الدمعة بألف

السبت 2015/05/09

كل شيء في حياتنا مشروط بالدفع المسبّق، عدا الحزن الذي ينزل علينا بالمجان مطرا ثقيل الظل حتى في أيام القيظ الطويلة. لكن الله وهبنا -في المقابل- نهرا جميلا وعميقا من الدموع لا يجفّ منبعه ولا ينضب، حيث تتكاثر فيه السيول كل يوم استعدادا لارتفاع منسوب الحزن في أي لحظة وهطول الحزن الشفيف.

لكننا لم نحسن التصرف بدموعنا شأنها شأن الكثير من العطايا الإلهية التي تسربت من بين أصابعنا، بسبب سوء الاستخدام؛ فكنا قد أفرطنا في سكبها على عتبات بيوتنا القديمة، على وجوه أمهاتنا الراحلات، فوق تذاكر سفرنا إلى مجاهل الحزن، في محطات النسيان وعلى هامش الحروب الكثيرة والخيبات البعيدة. لم يتبق الكثير لدينا، جفت منابع الدموع أو توقف انهمار جداولها، لا فرق.

بالأمس وفي قصة (قبو البصل) للروائي والمسرحي الألماني غونتر غراس الذي رحل عن عالمنا مؤخرا، كان المكان عبارة عن قبو “رطب أشبه بنفق طويل بارد” يقدم لزبائنه مقابل مبلغ من المال، طبقا توضع فيه بصلة وسكين لا أكثر والبصلة غير صالحة للأكل في هذا المكان العجيب، أما الجزء الرئيس من الحكاية فيقع على عاتق الزبائن لتقطيع وتقشير هذا البصل ليس بغرض تحضير طبق شهي، لكن في محاولة لاستنشاق روائحه وذرف بعض الدموع. ويهدف هذا الطقس (البصلي)، إلى خلق أجواء مناسبة للانطلاق الحر في عاصفة من البكاء الجماعي، دون قيود اجتماعية تذكر، والتحرر من الهموم المتراكمة في أقبية الروح.

اليوم، يقدم أحد الفنادق الفخمة في طوكيو خدمة جديدة لزبائنه من الجنس اللطيف حصرا؛ غرفة للبكاء مجهزة بأثاث مطلي بألوان مريحة ومهدئة للأعصاب مع أعداد لا متناهية من علب المناديل الورقية لتجفيف سيل الدموع المتوقعة، برعاية مجموعة لا بأس بها من الأفلام الحزينة التي تتحدث عن وقائع مفجعة مدرّة للدموع. ولضمان مغادرة الغرفة بأجفان غير (منتفخة) في اليوم التالي على انتهاء طقس البكاء، فإن إدارة الفندق تجهز الغرفة بمجموعة من مستحضرات التجميل المزيلة للهالات والانتفاخات، إضافة إلى إمكانية الاستمتاع بحمام بخاري للأجفان أو قناع مصنوع من كريمات ومراهم تجميلية.

في فندق ميتسوي يوتسويا، صممت الغرف الخاصة للسيدات الراغبات في البكاء وفق أحدث التصاميم التي توفر جوا مساعدا للبكاء بـ(حرارة) في محاولة طيبة لمساعدتهن على التخلص من الإجهاد النفسي والعصبي الذي تسببه الأحداث اليومية العاطفية العاصفة. أما العاصفة، فيتكفل القائمون على الخدمة في الفندق بكنسها والتخلص من غبارها وتجفيف دموعها، فور مغادرة الزبونة الباكية لها، استعدادا لاستقبال زبونة أخرى. لكن أصحاب الفندق لم يذكروا -في معرض إعلانهم عن الخدمة الجديدة- ما إذا كانت هناك غرف شاغرة للرجال، باعتبارهم كائنات باكية أيضا وتطبق عليهم حقوق البكاء ذاتها.

تقدم الخدمة بملحقاتها من مناديل ودموع، مقابل 10 آلاف ين ياباني أي ما يعادل 83 دولارا أميركيا لا غير وهو مبلغ يبدو معقولا للسيدات المترفات، مقابل التخلص من ترسبات بعض الهموم التي تعلق في أرواحهن -سهوا- بعد نهاية يوم باذخ يبدأ في مركز تسوق فاخر وينتهي عند حاشية منتجع يوفر كل شيء سوى الضجر.

العرض الذي قدمه الفندق يقع ضمن مدة زمنية محددة، وهي طريقة تسويقية ناجحة تلجأ إليها معظم المراكز السياحية الفاخرة لجذب مزيد من الزبائن في مواسم الكساد النادرة.

من قال أن البكاء حكر على الفقراء؟

24