الدعوات تتعالى في تونس للمطالبة بحوار وطني شامل

صراع الرئاسات الثلاث يعبّد الطريق لتغيير الحكومة أو تغيير النظام السياسي.
الأربعاء 2020/05/20
ضبابية الاتجاهات

تعالت الأصوات المنادية بإقامة حوار وطني شامل يجمع مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين في تونس، في ظلّ أزمة سياسية تجسدت في توتر العلاقة بين الرئاسات الثلاث وداخل التحالف الحاكم نفسه، فضلا عن تعمق الأزمات الاجتماعية والاقتصادية مقابل الفشل في إدارتها وغياب تحمّل المسؤوليات.

 تونس – تكشف الدعوات المطالبة بإقامة حوار وطني شامل عن نوايا الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية في تغيير النظام البرلماني القائم، الذي خلق أجواء سياسية مرتبكة تغذيها الصراعات والمصالح، علاوة عن أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة في وقت تواجه فيه البلاد كوفيد – 19.

ودعا النائب الثاني لرئيس مجلس نواب الشعب طارق الفتيتي إلى تنظيم حوار وطني شامل في تونس يجمع الرئاسات الثلاث والمنظمات الوطنية الكبرى والأحزاب السياسية، إثر وجود تجاذبات غير مسبوقة واحتقان اجتماعي يمكن أن ينفجر في أي لحظة.

وقال “إنّ التوتر في العلاقة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان لا يُحلّ بمأدبة غداء وهو أعمق وأكبر من ذلك بكثير”.

وأضاف الفتيتي “تونس لا تحتمل هذه الأوضاع ويجب العودة إلى الحوار الوطني.. أشعر أننا عدنا إلى أجواء العام 2012.. عدنا إلى التكفير والسب والشتم وعادت الأيديولوجيا وعدنا إلى الاستقطاب الثنائي.. يجب تنظيم حوار وطني في تونس يجمع الرئاسات الثلاث والمنظمات الوطنية الكبرى والأحزاب السياسية”.

طارق الفتيتي: أشعر أننا عدنا  إلى أجواء 2012 عدنا إلى التكفير والشتم
طارق الفتيتي: أشعر أننا عدنا  إلى أجواء 2012 عدنا إلى التكفير والشتم

ويجمع خبراء القانون الدستوري على أن النظام السياسي الذي أسسه دستور 2014 في تونس جاء على مقاس حسابات أحزاب سياسية سعت لضمان موطئ قدم دائم لها في الحكم إلى جانب عدم تحملها مسؤولية أي فشل حكومي والركوب على أي نجاح يتم تحقيقه.

وتغرق تونس في أزمة سياسية بما في ذلك داخل التحالف الحاكم والأزمة بين رئاسة البرلمان ورئاسة الجمهورية، إلى جانب الأزمة الاجتماعية والوضع الاقتصادي اللذين زادت جائحة كورونا من تعميقهما.

ويبدو أن احتدام الصراع السياسي حاليا في تونس ينبئ بتفجّر الأوضاع في كل حين بسبب تعنّت بعض الأطراف، وهو ما يستدعي ضرورة تنظيم حوار وطني ينتهي بتغيير النظام السياسي وتغيير الحكومة، مثلما جرى في آخر عهد النهضة بتنازلها عن الحكومة وتشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة مهدي جمعة.

بدوره، دعا رئيس حركة مشروع تونس محسن مرزوق الرئيس سعيّد لطرح حوار وطني لتغيير النظام.

وقال في حوار لإذاعة محلية خاصة، “الجمهورية الثالثة هي الحلّ وتغيير النظام السياسي ضرورة ورئيس الجمهورية تحدث عن سحب الوكالة والاستفتاء الأمر الذي جعله يتعرّض لهجمة شرسة”.

وكانت تونس قد شهدت تنظيم الحوار الوطني في العام 2013 في آخر عهد حكومة الترويكا برئاسة حركة النهضة أفضى في نهاية الأمر إلى تنازلها عن الحكومة وتشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة مهدي جمعة وذلك بعد أن فشلت الترويكا في إدارة شؤون البلاد كما أن فترة حكمها راكمت الأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ما كان دافعا قويا لتنظيم الحوار الوطني الذي رعاه الرباعي الفائز بجائزة نوبل للسلام في العام 2015.

ويعرف المشهد السياسي جملة من المشاحنات والمناكفات خصوصا تحت قبة البرلمان، فضلا عن توتر العلاقة بين الرئاسات الثلاث وتمسك أطراف بعينها بتغليب مصالحها الحزبية والأيديولوجية خدمة لأجنداتها.

صراع متنامي
صراع عميق

وكشفت التصريحات الأخيرة للرئيس التونسي قيس سعيّد المنتقدة لأداء مجلس نواب الشعب توتّر العلاقة بينه وبين رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، وهو ما يرفع حجم الخلافات بين رأسي السلطة، في وقت تطالب فيه أطراف بعينها إلى إعادة توزيع الأدوار من جديد ورسم خارطة سياسية مختلفة.ودشّنت حركة النهضة الخلافات بين الرئاسات الثلاث (الجمهورية والحكومة والبرلمان) عندما قدم رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان راشد الغنوشي توصيات بشأن كيفية مواجهة فايروس كورونا اعتبرها رئيس الجمهورية قيس سعيّد تدخلا في صلاحياته ودعا حينها في رسالة غير مباشرة للغنوشي إلى “احترام صلاحيات كل طرف”.

ولوّح سعيّد، الذي صوت له ثلاثة ملايين ناخب، بدفع الشارع إلى سحب وكالته للبرلمان، في حركة رمزية لإظهار أن النهضة، القوة الأولى في البرلمان والمتحكمة في مساره ونقاشاته ولجانه ومشاريع قوانينه، لا تمتلك شعبية ولا تصمد أمام حماس الناس لأفكاره وبرامجه الهادفة إلى إحداث تغيير شامل يبدأ من الأسفل، من الشعب، من الأحياء المهمشة والقرى الفقيرة، ليؤسس حكما شعبيا بديلا للنظام البرلماني الهجين.

وسبق أن التقى الرئيس سعيد بالغنوشي وبرئيس الحكومة إلياس الفخفاخ في قصر الرئاسة بقرطاج، بعد مرحلة برود خلال فترة أزمة كورونا والتي تتطلب تضامنا بين التونسيين على اختلافهم.

وبعثت رمزية اللقاء بين رأسي السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، بعد ما تم تسجيله من خلافات سياسية بينهما وتنافس واضح على قيادة البلاد وتنازع مكشوف على الصلاحيات، رسالة إلى التونسيين بضرورة وضع الخلافات جانبا وتوحيد الصفوف في الوضع الراهن. ولم يفوّت سعيّد الفرصة ليحجّم دور منافسه المستتر، الغنوشي، الذي لا يهدأ له بال بدوره لاقتحام جميع مجالات الحكم من مختلف أبواب الظهور والحضور السياسي حتى خلال فترة الأزمة.

وذكّر سعيّد عبراللقاء، البرلمان بضرورة احترام كل سلطة لاختصاصها ومجال عملها ردا منه على الحراك السياسي والاتصالي المكثف للغنوشي والذي كشف عن تطاول على صلاحيات السلطة التنفيذية.

وأضحى المشهد البرلماني والسياسي في تونس عموما ضبابيا، إذ بات محلا للاعتصام وفضاء لفرض الأجندة السياسية والحزبية وليّ ذراع القانون، وهو ما يطرح مدى استمرار المشاحنات والتجاذبات حول السلطة في النظام السياسي في البلاد. كما يطرح مدى احترام النظام الداخلي للمجلس، وتنامي هواجس الأحزاب ومشكلاتها الضيقة وخلافاتها الشخصية وتوظيف الأجندات في تصفية حسابات سياسية وحزبية وإيديولوجية.

وانخرطت المنظمات الكبرى بالبلاد في المواقف المطالبة بتغيير النظام السياسي، حيث أعلن الأمين العام لاتحاد الشغل نورالدين الطبوبي دعمه إجراء استفتاء شعبي لتغيير النظام السياسي في تونس.

ويعد هذا الموقف اصطفافا خلف الرئيس سعيّد، في مواجهة تغول النهضة، أكبر المتحمسين لتغيير النظام السياسي الذي حمله مسؤولية الفشل الحكومي.

4