"الدكتور بيانات" يشخص المرض أسرع من الطبيب

مستقبل الذكاء الاصطناعي لتطوير أفكار تساعد المرضى على اتخاذ إجراءات وقائية وتساعد الأطباء والعلماء على تطوير علاجات مشخصنة أكثر.
الأحد 2018/12/30
الذكاء الاصطناعي مفتاح النمو والازدهار

يشهد العالم نموا وتطوّرا كبيرين في مجال الذكاء الاصطناعي على كافّة أصعدته، ورغم الكثير من الأسئلة التي تحوم حول هذه الثورة وتأثيراتها على مستقبل البشرية، وسط قلق من سيطرة هذا الذكاء على البشر ومن تحول سيناريوهات هوليوودية إلى وقائع معيشية وحدوث انقلابات شاملة تغيّر حياة البشر خلال العقود المقبلة، إلا أن من بين ثنايا هذه الحيرة تطلّ زوايا وهي تلك المتعلقة أساسا بمجال الصحة والأمراض، وهو ما يبشّر به مستقبل الذكاء الاصطناعي لتطبيب جراح استعصت على “الطب البشري” وإعادة ما أتلف من أعضاء نتيجة سكتة دماغية أو خطأ طبي بشري وإصلاح أعطاب تسببت بها حوادث.

أولريكه فون ليشتشينسكي

برلين – لم يعد الذكاء الاصطناعي في المستشفيات خيالا علميا، في عصر “الدكتور بيانات” الذي يتوقع أن يساعد على إنقاذ حياة البشر الذين يتعرضون لخطر السكتة الدماغية، ضمن مشاريع واعدة تستفيد من الثورة في مجال الذكاء الاصطناعي لتطوير أفكار تساعد المرضى على اتخاذ إجراءات وقائية وتساعد الأطباء والعلماء على تطوير علاجات مشخصنة أكثر.

عندما يبدأ العام العلمي 2019 بالتركيز على الذكاء الاصطناعي، فسيتحدث عالم الطب عن قضايا من قبيل: ما الذي تستطيعه أجهزة الكمبيوتر، وما هو المجال الذي يظل فيه الأطباء بلا بديل؟، لكن الأكيد أن هذه الثورة ستفتح أبواب آمال جديدة.

يشرف على ابتكار “الدكتور بيانات” ديتمار فري، الطبيب الألماني المتخصص في جراحة الأعصاب، مع فريق من الباحثين في مستشفى شاريتيه في برلين.

يحاول هذا الفريق إعداد أجهزة كمبيوتر تمتلك ذكاء اصطناعيا ستكون قادرة على خدمة المرضى الذين أصيبوا بسكتة دماغية.  ويؤكد فري أن “الأمر أكثر من كونه مجرد فكرة، لدينا التقنية”.

في مجال السكتة الدماغية، مثلا، يعاني ربع سكان العالم من هذا الداء القاتل، منهم نحو 270 ألف ألماني كل عام.

وتقول الإرشادات الطبية في ألمانيا إن أنسجة المخ المصابة تموت بعد أربع ساعات ونصف، ويمكن أن تؤدي الآثار الجانبية للعلاج التابع لذلك إلى المزيد من الأضرار، مثل النزيف في الرأس. لذلك، فإن الأطباء يتوقفون عن تقديم العلاج للمريض المصاب بالسكتة الدماغية، بعد أربع ساعات ونصف من الإصابة “وربما كان ذلك صحيحا من الناحية الإحصائية، ولكن ذلك ليس هو العلاج الصحيح دائما على المستوى الفردي”.

البرمجة المفيدة

يعتقد ديتمار فري أن مداوة مصابي السكتة الدماغية حتى بعد مرور أربع ساعات ونصف مجدية، وربما كان هذا التداوي غير مجد بعد ساعتين فقط، في حالات أخرى. ولكن كيف نعرف أن التداوي يصلح لهؤلاء المرضى ولا يصلح لأولئك؟

الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تقدمها غير الآلة، وفق د. فري، حيث يقول إن الكمبيوتر يستطيع أن يبحث ضمن الآلاف من الإصابات السابقة بالسكتة الدماغية ومقارنة الحالة الحالية بهذه الحالات السابقة، ليكوّن أنماطا وخيوطا يمكن أن تساعد طبيب الطوارئ عند اتخاذ قرار بشأن مدى جدوى مداواة المريض.

وإحدى وظائف الذكاء الاصطناعي، هي البحث في قواعد البيانات والكمبيوترات المدربة على البحث عن أشكال مبرمجة من الأنماط. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم الأطباء في مختلف المجالات، حسبما يؤكد فليكس نينزا، أخصائي الأشعة في المستشفى الجامعي بمدينة إيسن.

الذكاء الاصطناعي هو الموجة الأولى من الأدوات التي تسهل مهمة الطبيب. وفي غضون خمس إلى عشر سنوات سيكون هناك المزيد من الأدوات، ستتغير وظيفة الطبيب

ويؤكد أليك روس في كتابه “صناعات المستقبل”، أن الروبوتات ستفعل أشياء مستحيلة بالنسبة للبشر في المستقبل. لكن، هذا الذكاء يجدي بشكل خاص في المواضع التي يكون من الخطأ فيها الاعتماد على البشر: مثل الأنشطة المملة والمرهقة كقياس حجم الورم الخبيث، أو تخزين آلاف الملفات من النصوص والصور ومسحها.

البرمجة المفيدة فن مستقل بذاته، وينسحب هذا الأمر على الطب أيضا “فهناك حاجة لأطقم بيانات تدريب كبيرة بشكل كاف، ويجب أن تكون هذه البيانات قادرة على نسخ أوجه التباين الجديدة”، حسبما يوضح بينيديكت برورس، خبير المعلوماتية الحيوية في المركز الألماني لأبحاث السرطان بمدينة هايدلبرغ.

ويضيف برورس أنه إذا كانت إحدى حزم البيانات أصغر من اللازم، فإن الكمبيوتر لا يستطيع على سبيل المثال التعرف على الأنماط العلاجية في الحالات النادرة للإصابة بالأورام السرطانية.

ويعكف خبراء منذ عشر سنوات، بتكليف من المركز الألماني لأبحاث السرطان، على تطوير نظام للذكاء الاصطناعي من شأنه أن يظهر ما إذا كانت أورام الخلايا البدائية العصبية، وهي أورام نادرة تصيب الأطفال، عدوانية أم غير ضارة، حيث أن مداواة المصابين تتوقف على هذه المعرفة. لكن الأمر سيستغرق وقتا حتى يتم استخدام هذه الطريقة عمليا في المستشفيات، حيث يؤكد برورس أن الشروط الواجب توافرها لإجازة هذا النظام صعبة للغاية.

كنز من البيانات

حملت أجهزة حاسوب فري في مستشفى شاريتيه في برلين بالفعل أكثر من 1400 حالة إصابة بالسكتة الدماغية، وسجلت ما آل إليه مصير المرضى أصحاب هذه الحالات بأسماء مجهولة، ثم حولت هذه البيانات إلى معادلات. وهذه البيانات هي أعمار المرضى وجنسهم ووزنهم ونتائج التحاليل الخاصة بهم.

تقوم خطة فري على جعل هذا الكنز من البيانات جاهزا للاستدعاء في قسم الطوارئ، ليكون جاهزا عند قدوم مصاب جديد بالسكتة الدماغية للقسم، ويكون الأطباء قادرين على معرفة ما إذا كانت هناك أوجه تشابه بين هذه الحالة وحالات سابقة، وكيف تصرف الأطباء في الحالات السابقة، وما إذا كانت الإجراءات التي اتخذوها قد نفعت المريض.

وينتظر من الكمبيوتر أن يرد بالنتائج في غضون دقائق، وذلك حتى يستطيع الأطباء المعالجون العثور على العلاج الأفضل للمريض الذي أمامهم الآن “فليس أمام الطبيب اليوم لا الوقت ولا القدرات التي تمكنه من الاطلاع في قسم الطوارئ على جبال الملفات التي تمكنه من عقد مقارنة بين الحالة الموجودة أمامه وآلاف الحالات السابقة، ناهيك عن أن يستطيع الطبيب الاحتفاظ بهذه الحالات السابقة في رأسه وحسابها”، حسبما يوضح فري.

وفي محاولة مشابهة، يقوم الطبيب نينزا في مدينة إيسن بإنشاء قواعد بيانات للصور، يتم فيها الاحتفاظ بصور الأشعة المقطعية والأشعة السينية الخاصة بإصابات الرئة.

الكمبيوتر لا يستطيع على سبيل المثال التعرف على الأنماط العلاجية في الحالات النادرة للإصابة بالأورام السرطانية

ويقول نينزا “عندما نشاهد الصور الجديدة لهذه الإصابات، ونقف حائرين أمامها.. ربما تساعد قواعد البيانات الخاصة بالذكاء الاصطناعي في التعرف بسهولة عما إذا كانت هناك حالات مشابهة قد تم تصويرها من قبل، ونلجأ للتشخيص والعلاج الذي صدر لهذه الحالات المشابهة”.

ويخلص نينزا إلى أن “مثل هذا الذكاء الاصطناعي هو الموجة الأولى من الأدوات التي تسهل مهمة الطبيب.. وفي غضون خمس إلى عشر سنوات سيكون هناك المزيد من الأدوات، ستتغير وظيفة الطبيب، سيكون هذا التغير أكثر باتجاه دمج البيانات وتحليلها”، حسبما يتنبّأ نينزا.

لا تزال هناك آفاق أوسع للذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت الآلة قادرة الآن على سبيل المثال على استخلاص العلم المعتمد على القواعد من خطوط عريضة “ولكن الذي لا يتوفر الآن هو الإبداع أو الحدس والسليقة، في حين أن البشر يستطيعون التفكير بشكل مبدع، التفكير خارج الصندوق”، حسب برورس.

17