الدم السوري واحد والقاتل أيضا واحد

الأربعاء 2016/05/25

كم هي كثيرة أوجه الشبه بين ما جرى في بغداد في حمأة انفجارها الشعبي الصارخ “إيران برا برا”، وبين ما جرى في الساحل السوري من أهوال الانفجارات التي لم تستهدف إلا المواقع المدنية.

ففي بغداد سلسلة انفجارات أودت بحياة العشرات من المدنيين في الوقت الذي خرقت أصوات المحتجين كل الجدران ووصلت إلى أذني الولي الفقيه، وفي طرطوس وجبلة مزقت سلسلة الانفجارات العشرات من الأجساد الطرية، في حين أن الحواجز العسكرية والأمنية ومراكز الاحتلال الأسدي والروسي على مرمى حجر. وفي الحالتين يسارع داعش إلى التبني، وينطلق النظامان ومَن وراءهما في حربهما على البائسين.

وفي حين يطلق الكثير من وسائل الإعلام تسمية “مناطق موالية للنظام” على الساحل السوري، يتسابق قادة الميليشيات الطائفية في العراق على اعتبار الفلوجة منبعا للإرهاب يجب اجتثاثه.

بداية لا بدّ من التوضيح أنه ليست في سوريا مناطق “موالية” للنظام أو مناطق مؤيدة للنظام أو محسوبة على النظام. هذه المصطلحات لا بد من تفنيدها ودحضها. فمن عممها لم يكن يريد تصنيف المناطق السورية بهدف المعرفة، بل من أجل غايات سياسية ولحسابات تستهدف الثورة السورية في الصميم، أي في نفي وجود ثورة في الأساس وهذا ما يريده النظام وداعموه وموظفوه.

ولمثل هذه المصطلحات التي يستخدمها البعض عن جهل أكثر من وظيفة. فهي إلى جانب نقضها للثورة كوجود، فإنها ترمي إلى حرف الصراع باتجاه اقتتال أهلي متعدد الأطراف قوميا ومذهبيا وطائفيا ومناطقيا.

ليست في سوريا مناطق موالية. هناك مناطق خاضعة لسيطرة النظام تعاني كل صنوف العسف والاستبداد والتسلط، كما أن هناك مناطق خاضعة لسيطرة ما يسمى بتنظيم “داعش”، وتعاني من صنوف إجرامه وإجرام من يدعون محاربته وتحديدا النظام وحلفاؤه، إضافة إلى الكوارث التي تصيبهم جرّاء غارات طيران التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بزعم الحرب على داعش.

ليست هناك مناطق موالية لا للنظام ولا لما يسمى بتنظيم الدولة ولا للنصرة أو لجيش الإسلام. هناك مناطق خاضعة لسيطرة هذه القوى المضادة للثورة. فالثورة السورية هي ثورة الشعب السوري وهي لكل السوريين بغض النظر عن القوى المسيطرة على الأرض. فلا يمكن اعتبار السوريين المتواجدين في منطقة سيطرة داعش مثلا موالين لهذا التنظيم، كما لا يمكن أن نحسب السوريين المقيمين في مناطق سيطرة جيش الإسلام أو جبهة النصرة موالين لهذين التنظيمين.

أما في مناطق سيطرة النظام، أو ما تبقى منه، وهي في الواقع تحت سيطرة ميليشيات النظام والميليشيات التابعة لنظام المافيا الإيرانية والقوات الروسية، فيمكن ملاحظة الفجوة التي تتوسع باطراد بين الناس وبين هذه القوى التي تتصرف مع المواطنين تصرف المحتل الغاشم. والسوريون الذين يعيشون في هذه المناطق من أهل تلك المناطق أو من النازحين من المناطق التي تتعرض لبطش النظام، يتصرفون حيال مؤسساته وقواته كما يتصرف الواقعون تحت الاحتلال حيال القوى التي تحتل أرضهم. فهم عرضة في أي لحظة للاعتقال والتنكيل، فيما الشباب والرجال يهاجرون هربا من الخدمة الإلزامية، ومن لا يتمكن، فسيجد نفسه في الجبهة في مواجهة المعارضة المسلحة وتحت رحمة الميليشيات وأجهزة أمن النظام يدفع بهم إلى المقدمة ليكونوا الطعم فيتساقطون في المواجهات. لذلك يمكن ملاحظة تراجع حاد في تعداد قوات النظام نسبة لما كان عليه بداية الثورة، نتيجة تهرب الشباب من الخدمة العسكرية.

يتعرض السوريون المقيمون في مناطق سيطرة النظام إلى المضايقات الدائمة وصولا إلى التنكيل بالكثيرين منهم. فالاعتقالات لا تتوقف، وشبيحة النظام لا تتوانى عن مختلف الأشكال المرتكبة في حق المواطنين. زاد الوضع ترديا الانهيار الكبير في الوضع الاجتماعي الاقتصادي للسوريين. فأموال المتنفذين التي تسرق من لقمة عيش السوريين ودمهم تهرب إلى الخارج ويتركون في خضم أزمة معيشية خانقة تتضاعف حدتها كل يوم.

دماء الضحايا الذين سقطوا في طرطوس وجبلة كدماء الضحايا في بغداد، مهما كانت الأدوات التي نفذت الجرائم، هي مسؤولية النظام الأسدي ومَن وراءه، والمحتل الإيراني وميليشياته.

ليست في سوريا مناطق “موالية” للنظام أو لسواه من القوى الاستبدادية أو الظلامية. في سوريا ثورة لكل السوريين، بل لكل البشرية.

كاتب لبناني

9