الدم الأثيري

بات الجسد وكل ما يؤلفه وما "يحتويه" عضويا، منصات إقلاع نحو مفاهيم وحقائق جديدة ومادة خصبة للتفكّر الميتافيزيقي المُطعم بشتى أنواع الدراسات العلمية والفنية.
الجمعة 2018/10/05
من أعمال الفنانة السورية سارة شمة

لم يعد ممكنا في عصرنا هذا  التغاضي عن أحوال الجسد المُتبدّل في الفن بشكل متسارع إلى وسيط وعتبة انتقال من محدوديته وحتمية فنائه، بالشكل الذي عرفناه حتى الآن، إلى هيئة مُتحولة وخاضعة للتطورات التكنولوجية. تطورات متضافرة مع اكتشافات علمية يبدو أنها بدأت تُطلق حدوده فلا يعدو أن يكون، وكما عهدناه في أعمال فنية غابرة، السجن المُحكم الإقفال الذي تموج فيه الروح توقا إلى الانعتاق منه.

بات هذا الجسد وكل ما يؤلفه وما “يحتويه” عضويا، منصات إقلاع نحو مفاهيم وحقائق جديدة ومادة خصبة للتفكّر الميتافيزيقي المُطعم بشتى أنواع الدراسات العلمية والفنية المُستخدمة لتقنيات تكنولوجية لا تنفك عن التطور.

شيئا فشيئا يُصبح الجسد أشبه بغلاف كريستالي شفاف ودقيق يُقارب ويصنع تماسا، وأحيانا تداخل غير مسبوق ما بين المحدود واللامحدود، ما بين النهائي والمُتحول وما بين الأثيري والعضوي.

وخارج، وقبل أن يُصار الحديث عن نمو تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي واتصاله الوثيق مع الفنون المستقبلية والخيال العلمي تبرز -وذلك منذ انتصاف الألفية الثانية- مقاربات فنية لماهية الجسد وتوسع حدوده المُعتبرة نهائية.

ويُمكن اعتبار العديد من الأعمال الفنية التي أبدعتها الفنانة التشكيلية السورية سارة شمة مثالا لهذا التلاقح ما بين الجسدي والروحي، والعضوي البحت والأثيري العائم في بحيرات الدماء غير القابلة للتخثر، وإن كانت أعمال الفنانة منطلقة من التجربة السورية الدامية، فإنها تخطت ذلك لتشكل استفهامات كبرى حول حياتنا ومصيرنا كبشر، نعيد اكتشاف أجسادنا أو “حاويات” أرواحنا من جديد.

أما خارج عالمنا العربي، فثمة تجارب فنية صادمة يُمكن اعتبارها في آن واحد استهتارا بقدسية الجسد المخلوق، وإلحاحا في استفزاز هذا الجسد عبر انخراطه عضويا في أعمال فنية “ثورية”، تحاول كشف غير ما تمّ اكتشافه حتى الآن في شأن الحياة والموت والتطور البشري، ولم تكن هذه الممارسات الفنية حصريا خارج الإيمان بقوى عظمى صانعة له وللكون المتوسع بأسراره، بل مشيرة إليه.

يُمكن اعتبار العديد من الأعمال الفنية التي أبدعتها الفنانة التشكيلية السورية سارة شمة مثالا لهذا التلاقح ما بين الجسدي والروحي، والعضوي البحت والأثيري العائم في بحيرات الدماء غير القابلة للتخثر

فمنذ ثلاث سنوات استخدم الفنان النيويوركي القاطن في بروكلن تيد لوسون، دماءه لكي يرسم صورة كاملة عنه، استطاع ذلك عبر استعماله لآلة متطورة تحمل اسم “الآلة الشبح” تولت سحب الدماء من جسده لترسم بها صورة شخصية تجسده عاريا. ويقول الفنان إنه استخدم دمه “ليخرج عن الروتين حتى يختلف به عن الآخرين، وكي يشعر بروح الصورة الناتجة عن دمه”.

الأهم من ذلك أن لوسون أطلق على المعرض، الذي عرض ضمنه ثلاث صور ذاتية مشغولة بدمائه، عنوان “الخارطة ليست المساحة الجغرافية”، والعنوان مستوحى من مقولة للمفكر والعالم البولندي ألفريد كورزيبسكي الذي أسّس للنظرية التي تعتبر أن التجربة الإنسانية تحدّدها البيولوجيا واللغة. “اللغة” التي اعتمدها الفنان لوسون هي الشيفرة المُركبة التي تمكنت آلة الشبح من قراءتها، فترجمتها بصريا بحبر عضوي، هو دماء الفنان.

وإذا كانت نظرية الفيلسوف تصب في خانة أن الصورة التجريدية عن أي شيء ليست هي الشيء ذاته، فعمل الفنان تيد لوسون يفتح المجال لمجموعة من الأسئلة المُتشعبة التي تخالفها، وأهمها هل باتت “الصورة” عن أجسادنا والمشغولة بدمائنا بداية لكينونة جديدة لم نفقه إمكانيتها من قبل؟ وهل يستعد الجسد البشري إلى تهجين مع صورته؟ وإلى أي مدى يُمكن أن يحلّ المادي بالأثيري خلافا لكل ما عرفناه من قبل؟

ولعل الكلمات التي قالها الفنان حول مسألة تعاطيه مع شكات الإبر وتحريك اليد أثناء رسم صورته الشخصية، هو كلام عن  الجسد وقابليته، في أي لحظة، لأن يدخل في لا زمنية ولا جغرافية الأثيري.

يقول تيد لوسون “بعد عدة ساعات من وجود الإبرة في ذراعك، وأثناء خطك لمعالم الصورة المشغولة منك وبك، تبدأ بنسيان ما تعرفه عن الدم وما يرتبط به من أفكار، لم يعد دما.. أصبح حبرا”.

17