"الدكتور سترينج" يمزج السحر بالخيال العلمي

أفق متّسع تدور في مداه قصص الخيال العلمي، فالتتابع القصصي والانتقالات المكانية يوفران متعة في المشاهدة من جهة، ويوحيان بحرية واسعة في الانتقالات وفي السرد الفيلمي من جهة أخرى، وفي كل ذلك خروج عن النمطية السائدة في أنواع فيلمية أخرى، ولهذا أتاحت أفلام الخيال العلمي منذ بداياتها المزيد من التجارب الجديدة والتنويع على الشخصيات والأماكن والدراما الفيلمية.
الاثنين 2017/06/05
أضداد متناحرة

عملت السينما منذ انطلاقتها على منح أفلام الخيال العلمي مديات أرحب تبرز تجارب مميزة تمزجه بأجواء وقصص تتيح المزيد من الانفتاح والاتّساع والخيال المطلق والمجرّد، ومن ذلك ما نشاهده في فيلم “الدكتور سترينج” للمخرج سكوت ديركسون، وهو فيلمه الروائي الطويل الثالث، هنا يتم إدماج قصص السّحر والكثير مما هو ما ورائي في ثيمة واحدة متّسعة نحو المزيد من المتعة والاكتشاف.

أحداث الفيلم وبناؤه السردي يتركزان حول شخصية محورية ممثّلة بالدكتور سترينج (الممثل بينيدكت كيومبرباتش)، وهو طبيب جرّاح بارع ومعروف مختص بالجراحات العصبية المعقدة، والذي يتعرض لحادث انقلاب سيارته الحديثة مما يفقده القدرة على تحريك أصابع اليدين.

وبالرغم من خبرته الطويلة وجهود زملائه المتواصلة من أجل الوصول إلى حل يعيده إلى ما كان عليه، إلاّ أن ذلك لم يتحقق، ومع ذلك لا يستسلم الدكتور سترينج ويواصل البحث عن حل للكارثة التي حلّت به، وهنا سيلتقي بشخص سبق أن تعرض لحادث مروّع تسبب له في كسر عموده الفقري، ولكنّه تعافى، ليعلم منه أن المكان الذي يمكن أن يتلقّى العلاج فيه يقع في النيبال، وينطلق بالفعل إلى هناك ليتعرض حال وصوله للضرب والسرقة إلى أن يصل إلى المكان المنشود.

هنا سيلتقي داخل أحد المعابد بامرأة تلقب بـ”القديمة” (تيلدا سوينتون)، وتبدأ الرحلة العلاجية الطويلة التي أول منطلقاتها الإحساس الداخلي بالمرض أو الألم والقضاء عليه، وكذلك استحضار الطاقة الداخلية التي سرعان ما تساعده بالموازاة مع تمارين روحانية عميقة على امتلاك قدرات خارقة.

ومن هناك، يتدرج الحال بالدكتور سترينج، إثر سجالات طويلة مع المرأة القديمة وقراءة مؤلفات تتحدث عن الكون وانطماسه وانتقاله إلى أبعاد غير محتملة ولا متوقعة، وهو ما فعله بطلنا سريعا، خاصة أنه رجل العلم الذي اكتشف ما هو مهمل ومدهش وغير مرئي من خواص الطاقة البشرية.

الخوض في المجهول سيقود سريعا إلى استيلاد الخصم الكوني ممثلا في كاسيلوس (الممثل مادس ميكلسين)، أحد تلاميذ المرأة القديمة الذي خرج عن طاعتها وسرق صحائف خطيرة عن فرضية دخول الكون في الأبعاد المظلمة باتجاه الحياة الأبدية، وامتلاك طاقات سحرية هائلة. ويخوض الدكتور سترينج صراعا شاقا مع هذا الخصم تتجلى فيه قدرات خارقة لدى كلا الطرفين، وهنا ستحضر أمامنا لمسات واضحة من سلسلة أفلام “هاري بوتر” لجهة استخدام السحر الأسود و”الرجل الحديدي” و”سلسلة إيكس مين”.

وفي المقابل سيتحقق التماهي الأكبر مع فيلم “البداية” للمخرج كريستوفر نولان من حيث البراعة والإتقان في استخدام خواص المؤثرات البصرية إلى أقصاها، أو ما يعرف بـcgi، حيث حقق الفيلم مديات غير مسبوقة وملفتة للنظر جعلته يتربع على مرتبة متقدمة للأفلام الأكثر نجاحا وجودة، بما تضمنه السرد الفيلمي من مواضيع جديرة بالدراسة.

الفيلم مكتظ بالرموز والدلالات الروحانية والماورائية، في ما يخص الروح والموت وما بعد الموت وقيم الشر والخير

وإذا كان الفيلم قد بني على تلك القواعد الدرامية التقليدية بوجود قطبين للصراع وما يتطلبانه من معارك ومشاهد تقطع الأنفاس، فإنه بني سرديا على متعة اكتشاف الامتزاج ما بين الخيال العلمي والسحر إلى الحد الذي لم يقع فيه أي مشهد من مشاهد الفيلم في منطقة الترهل أو الضعف، بل كان السرد الفيلمي في تصاعد من خلال مشاهد مفعمة بالعناصر الجمالية المؤثرة، وهو ما يجعل فيلم “الدكتور سترينج” نقطة تحوّل مهمة في مسار المخرج الشاب سكوت ديركسون، وكذلك في جمالية أداء الممثلين بينيدكت كيومبرباتش وتيلدا سوينتون، حيث تكامل أداؤهما المتقن ومنح الفيلم عناصر قوة وتميّز إضافية.

حظي الفيلم باهتمام واسع من لدن النقاد، وملفت للنظر التقييم العالي الذي أفردته له صحيفة “الغارديان” البريطانية من خلال إفراد عدة تغطيات ومقالات نقدية عنه، سواء فيما يتعلق بالإبهار البصري أو فيما يخص السرد الفيلمي المتميز، وهو ما يجمع عليه النقاد بصفة عامة.

وهنا لن نكون بصدد التوقف عند قوتي الخير والشر في إطار الصراع الدرامي، بقدر البحث فيما وراء الحدث نفسه وما وراء الصراع بما تطلّبه من انتقالات مكانية بارعة وتنوّع مكاني ملفت للنظر، مع عدم إغفال دوافع الشخصية مثل العلاقة الطريفة التي تربط الدكتور سترينج بزميلته الطبيبة كريستين (الممثلة راشيل ماك أدامس) في مشاهد جمعت بين استمرار التصعيد الدرامي والحس الإنساني العميق.

بالطبع هنالك الكثير مما يجب أن يقال عن هذا الفيلم، فيما يخص اكتظاظه بالرموز والدلالات الروحانية والماورائية والحوار المشبع بالمعلومات، وما يخص الروح والموت وما بعد الموت، وقيم الشرّ والخير وكيف تتجسّد في الفيلم وتحتشد في وحدتي أضداد متناحرة، في مقابل عدم تشتيت المشاهد، بل المضي معه في ذلك الأفق المفتوح على المتعة والاكتشاف.

16