الدمشقي البرليني الكوني مروان قصاب باشي يغيب

المبدعون الحقيقيون يحتفظون بأوطانهم وطفولاتهم حيثما كانوا، فلا ينسيهم الوطن البديل تربتهم الأولى التي تظل ملهمتهم وموطن الحنين الذي يصبح طاقة خلاقة. ويعتبر الفنان السوري مروان قصاب باشي، المقيم في ألمانيا منذ أكثر من 50 عاما، واحدا من هؤلاء، إذ وهو يحمل الجنسية الألمانية لم تغب أبدا سوريا وعروبته عنه، في وطنه البديل عاش مخلصا له، وفيه فارق هذه الأيام الحياة، بعد مسيرة فنية بارزة جعلته من أهم الفنانين العرب، وقادته إلى العالمية.
الأربعاء 2016/10/26
الوجوه هي للا أحد

لم يتمكن الفنان السوري مروان قصاب باشي من الحضور إلى الحمامات (تونس) حيث قرر الملتقى المتوسطي قبل أيام الاحتفاء به والتعريف بتجربته الفنية.

غيابه اتخذ طابعا رمزيا، كان بمثابة رسالة سعى الفنانون المشاركون في المتلقى إلى أن يقيموا صلة وصل بينهم وبين عالمه الغاص بالتعبير. حتى أن إحدى الفنانات المشاركات (القطرية ابتسام الصفار) حاولت أن تستخرج صورته الشخصية من منجم عالمها لتعرف به باعتباره معلما كبيرا في مجال الرسوم الشخصية. تخيلته الفنانة كما لو أنه جلس أمامها لساعات.

مروان قصاب، الذي غاب عن ملتقى تكريمه والاحتفاء به، رحل عن الحياة بعد أيام من الحديث الطويل عنه وعن تجربته الفنية التي صنعت مكانته العالمية باعتباره فنانا قادما من سوريا. وهو ما تطلب الغوص في مفهوم الهوية الفنية، حيث كان مروان مخلصا للبلد الذي احتضنه وعلمه وفتح أمامه آفاقا ما كانت لتفتح أمامه لو أنه ظل حبيس المحترف الفني السوري.

مروان قصاب المولود في دمشق عام 1934 كان قد درس الأدب بجامعة دمشق قبل أن يتجه إلى دراسة الرسم في برلين (1957 ــ 1963). لذلك كان من الطبيعي أن تجد التعبيرية الألمانية الجديدة هوى في نفسه. عن طريقها استطاع أن يمزج الأدب بالفن. وهو مزج لم يكن للسرد دور فيه. ذلك لأن فن مروان لم يكن فنا حكائيا، فهو أقرب إلى الشعر، في اقتضابه وزهده اللغوي وتوتره وتعلقه بما لا يُرى.

كان هنا صمت هائل وملغز يكتنف الوجوه التي يرسمها مروان، كما لو أن تلك الوجوه هي للا أحد وقد تجسد فجأة عن طريق الخيال. ولأن الفنان كان صارما في استجابته لشروط وقوانين الحرفة لم يكن يجد تعارضا بين ما يراه وما يتخيله. مادته تتكون من استرسال تلقائي في المزج بين عالمين؛ ما يجده وما يخترعه، ما يغريه واقعيا وما يثير خياله.

مروان قصاب باشي بريشة ابتسام الصفار

كان الجمال يتشكل من حوله وفي أعماقه في الوقت نفسه، فكانت رسومه هي التوليفة المتشنجة التي تنتج عن ذلك الصدام غير المتوقع. لم يكن العالم الذي اخترعه مروان قصاب عن طريق الصور واسعا، بل كان أشبه بالمتاهة الصغيرة المغلقة على نفسها التي ما إن يدخل إليها المرء حتى يجد نفسه وقد توزع حائرا بين دروبها المتشعبة.

حميمية فن قصاب لا تكمن في عاطفته التي تكاد تكون من النوع الصلب الذي لا يحنو بيسر بقدر ما هي قائمة في النظرة الكلية التي تجمع بشرا مجهولين، بعضهم إلى بعض في حالة من الانصهار في مواجهة العالم. لربما كان فن مروان هو الدرس المثالي في التعريف بالغرباء في لحظات قوتهم، بالرغم من أن الفنان نفسه لم يكن غريبا في المجتمع الذي عاش فيه ولم تنطو رسومه على أي نوع من أنواع الحنين إلى مجتمعه القديم.

مروان المعلم كان دائم الحضور في رسومه. وهو أمر يكاد يكون صفة شخصية ميزته عن فناني جيله العرب الذين سعوا إلى أن يتحرروا بنسب متفاوتة من صفاتهم الأكاديمية، ليكون ذلك التحرر تمهيدا لحرية، قد تأتي من مكان آخر. ما نجح فيه مروان أنه بلور مفهوما خاصا للحرية داخل عالمه، وهو المكان الذي ظل وفيا له. قيمة مروان الجمالية تكمن في محدودية عالمه. كان يحفر عموديا ولم يكن يعنيه الانتشار الأفقي. لذلك لم يتشظ عالمه، وظل متماسكا وصلبا مثل عاطفته.

برحيله خسر العالم العربي واحدا من كبار معلمي الرسم. وهو الذي كان سفيرا للغة التحضر المفتوحة على سعتها في مواجهة الانغلاق على الهويات الصغيرة. كان الجمال هو هويته الوحيدة.

إقرأ أيضا:

الفنان الكوني

15