الدم يتخطى يانوكوفيتش

الأربعاء 2014/02/26

الدم تخطاه يوناوكوفيتش فهل تتخطاه القوى الأخرى في الداخل والخارج جنّب الرئيس يانوكوفيتش بلاده مزيدا من الدماء ووافق على الإصلاحات وعلى مطالب المعارضة المشروعة عبر حوار رعته الدول الثلاث، وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبولندا، الموجود;ن في كييف من خلال محادثات مع يانوكوفيتش استمرت لنحو 4 ساعات، طرحوا خلاله خارطة طريق لتسوية الأزمة في أوكرانيا تنص على تشكيل حكومة انتقالية في البلاد وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية وبدء إصلاح دستوري.

والكلام الذي اعتبر أن يانوكوفيتش تخاذل أمام مطالب المعارضة ولم يمارس القمع والبطش، لكنه رئيسٌ ابن شعبه. فقد وضع هذا الرجل مصلحة وطنه فوق مصلحته الشخصية، وفوق مصلحة حزبه حزب “الأقاليم” وفوق مصلحة جزء كبير من الشعب الأوكراني، بالرغم من كون يانوكوفيتش تعرض لعدة ضغوط داخلية وإقليمية هائلة دعته إلى استخدام القوة.

لقد كان باستطاعته أن يـُخليَ ميدان الاستقلال ـ فعلا ـ في غضون ساعات لأن رجال “قوة بيركوت” من أفضل العسكريين تدريبا في العالم، ولأن الدستور يخول له “الحفاظ على أمن المواطنين” باستخدام كل الوسائل ولكنه فضّل نزع فتيل مواجهة سوف لا تجر على البلاد سوى الدمار.

وقد رضي بالدعوة إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة، ورضي بالعودة إلى دستور عام 2004 الذي يجرده من الكثير من صلاحياته ورضي بتشكيل حكومة وفاق وطني تتولى تسيير الأمور إلى أن تنتهي المرحلة الانتقالية.

ووافق الرئيس يانوكوفيتش على مطالب المعارضة في اجتماع الوساطة الأوروبية والقاضية بانتخابات رئاسية مبكرة وإعادة العمل بدستور 2004 وإطلاق كل السجناء الذين تم اعتقالهم منذ بدء الاحتجاجات في كييف والإسراع بالتصويت على قرار في البرلمان يشرع الإعفاء عن يوليا تيموشنكو بكل بساطة. وقد خضعت روسيا لقرارات الغرب ولأن الثورة التي حصلت هي ردة فعل للشعب الأوكراني على سياسة بوتين …فخروج تيموشنكو من الحبس يعني توليها منصب الرئاسة والتي ستكون المرشح الأقوى وبالتالي يانوكوفيتش ضمن لنفسه خروجا آمنا من السلطة دون حساب لأن الاعتماد على روسيا فاشل.

يوليا تيماشينكو الرئيسة السابقة أطلق سراحها من سجن في خاركوف وتوجهت حالا إلى كييف وأعلنت أنها ترغب في الترشح للانتخابات الرئاسية أما الجالية الروسية في القرم وخاركوف وسيفاستوبل فهي تطالب بحكم ذاتي والقيادة الروسية مستنفرة القوى القومية، لأن تحطيم تماثيل لينين وقادة الفترة السوفيتية هو رسالة إلى روسيا، لكن تسارع الأحداث في ظل قيادة تفتقد إلى الخبرة يجعل من يوليا تيماشنكو القائد المؤهل لحكم أوكرانيا وإخراجها من مآزقها باعتدالها تستطيع تيماشينكو ترميم علاقة البلد مع الروس، وأوكرانيا لا يمكنها أن تستقر على قاعدة العداء مع روسيا.

أصداء خط أحمر وضعه أوباما لسوريا تتكرر في تحذيره لأوكرانيا وكان التحذير شديد اللهجة من الرئيس الأميركي باراك إلى المسؤولين الأوكرانيين أقرب ما يكون إلى “الخط الأحمر” الذي وضعه للحكومة السورية عام 2012 حين هدّدها بالتحرك إذا استخدمت الأسلحة الكيمائية، لكن تحذير أوباما، الأربعاء الماضي، بعدم “تجاوز الخط” في قمع الاحتجاجات الحاشدة التي عصفت بميدان أوكرانيا عاد أوباما من جديد لتحذير موسكو الجريحة من التدخل العسكري في أوكرانيا لأن تقسيمها ليس من مصلحة أحد.

وبينما تشهد أوكرانيا جدالاً حاداً بين الحكومة الشرعية والمعارضة في شوارع كييف، يستعد جيرانها إلى إعادة توزيع أراضيها حتى أنهم بدؤوا يتشاجرون فيما بينهم حول كيفية القيام بهذه العملية، ويمكن الآن في هذه اللحظة رؤية ثلاث قوى تحاول بشكل أو بآخر إعداد خطط لإعادة النظر في الحدود مع أوكرانيا وهي ممثلة بالتحالف الارتجالي الذي سمي بمجموعة فيشيغراد والمؤلفة من بولونيا والمجر وسلوفاكيا، فالوضع في أوكرانيا يحرج قادة هذه الدول، فمن جهة هم يرغبون في دعم الانقلاب ولكن من جهة أخرى هناك خطر نشوب مشاكل سياسية داخلية ناجمة عن حقيقة أن القوة الضاربة الرئيسية للانقلاب الأوكراني هما العنصران الجديدان الحاقدان على الأجانب.

ويمكن أن تصبح الأزمة الأوكرانية أزمة نطاق إقليمي بسهولة، وهناك فرصة كبيرة لتنمو وتتحول إلى صراع متعدد الأطراف، وإن كل يوم من عدم الاستقرار في كييف يزيد من فرص أن تصبح أوكرانيا فريسة بين أنياب جيرانها.

واعتبر زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي السابق للرئيس كارتر، أنه “من دون أوكرانيا لن تبقى روسيا إمبراطورية، لكن مع أوكرانيا تصبح روسيا إمبراطورية بشكل تلقائي”، وعبر تاريخها كانت أوكرانيا الواقعة على البحر الأسود صلة الوصل الأوروبية لروسيا، ومسرح تجاذب كبير بين موسكو والغرب منذ نهاية الحرب الباردة.

لقد تصورت موسكو أن سياستها في التعطيل على صعيد مجلس الأمن الدولي ودعمها للنظام السوري قد نجحت في احتواء انعكاسات ما سمي بالربيع العربي، وأن حركة التاريخ توقفت في دمشق، فإذ بنداء الحرية الصادر من الأعماق في كييف، يدلّل على أن نظرية المؤامرة الخارجية ومقولة رفض التدخل في شؤون الدول وسيادتها لم تعد وصفات مقبولة وأن عودة شعوب الجوار الروسي إلى الوراء، صعبة بل مستحيلة، ممّا يعقّد مهمة بناء مشروع إمبراطوري روسي.

ولكن الأخطاء في الحسابات وعدم سلوك الدبلوماسية الروسية طريقا مميزا في التعاطي مع أوكرانيا وأزمتها سمحت للمعارضة المجزأة والمفتتة من تسجيل انتصار كبير على روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين لننتظر الأيام القادمة وردة فعل موسكو وكييف.

فكيف ستتصرف في الأيام المقبلة وهل سيكون ردها قويا ومخيفا ويحسب له حساب في ألمانيا تحديدا التي ليست لها مصلحة في توتير العلاقات مع روسيا لأجل أوكرانيا أو السعي إلى استعادة جزيرة القرم واعادتهما سيفستوبل مركز الأسطول البحري الروسي التاريخي من سلطة أوكرانيا وإعادتهم إلى سيطرة روسيا القيصرية الجديدة وأميركا وحالة الخلاف السائدة بين البلدين في تسجيل النقاط فيما بينهما أو أوكرانيا نفسها التي ستدفع الثمن غاليا بحال سلوكها نهجا عدائيا ضد روسيا، فهل سييتم الاتفاق لاحقا بعد انتهاء الفوضى والبدء بضبط الشارع والقوى.

أزمة أوكرانيا تنهك بوتين وتبيّن نقاط ضعف موسكو، وفي المقابل يُستبعد أن تسجل واشنطن أو بروكسيل سبقا استراتيجيا وربما يفتح اختبار القوة حول كييف، مجالا لتليين مواقف موسكو من ملفات أخرى أو ربما يؤدي ذلك إلى إصرار روسيا على مزيد من التعطيل في الملف السوري وسواه.

5