الدمغجة الإرهابية عن بُعد: ما لا يعرفه المسؤولون التونسيون

الثلاثاء 2015/03/24

الهجوم الإرهابي على متحف باردو بتونس الأربعاء الماضي، ليس اعتداء على تونس بل على الإنسانيّة. فالضحايا قتلى وجرحى من أربع قارّات ومن إحدى عشرة جنسيّة. دماء كثيرة اختلطت يجمعها فضاء الإنسانية الرحب على أرض تونس. جميعهم جاؤوا لأن التاريخ ناداهم ليعرفوا بعض فصوله المعتمة المقيمة في متحف باردو الأثري، ثاني أقدم مركز للحكم في التاريخ والذي يجمع أكبر رصيد من الفسيفساء في العالم.

لن نخوض في طبيعة العملية ولا في تقييم الأداء الأمني ولا في تجهيزات المتحف الأمنية، فلقد أفاض فيها المحللون التونسيون حتى قتلوها. وإنما سنحاول أن ننظر في زاوية أخرى للعملية تتعلق بمنفذيها الإثنين. هما شابان (27 سنة و20 سنة) أحدهما لم يغادر المراهقة إلا منذ أشهر. ليسا عاطلين ولا من جمعيات الدعوة ولا من المتأسلفين المتعممين الملتحين. صغيرهما من عائلة محترمة وهو تلميذ لم يلحظ ابتعاده عن فصل الدراسة إلا منذ حين. والثاني ليس عاطلا ولا مهمشا بل من عائلة محترمة وهو موظف بوكالة سياحية. الأول تخلى عن معهد الدراسة والثاني ترك موطن رزق شريف. كلاهما تنازل عن حقه في الحياة وهو في عنفوانه. فما الذي حصل؟

الذي حصل أن الدمغجة الإرهابية تأخذ مسافة السبق على الأجهزة التونسية، إذ نحن أمام نوع منها يمكن أن نصطلح عليه بالدمغجة عن بعد عبر الإنترنت، تقوم على منهج قوي لا يترك فرصة للمراجعة والتدارك. فالذي يقع انتدابه قد يذهب للانتداب بنفسه وقد يقاد إليه. ومتى دخل لا يخرج. والعملية كلها تصير في الذهن ووسائلها معروفة، ولكن مراحلها وخلاياها مجهولة. وهذه الخلايا أخطر من الخلايا المكشوفة المتجمعة في المساجد والجمعيات الخيرية.

العقل الإرهابي يعمل بسرعة لا تقوى البيروقراطية الإدارية التي تكبل الإدارة التونسية عن مجاراتها. فالخطير أن مراحل الدمغجة افتراضية لا يتم اكتشافها إلا بالإطلاع على الحاسوب الشخصي للفرد المنتدب بعد استصدار إذن قضائي، قد يتأخر وقد لا يجد المحفز عليه. وهو ما يجعل عمل الأجهزة التونسية عسيرا لاسيما وأنها مازالت تهدر أغلب جهودها في متابعة الخلايا البشرية التي يعمد بعضها للتمويه. متابعة الخلايا البشرية عمل مهم ولكنه ليس كافيا إذ أن انتداب الأفراد ودمغجتهم وتجنيدهم أسهل بكثير بالنسبة للأجنحة الإرهابية وأقل كلفة وأكثر جدوى. فالفرد يتم اختياره وتجنيده وتكليفه بالتنفيذ بعيدا عن أعين الاستعلامات التونسية. والغاية نجاح التنفيذ ولذلك تتم التضحية بكل شيء حتى بالزي الشرعي واللحية واللسان المستعيذ.

لم تكن عمليات التجنيد عبر الدمغجة لتنجح لولا ثغرات المنظومة التشريعية والقانونية في تونس بسبب التعطيل المتعمد لها زمن الترويكا، وهي ثغرات يعلمها المجنِدون والمجنَدون على السواء، فعدوّنا يعرفنا جيدا فيما نحن لا نعرفه. يعرف العدو برامج التعليم ومآزق العاطلين من أصحاب الشهائد. ويعرف قوانين الرقابة والتباسها بالمسألة الحقوقية التي تكون في أشرس حالاتها لما يتصل الموضوع بالحريات. من المؤسف أن نسجل أن الإرهاب يداور على المسألة الحقوقية ليكسب عبرها نقاطا لصالحه وضد الحريات نفسها. ستظل تونس مرتبكة مبعثرة بين الحريات وبين الاستبداد. ومن كليهما سيجد الإرهاب منفذا للمرور.

بعد نجاح عملية باردو الإرهابية في تحقيق أهدافها، بدت الأجهزة التونسية كمن أخذ بالغرة فلم يجد تبريرا ولا تحليلا. فالإرهابيان إثنان وليسوا كتيبة. ورغم أنهما ترددا على المكان طيلة شهر تقريبا لم يلحظ أحد تحركاتهما. وفي الصباح زارا مكان العملية قبل أن يعودا عند الزوال لينجحا في دخول المتحف الملاصق للبرلمان في وضح النهار وقريبا من ثكنة بوليسية. ثم ينفذان من الطابق الأرضي إلى باحة المتحف وهما يعالجان سلاحي الكلاشينكوف اللذين بحوزتهما ويقتربان من الباص ويزخّان الرصاص على الأجساد البريئة، ويحتجزان البقية في انتظار المنازلة مع الأمن التونسي.

عملية متحف باردو أشبه بالسينما، فلا بأس من الاستئناس بهذا الفن في محاولة فهمها وفك بعض غموضها، إذ ليست دليل بطولة بل كانت نتيجة نجاح في عمليتي الدمغجة والتجنيد. من يعرف أفلام الإثارة للممثل العالمي أنطوني هوبكنز “التنّين الأحمر” و”صمت الخرفان” و”هانيبال”، وهي سينما قائمة على استثمار منجزات علم التحليل النفسي في دراسة الجريمة المتأتية من العقد النفسية.

هذه السلسلة يجب أن يعتمدها الأمن التونسي في برامج تكوين عناصره إذ فيها دروس كبيرة لعمليتي الدمغجة والانتداب الإرهابيتين. فالمجرم الخطير يكون معتقلا في زنزانة تحت حراسة مشددة محاطا بكاميرات المراقبة ممنوعا من الاختلاط بأي كان، ومع ذلك ينجح في تجنيد المجرمين في الخارج عبر اكتشاف نوازعهم الإرهابية الكامنة بكفاءة يمتاز بها، أولا، ويدمغجهم ثانيا، ويتحكم فيهم ثالثا، وينقل إليهم خبراته رابعا، فينفذون جرائمه نيابة عنه خامسا. تجنيد المجرم لأعوانه كان يتمّ عبر البريد فيما تجنيد الإرهابيين في تونس يقع عبر الإنترنت.

ما يهم هنا هي النقاط الأولى والثانية والثالثة المتمثلة في التجنيد والدمغجة والتحكم. إن معرفة المسؤولين التونسيين والأمنيين بها ضعيفة ولا ترقى إلى درجة المعرفة. وهي طبعا لا تلغي النجاح العملياتي للأمن التونسي. بقي أن هذا النجاح لا يكون إلا بعد الخسائر، رغم أن المسؤولين يسمونها عمليات استباقية. فما الذي حصل؟

الذي حصل أن الأعين كانت مركزة على الأزياء الخاصة للمتشددين وعلى مظاهرهم ولحاهم، بينما الهجوم يأتي من أصحاب أزياء رياضية. الذي حصل أن الجهود الكبرى مكثفة على الحدود الليبية وعلى المرتفعات الغربية، والهجوم يقع في قلب العاصمة. الذي حصل أن مخازن الأسلحة يتم اكتشافها في محافظة تطاوين، وأخرى تتجول في عاصمة البلد بحرية. الذي حصل أن سياسيين وأحزابا تعمل بالوكالة عند الإرهابيين نزلوا بثقلهم إلى جنوب تونس ليلهوا السلطات ويحجبوا أنظارها عما يعد لها في شمالها من إرهاب. الذي حصل أن من يجب أن يحاسب بتهمة الخيانة العظمى وتخريب الوطن حين أتاح للأصولية الإرهابية فرصتها التاريخية للتمركز في أرض تونس، يكرم اليوم وتبذل له المناصب جزيلة مدرارة. الذي يحصل أن زمن الترويكا عاهة ستحملها تونس إلى ما شاء الله.

لابد من الإشارة إلى أن الإرهاب سينْفُذُ من كل ما يناضل من أجله الشعب التونسي من قيم ومطالب؛ من العدالة الاجتماعية، من مقاومة التفاوت والتهميش، من ضعف التكوين العلمي والحصانة التربوية، من هشاشة المنظومة القانونية والتشريعية، من الحريات العامة والفردية، من الإعلام الذي تتكالب عليه بارونات المال وتبييض الفساد، من الفعل الثقافي المصحر بإرادة الترويكا ليترك مكانه لفعل آخر نعيشه اليوم…إلخ

أمام عمق ما يحدث لم يجد حكام تونس من حل سوى الترصف في ترتيب ونظام أمام الرئيس ليدعوهم إلى الوحدة الوطنية والمصالحة بعد أن تلا عليهم قائمة المتعاطفين بالهاتف أو بالرسالة. نعم، يا سيادة الرئيس، الوحدة والمصالحة، ولكن مع من؟ وبعد ماذا؟ أعتقد أن الأحرى للتغلب على الإرهاب هو توجيه الحكومة نحو الانكباب على البحث بسرعة في الدمغجة الإرهابية عن بعد.

كاتب وباحث سياسي

9