجنجويد” كما يفضل الكثيرون تسميتها وينتمي عناصرها بالأساس إلى القبائل العربية، ولعبت هذه الميليشيات دورا بارزا في الحرب الأهلية في إقليم دارفور عام 2003 ومعظم قادتها اليوم ملاحقون دوليا بسبب تورطهم في جرائم إبادة.

ولإعادة تدوير هذه الميليشيات قام الرئيس البشير في يناير من العام 2017 بإلحاقها بالمؤسسة العسكرية ولكنها ظلت تتمتع بوضع خاص. ويشير مراقبون إلى أن سعي البشير إلى تغيير الصورة الذهنية القائمة عن هذه القوة سواء داخليا أو خارجيا فشل فشلا ذريعا فضلا عن كون قيادتها الممثلة في “حميدتي” ما انفكت تتصرف وكأنها فوق أي مساءلة، وتسعى في كل ظهور إلى التسويق بأنه لولاها لانهار النظام، الأمر الذي بات يزعج كثيرا الرئيس نفسه.

ويلفت البعض إلى أن التغير المسجل حيال هذه القوة وقيادتها ليس وليد التجاوزات الأخيرة التي ارتكبت في حق مواطنين في الخرطوم، بل يعود إلى ما قبل القرار باحتوائها ضمن المؤسسة العسكرية.

ولا يستبعد مراقبون أن يكون قرار تحجيم هذه القوة مرتبطا أيضا بوجود فيتو دولي عليها خاصة وأنها متهمة بارتكاب فظاعات في دارفور. وعمد النظام السوداني خلال السنوات الأخيرة إلى تغيير مقاربته في السياسة الخارجية من أجل فك عزلته التي أثقلت كاهل البلاد اقتصاديا.

وأبدى النظام تعاونا مع القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة في العديد من الملفات منها الإرهاب ومكافحة الهجرة غير الشرعية بيد أن ذلك يظل وفق المجتمع الدولي غير كاف وأنه من المفروض إحداث نقلة نوعية على مستوى الداخل والبدء في تنفيذ إصلاحات سياسية عنوانها تحقيق انتقال ديمقراطي يستوجب إنهاء القبضة الأمنية التي تتجسد في قوات الدعم السريع.

وبحث المبعوث البريطاني الخاص لدولتي السودان وجنوب السودان كريستوفر تروت الخميس مع مساعد الرئيس السوداني فيصل حسن إبراهيم ضرورة إجراء حوار سياسي بين الحكومة والمعارضة في السودان، في إطار خارطة الطريق الموقعة في أديس أبابا.

وكان النظام وقادة تحالف “نداء السودان”، قد وقعوا في العام 2016 بالعاصمة الإثيوبية، على خارطة طريق للسلام، دفعت بها وساطة أفريقية رفيعة المستوى، بيد أن التفاوض على الخارطة انهار بين الحكومة والتحالف، في أغسطس، من العام نفسه.

2