الدكتاتور العادل وحديث الخيمة في مجتمع معولم

الخميس 2016/07/14

لم يشكل سقوط الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في العراق إيذانا بسقوط الفكر الذي أفرز الدكتاتورية العربية، أو تبشيرا بولادة وعي عربي جديد يرفض تأليه الأشخاص وينبذ عبادة الزعيم، وعي يحضّ على إقامة مجتمعات ديمقراطية تواكب المتغيرات التي تشهدها المنطقة على جميع المستويات، ويعمل على تغيير الكثير من المفاهيم التي لازمت العمل السياسي العربي، إذ أنه بعد مضي أكثر من 13 عاما على تلك الحادثة، أعلن كاظم حسن الجبوري، الذي انهال بالمطرقة على تمثال صدام حسين، ندمه على تحطيم التمثال، وتمنى عودة الدكتاتور، وفي تقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية في 10 أبريل 2016 تحدثت فيه عن الحنين لعودة صدام، وأن هذا الحنين لا يقتصر على البعثيين أو المستفيدين من النظام الدكتاتوري.

حالة الإحباط طالت العديد من الأوساط العراقية نتيجة الأوضاع السياسيّة المضطربة، كالفساد وانعدام الأمن ونقص الخدمات في ظلّ النظام السياسي الحالي، وازدياد سفك الدماء تحت شعارات طائفية باتت مدعاة للمقارنة بين عهدين مع أرجحية للاستبداد والاستبداديين، وهذه المقارنة تنطبق، بشكل أو بآخر، على مناطق الصراع التي سادت بعد تسونامي الثورات، الذي ما كان ليحدث لولا التطور وثورة المعلوماتية. فالانتقال من الحالة الثورية ومعاداة الدكتاتورية والمطالبة بالحرية والعدالة والكرامة الاجتماعية، نحو هاوية القتل وما أفرزه الواقع من حقائق تجافي مطالب الحراك الشعبي وتبتعد عن أحلام وتطلعات المواطن معيشيا وحياتيا، أفقد الثورة قيمتها خصوصا أنها لم تفض إلى تغيير سياسي أو اجتماعي أفضل يساهم في دفع المواطنين إلى العمل نحو استكمال التغيير.

وبالنظر إلى الحالة السورية والمناطق المحررة، فإن الواقع والممارسات تشير إلى بروز دكتاتوريات بالجملة تمارس سلطتها تحت غطاء الثورة أو الدين أو الوطنية أو المذهب والطائفة، فالدكتاتورية الكامنة في أي منظومة فكرية، أديانا أو أيديولوجيات، لن تشكل بديلا صالحا نحو الخلاص، والضامن لمواجهتها هو يقظة الشعب ونخبه وحرصه على ألا يظهر ديكتاتور سواء كان فردا أو طبقة أو جماعة.

الحنين لعودة الدكتاتورية، أو إعادة إنتاج دكتاتوريات جديدة في مناطق عديدة من دول المشرق العربي، عدا عن كونها تمثل تهديدا لأي فكرة ديمقراطية أو دستورية أو مؤسساتية، يدل على مدى تغلغل هذه الثقافة في قلب المجتمعات، وأن معاناة العديد من الدول العربية من حكم الفرد وتسلّطه وما كرسته الدكتاتوريات من تشويه للواقع ولرغبات الشعوب، لم تنتج فكرا مضادا يرفض كل أشكال الدكتاتوريات، فهذه الشعوب التي انغمست داخل قوقعة الولاء المبطن بالخوف، تشبّعت بثقافة التسلّط القادرة على تجديد فكرها وتمجيد أركانها من رموز وقادة، والتي تحاكي المخزون الشعبي الواسع الذي ورثته هذه الشعوب من المجتمعات الزراعية الرعوية التي رُهنت بالتبعية لصاحب الأرض وشيخ العشيرة ونمط الأسرة البطريركية، والتي كانت بمثابة توصيف للحاكم العادل أو الدكتاتور العادل الذي يحقق العدالة بقوة القهر والسلطة، ويشكل بديلا عن حالة الإغراق بالفوضى والقتل العشوائي، وتحاكي انتظار خروج المسيح المخلص أو المهدي المنتظر لقيادة انتقام المظلومين ضد الظالمين، والتي تحمل شحنات مكثفة من مفهوم الدكتاتور العادل.

رياح الفشل والعجز وانعدام المؤسسات، وضعف الوعي السياسي، وسيطرة الفكر الديني المخيّمة على مناطق من الشرق العربي التي حكمتها طويلا أنظمة تسلطية وشمولية، أعادت إلى الأذهان الحنين نحو الدكتاتورية باعتبارها حاجة ماسة إلى السلم الأهلي، وتجاهلت أن بذورها القاتلة هي من حضّرت التربة لحصاد الشوك الحالي المتجلي بميليشيات القتل المتطاحنة التي تقدس الانتقام. وسبل الخلاص المسدودة أيقظت الرغبة العميقة في تولي حاكم عادل زمام الحكم، إلا أن ما شهدته الحضارات القديمة منذ حمورابي وشرائعه التي نظمت البشر في سالف العصر ما عاد يليق بالمؤسسات الحضارية الحديثة، وسيبقى الدكتاتور العادل لدى الجماهير الباحثة عن أمانها حلما مستحيلا لا يتجاوز حديث الخيمة في مجتمع معولم.

كاتبة ورسامة سورية

9