الدكتاتورية صاحبة الظل الطويل

الثلاثاء 2015/08/18

شكلت الدكتاتورية والقيادة الفردية سمة أكيدة لأنظمة الحكم في الدول العربية، حيث تمت قيادة هذه الدول وفق توجهات الحزب، أو الفرد الحاكم، أو الأسرة الحاكمة، وإن بعض هذه الدول العربية حكم بأكثر أنواع الفردية والدكتاتورية طغيانا، وأكثرها إهمالا لكرامة الإنسان وتفكيره.

بعيدا عن تصنيف أنظمة الحكم، أخذ مفهوم الدكتاتورية الحيز الأوسع في مجتمعاتنا المحكومة بحالة الجهل والتعصب، وتم إلصاق هذه الصفة بالحاكم المستبد بشكل حصري مع إهمال أن الدكتاتورية ليست حكرا على القادة، إنما هي صناعة يخلقها النمط الاجتماعي الذي يخطّه الأفراد في طريقة تعاطيهم مع حريتهم الفردية داخل الجماعة، مما يجعلهم أفرادا مستعبدين مملوكين ومسيطرا عليهم داخل حلقة مفرغة تضرب جذورها في بنية الوعي الإنساني وتندمج في مكونات الخلية الأولى وسيادة نمط العائلة الأبوية البطريركية، حيث الأب كلي القدرة “أب دكتاتور، ابن مقموع يتحول إلى دكتاتور آخر في أسرته الخاصة”، التي تولد نمطية التبعية الفردية للأقوى وتمنع الإحساس بالتميز والاستقلالية والمطالبة بالحقوق. وتستمر الحلقة ضمن متواليات أكبر تحددها التيارات الفكرية السائدة فيها، سواء أكانت تيارات دينية، أم أعرافا اجتماعية.

هذه البنية التي تتسم بها الغالبية الكبرى من أفراد المجتمع تساهم في تكوين الدكتاتورية وإنتاجها ونمو الوعي الفردي في بيئة مبرمجة على عدائها للحرية، تنتج عنها بنية مركبة تتزاوج فيها العبودية والاستبداد لتقدم شكلا متكيفا مع كارثة الطغيان في أرفع مستوياتها، فلا المجتمع يستطيع النهوض من سباته، ولا الحكام يتركون عروشهم.

هذه التوليفة من الجاهزية المجتمعية للقبول بالدكتاتورية وإعادة إنتاجها، تؤدي بعد مرحلة الاستبداد إلى تشظي المجال السياسي الناتج عن غياب نقطة التوازن المركزية، وإلى تنوع الدكتاتوريات، واستيلاد العنف، باعتبارها المصدر الأخير في الدفاع عن الوجود، وهذا ما كان سببا في إغراق بعض الدول، كالعراق وليبيا وسوريا، في حالة العنف المعمم على كافة الشرائح التي تم تفريغها من أي قوة ضامنة لقيادة التحولات، تستطيع وضع التصورات لإعادة بناء الدول كمؤسسات يقودها القانون.

وإن غياب هذه القوى التي تمتلك القدرة على الاستجابة للتحديات ومعالجتها على مستوى التعاطي مع المخيلة الشعبية والسياسية والدينية والاقتصادية، في سوريا مثلا، لم يقدم سوى نماذج معارِضة تتبع النسق الديكتاتوري القائم في نظرتها وطريقة تعاطيها مع الشعب، خصوصا المعارضات التي اتسمت بالطابع الديني والمذهبي، أو التي ارتهنت للخارج، وذلك نتيجة وحدة المجال المجتمعي الذي تنتمي إليه السلطة والمعارضة معا من جهة، باعتبارهما تعبيريْن يحملان إمكانية التضاد والتكامل ضمن المجال السياسي المجتمعي من جهة أخرى، فالسلطات المستبدة تنتج في معظم حالاتها معارضات من نوعها، مع اختلاف درجة الاستبداد في كل منهما، بحيث تبقى الدكتاتورية الفائز الوحيد باعتبارها حالة تتعدى النظام الحاكم السياسي والقانوني والديني لتصل إلى النمط الاجتماعي، ما لم تستطع هذه المعارضات إنتاج تحول في الوعي والممارسة ينتزعها من الارتهان للفكر الاستبدادي والعقل العنفي. التخلص من الدكتاتورية لا يعني فقط إسقاط الحاكم بقبضته الحديدية، فهو مجرد ناطق باسمها، إنما يوجب التخلص من ظلها الطويل الذي يحجب إمكانية البناء الحضاري.

كاتبة ورسامة سورية

9