الدلال الزائد يطوي أحلام الأطفال

الخميس 2014/03/06
العلاقات الأسرية السوية وغير السوية تؤثر في شخصية الأبناء

القاهرة – قد يكون الفقر سببا في الانحراف واللجوء إلى السلوكيات الخاطئة كما يعتقد البعض، لكن نجد أيضاً أن الرفاهية الزائدة تساهم بدورها في الانحراف وخصوصاً مع غياب الرقابة والمثل العليا والانضباط في التربية.

مرحلة الطفولة هي المرحلة التكوينية الحاسمة من حياة الإنسان؛ لأنها الفترة التي يتم فيها وضع البذور الأولى للشخصية، والتي تتبلور ملامحها في مستقبل حياة الطفل وهي الفترة التي يكوّن فيها الطفل فكرة واضحة وسليمة عن نفسه، ومفهوما محددا لذاته الجسمية والنفسية والاجتماعية مما يمكنه من التكيّف السليم مع نفسه.

من الطبيعي أن يسعى الأب والأم إلى لإكثار من دلال أطفالهم وإعطائهم الحب والحنان وإلى تلبية طلباتهم، ولكن لعلم التربية رأيا آخر حول هذا الأمر، حيث أكدت الدكتورة عطيات صادق خبيرة التنمية البشرية أن هناك مجموعة من السلوكيات تؤثر في نفسية الطفل، مما يساعد على نشأته على أخلاقيات معينة قد تؤدي لانحرافه على المدى البعيد، ومنها بعض السلوكيات التي يقوم بها الآباء وقد تحمل قيم الكذب أو العنف.

وأضافت: “الدلال الزائد مع كثرة العطاء يطوي أحلام الطفل ويحد من تحقيق أي طموح لديه، لأن كل شيء يكون متوفرا ولن يشعر بقيمة بعض الأشياء، لأنه لم يرهق نفسه في الحصول عليها، وهذا ما يعرف بالعطاء المجروح، كما أن العلاقات الأسرية السوية وغير السوية تؤثر على شخصية الأبناء”.

وقد يتضمن دفاع الوالدين عن هذه الأنماط السلوكية غير المرغوب فيها ضد أي توجيه أو نقد يصدر إلى الطفل من الخارج. فالدلال يتضمن التراخي والتهاون في معاملة الطفل، وعدم توجيهه لتحمل المسؤوليات التي تناسب مرحلته العمرية، مع إتاحة إشباع حاجاته في الوقت الذي يريده هو. كما أن الدلال نوع من المبالغة في التساهل مع الطفل، بحيث يستجيب الوالدان أو أحدهما لمطالبه مهما كان نوعها، ويغضون الطرف عن كل ما يرتكب من أفعال تقتضي التأديب والعقاب. ويسلك الآباء مثل هذه الطريقة في معاملة الأبناء نتيجة ظروف معينة، كأن يكون الطفل وحيدا، أو جاء بعد مدة طويلة من الزواج.

الأطفال يترجمون ردود فعل الوالدين إلى سلوكيات تمكنهم من تحقيق ما يريدون ولهذا من الخطأ الكبير أن يتعود الطفل على تلبية طلباته

يتمتع الأطفال بذكاء فطري يصعب تفسيره أمام بعض المواقف. ويقول دنيس شولمان أحد الاختصاصيين في مجال سلوك الأطفال: “إن الأطفال يترجمون ردود فعل الوالدين إلى سلوكيات تمكنهم من تحقيق ما يريدون، ولهذا من الخطأ الكبير أن يتعوّد الطفل على تلبية طلباته، ومن المفروض أن يسمع كلمة “لا” كثيرا.

وأضاف: “كثير من الإزعاج أفضل من قليل من الانحراف السلوكي، ومع ذلك فإنه توجد وسائل كثيرة لإيقاف هذا الإزعاج. فعندما يدرك الطفل أن ما يريده يتحقق بالإزعاج مثلا فإنه يتحوّل إلى طفل مزعج، وأهم الوسائل التي تُعود الطفل أن يكون مثاليا، ويطلب ما يحتاج إليه فقط هي تجنب تعريضه إلى التلفاز والألعاب الإلكترونية وعلى الوالدين أن يتداركا هذا الأمر، ويقللا من جلوس أبنائهم أمام التليفزيون والكمبيوتر”.

وقال موجها حديثه للأم: “لا تستغربي أن يصرّ ابنك على شراء حذاء مرسوم عليه “سلاحف النينجا”، أو غيره من أبطال أفلام الكارتون حتى لو كان ذلك الحذاء تعيسا لأن الأطفال صيد ثمين للإعلانات التجارية”.

واستطرد قائلاً: “علينا أن ندرك أن أطفالنا قادرون على أن يكونوا سعداء بدون تليفزيون وألعاب الكمبيوتر وألعاب أخرى، وعليهم أن لا يتوقعوا هدية صغيرة أو كبيرة في كل خروج إلى السوق، فكثير من الآباء والأمهات الذين يمضون ساعات عديدة بعيدا عن البيت سواء في العمل أو غيره يسعون إلى تعويض أبنائهم عن هذا الغياب بهدايا متكررة.

الدلال يتضمن التراخي والتهاون في معاملة الطفل وعدم تعويده على تحمل المسؤوليات التي تناسب مرحلته العمرية

وسلوك مثل هذا لا يجلب الحب للأبناء بقدر ما يربط رضا الطفل عن أحد والديه بمقدار ما يقدم له من الهدايا”.

وقال: “ساعدي أبناءك في البحث عن وسائل مفيدة تشغل أوقاتهم، كما أنه من المناسب جدا أن يفهم الأبناء في أداء بعض الواجبات المنزلية بعد تناول وجبة الإفطار، فبإمكان طفل عمره أربع سنوات أن ينظف طاولة الطعام، وينقل صحون الإفطار إلى حوض الغسيل، وبإمكانه أيضا أن يسهم في غسيل الصحون مع بعض كلمات الإطراء. وبإمكان طفل عمره خمس أو ست سنوات أن يرتب سريره ويجمع ألعابه وكتبه ويشرع في ترتيبها، من الضروري أن يتحمل الأبناء الصغار بعضا من الأعباء حتى يتعودوا على المسؤولية، ومهما كان العمل تافها وجهي ابنك أو ابنتك إلى القيام به وشجّعيهما على أدائه”.

ويعتبر الحب الزائد عن الحد والإسراف في تلبية رغبات الطفل، لشراء رضائه ومخافة جرح مشاعره، والمبالغة في الحيطة والحذر تجاهه، كلها مترادفات للدلال الزائد للطفل، ولهذا يؤكد خبراء التربية بأن الوسطية في التعامل مع استخدام الحزم دون قسوة هما أفضل وسيلة للتعامل مع الأبناء “لا إفراط ولا تفريط”. ويحذرون من الإفراط في التراخي الذي قد ينمو الطفل على إثره وهو يريد أن تلبى جميع مطالبه، بصرف النظر عن الظروف المحيطة به، ولا يقبل الرأي الآخر، فيثور ويغضب عندما ينتقد أحد سلوكه، لأنه تربى على الدلال، ولم يسمع سوى كلمات المدح والثناء والحب. لهذا يعتقد بأن تصرفاته سليمة وأنه منزه عن الخطأ. وفى كتابه “تربية الأبناء في الزمن الصعب” يرى الدكتور بينجامين سبوك، أن الطفل في حالة الدلال المفرط يخرج إلى المجتمع وقد اختلطت لديه المفاهيم، وأصبحت الأمور عنده غير واضحة، النجاح كالفشل والصدق كالكذب.

ويرى الدكتور عمرو أبو خليل، استشاري الطب النفسي أنه مع التراخي الزائد لا يستطيع الطفل رسم صورة حقيقية للواقع. الواقع فيه أشياء مقبولة وأخرى مرفوضة، كما أن الاستجابة لجميع طلبات الطفل والخوف عليه من أي عقاب يجعله إنساناً غير طبيعي؛ فالحياة الطبيعية بها أشياء متاحة وأخرى غير متاحة، أشياء تستطيع الحصول عليها وأشياء تسعى جاهداً من أجل تحقيقها، والطفل المدلل غالباً ما يصبح شخصا أنانيا لا يحب إلا نفسه، ويظهر عنده حب السيطرة، والدلال الزائد يجعل شخصية الطفل اعتمادية غير منجزة من الدرجة الأولى.

21